هل تتأثر التجارة الإلكترونية فى مصر بقرار فرض الضرائب؟

استكمالا لجهود الدولة المصرية لتحويل الاقتصاد غير الرسمى إلى الاقتصاد الرسمى وتحقيق العدالة الضريبية وحصر نشاط التجارة الإلكترونية، وتنفيذا لقرار وزارة المالية رقم (345) لسنة 2021 بشأن الإفصاح عن رقم التسجيل الضريبي الموحد للممول أو المكلف لدى الإعلان عن السلع والخدمات وغيرها من الأنشطة الخاضعة للضريبة، كشف رئيس مصلحة الضرائب المصرية فى الخامس والعشرين من سبتمبر 2021 عن قيام وحدة التجارة الإلكترونية بالمصلحة بحصر نشاط ومتابعة وتسجيل الشركات التى تمارس نشاط التجارة من خلال المواقع الإلكترونية، وذلك بعد أيام من توجيه وزير المالية “محمد معيط” فى الحادى والعشرين من سبتمبر 2021 لأصحاب المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغيرة الذين يمارسون التجارة الإلكترونية بالتسجيل في وحدة التجارة الإلكترونية والاستفادة من مزايا قانون تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر رقم 152 لسنة 2020 بما تتضمنه من حوافز ضريبية جديدة لأصحاب المشروعات الذين يقوموا بتوفيق أوضاعهم. وأثارت هذه القرارات العديد من التساؤلات حول دوافعها وآلية تطبيقها وجدواها الاقتصادية.

قرارات فرض الضرائب على التجارة الإلكترونية:

تُعرف التجارة الإلكترونية بأنها التجارة التى يتم فيها استخدام الإنترنت فى حركة بيع أو شراء السلع والخدمات سواء بين الشركات وبعضها (B2B) أو بين الشركات والأفراد (B2C)، ويرجع تاريخ البحث فى فرض الضرائب على التجارة الإلكترونية فى مصر وتحويلها من اقتصاد غير رسمى إلى اقتصاد رسمى إلى عام 2017، حين ظهر مشروع قانون تنظيم المعاملات التجارية الإلكترونية أواخر عام 2017، وإعلان وزير المالية “محمد معيط” فى 26 يوليو 2018 عن تشكيل  لجنة من قيادات مصلحة الضرائب مهمتها البحث عن آليات قانونية وإدارية للتعامل مع التجارة الإلكترونية، وكيفية إلزام المتعاملين عبر شبكة الإنترنت بسداد الضريبة المستحقة على تعاملاتهم التجارية والمهنية.

وأصبحت كافة عمليات بيع السلع والخدمات عبر المواقع الإلكترونية مطالبة بالتسجيل لدى مصلحة الضرائب المصرية منذ 11 يوليو 2021، بعد صدور قرار وزارة المالية رقم (345) لسنة 2021 بشأن الإفصاح عن رقم التسجيل الضريبي الموحد للممول أو المكلف لدى الإعلان عن السلع والخدمات وغيرها من الأنشطة الخاضعة للضريبة، والذى ينص على “يجب على كل ممول أو مكلف لدى الإعلان عن السلع أو الخدمات التي يقوم ببيعها أو تقديمها أو الإعلان عن أي نشاط يباشره يخضع الربح المتحقق منه للضريبة، أيا كانت وسيلة هذا الإعلان، الإفصاح عن رقم التسجيل الضريبي الموحد الخاص به، سواء باشر هذا الإعلان بنفسه أو بمعرفة الغير من المنشآت والشركات”.

وإصدار مصلحة الضرائب المصرية بعد هذا القرار تنويهًا لجميع الأشخاص والشركات التى تقوم ببيع منتجاتها من سلع أو خدمات عبر المواقع الإلكترونية وغير مسجلة بمصلحة الضرائب المصرية بسرعة التسجيل حتى لا تقع  طائلة القانون فى التهرب الضريبي،  كما نوهت المصلحة على مقدمى خدمات التوصيل (الدليفرى) من الأشخاص والشركات التى تقوم بتوصيل السلع للمشترين ضرورة التوجه للمأموريات الضريبية التابعة لها من أجل التسجيل بضريبة القيمة المضافة، وكذلك ضرورة تأكد جهات الإعلان المختلفة من وجود رقم التسجيل الضريبى ضمن محتوى الإعلان وذلك للأشخاص والشركات التى تقوم بالإعلان لديها عن بيع منتجاتها من سلع وخدمات، وإلا سيتم اعتبارها مشاركة فى جريمة التهرب الضريبة وفقا لقرار وزير المالية رقم (345) لسنة 2021.

والجدير بالذكر أن قانون ضريبة القيمة المضافة رقم 76 لسنة 2016 كان يلزم مقدمى السلع والخدمات إلكترونيا لمن يتجاوز حيث تنص المادة الخامسة من القانون على أن “تستحق الضريبة بتحقق واقعة بيع السلعة أو أداء الخدمة بمعرفة المكلفين فى كافة مراحل تداولها وفقًا لأحكام هذا القانون وأيا كانت وسيلة بيعها أو أدائها أو تداولها بما فى ذلك الوسائل الإلكترونية”،

دوافع القرار:

جاء قرار فرض الضرائب على التجارة الإلكترونية فى إطار سعى الدولة المصرية لدمج الاقتصاد غير الرسمى وتوسيع القاعدة الضريبية والالتزام بتحقيق العدالة الضريبية، لاسيما وأن  التشريعات المصرية قد عانت لسنوات طويلة من عدم وجود إطار قانوني موحد ينظم فرض ضرائب على المعاملات التجارية التي تتم على نحو إلكتروني أو من أي إطار قانوني يحمي حقوق المستهلكين من المتعاملين في التجارة الإلكترونية.

هذا إلى جانب التوسع الكبير لمفهوم التجارة الإلكترونية فى العالم ليشمل خدمات جديدة يتم تقديمها كتقديم محتويات إعلانية أو خدمات مدفوعة عبر المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، واتساع سوق التجارة الإلكترونية فى مصر وعالميًا، فبحسب تقرير منظمة UNCTAD عن مؤشر التجارة الإلكترونية (B2C) لعام 2020، شكل مستخدمى عدد المشترين عبر الانترنت نحو 7% من إجمالى مستخدمى الانترنت فى مصر لعام 2019 مقارنة بـ 3% عام 2017، ونحو 2.4 % من إجمالى السكان، كما تقدم ترتيب مصر العالمى فى مؤشر التجارة الإلكترونية  ليصبح 107 من بين 152 دولة مقارنة بـالترتيب 113  عام 2018 والترتيب 144 للعام 2016.

المصدر 1 إعداد الباحثة بالاعتماد على نتائج مؤشر التجارة الإلكترونية للأونكتاد

ووفقا لمؤشر موقع الخدمات العالمية 2021 الصادر عن  شركة A.T Kearney العالمية، والذى يخضع فيه ترتيب الدول لعدة اعتبارات تشمل مدخلات الشركات ونشاط الخدمات  الإلكترونية والمبادرات الحكومية لتعزيز هذا القطاع، احتلت مصر المرتبة الـ 15 عالميًا  والأولى فى منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا من بين 60 دولة.

الضرائب المفروضة:

تخضع الشركات والأشخاص الذين يمارسون نشاط التجارة الإلكترونية إلى ثلاث من القوانين حسب طبيعة النشاط وحجم الأعمال، فجميع الشركات التى تمارس نشاطا تجاريٍا أو غير تجاري تخضع للضريبة على الدخل طبقا لقانون رقم 91 لسنة 2005 وهنا يلتزم مقدم الخدمة أو السلعة تقديم إقرار سنوي عن صافي الربح مصحوب بسداد الضريبة المستحقة، ووفقًا لقانون الضريبة على القيمة المضافة رقم 67 لسنة 2016، ينطبق هذا القانون على كل شخص طبيعى أو اعتباري يبيع سلعة أو يؤدى خدمة خاضعة للضريبة بلغ أو جاوز إجمالى قيمة مبيعاته على السلع والخدمات الخاضعة للضريبة والمعفاة منها خلال الاثنى عشر شهرا السابقة على تاريخ العمل بهذا القانون مبلغ 500 ألف جنيه، وهنا يكون السعر العام للضريبة هو 14% ويكون سعر الضريبة على الآلات والمعدات المستخدمة فى إنتاج السلعة والخدمة 5%. كما أن الأفراد والشركات التى تقوم بتقديم خدمات مهنية واستشارية يتوجب عليها التسجيل اعتبارًا من تاريخ بدء النشاط، وتحصيل وتوريد الضريبة على القيمة المضافة بفئة 10%، وبالتالى فإن الشركات التى تمارس نشاط التجارة الإلكترونية وبلغت حد التسجيل وهو 500 ألف جنيه يجب عليها التسجيل بضريبة القيمة المضافة.

أما المشروعات التى يقل حجم أعمالها السنوية عن 200 مليون جنيه، وتلجأ إلى توفيق أوضاعها تخضع ضريبيًا حسب المزايا والحوافز الضريبة بقانون تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر رقم 152 لسنة 2020، والتى تعتبر ضرائب قطعية مُبسطة حسب حجم المبيعات أو الأعمال دون الحاجة إلى دفاتر أو مستندات أو فواتير شراء، ويتحدد فيها حجم المبيعات أو الأعمال بإقرار من صاحب المشروع من خلال إقرار ضريبى مبسط سنوى واحد.

انعكاسات محتملة:

ينعكس قرار فرض الضرائب على المعاملات التجارية الإلكترونية فى مصر وضمها إلى الاقتصاد الرسمى على كل من مقدم السلعة والخدمة والمستهلك والاقتصاد المصري، ويمكن توضيح ذلك فيما يلي:

  1. مقدمى السلع والخدمات:

(*) الدخول ضمن الاقتصاد الرسمى والاستفادة من الحوافز الضريبة بقانون المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر رقم 152 لسنة 2020: حيث يقدم هذا القانون للمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر عند توفيق  المشروعات التى يقل حجم أعمالها مليون جنيه ولا يجاوز 10 مليون جنيه سنويا لأوضاعها، مزايا عديدة منها حجم ضرائب تتراوح بين 0.5%-1% حسب أعمال المشروع، والإعفاء من إمساك السجلات والدفاتر والمستندات المنصوص عليها فى قانون الدخل، ويتم التمتع بهذه المزايا لمدة خمس سنوات متتالية بخلاف عدم المحاسبة عن السنوات السابقة.

 (*) خلق فرص عمل جديدة: يساعد تقنين أوضاع التجارة الإلكترونية فى التشجيع على إقامة مشاريع تجارية صغيرة ومتوسطة للأفراد وربطها بالأسواق العالمية بأقل التكاليف الاستثمارية إلى جانب ما توفره تلك الشركات من فرص عمل للشباب وتشجيع الشباب على إنشاء مشروعات إلكترونية بدون تكاليف للأرض والعقارات والقدرة على تصدير بضائعهم للخارج لوجود سجلات تجارية وخضوعها لجهات حكومية تشرف عليها.

(*) جذب مستلكين جدد: حيث يساعد تنظيم المعاملات التجارية الإلكترونية فى جذب مستهلكين جدد لا سيما المستهلكين الرافضين من قبل التعامل مع سوق التجارة الإلكترونية لعدم وجود ضمانات كافية تحمى حقوقهم وعدم إمكانية التعرف على الشخص الحقيقى المقدم للخدمة أو السلعة فى بعض الحالات وتلافياً لعمليات النصب.

(*) القضاء على المنافسة غير العادلة: وذلك من خلال إخضاع القطاع غير الرسمى لنفس الضرائب التى يخضع لها القطاع الرسمى، وبالتالى وقف الشركات والأفراد الذين يمارسون التسويق أو الترويج أو البيع لمنتجاتهم إلكترونياً بطرق غير مشروعة ويحققون مكاسب أعلى.

  1. المستهلك:

(*) الحماية من الغش والخداع وعمليات النصب الإلكترونى: سيتمكن المستهلك من التعرف على الرقم الضريبى للشركات وما إذا كان مقدم الخدمة مسجلا أم شخص وهمى، كما يمنع فرض الضرائب مقدمى الخدمات والسلع غير المسجلين من رفع أسعار منتجاتهم ومساواتها بالمسجلين.

  1. الاقتصاد المصرى:

(*) دمج القطاع غير الرسمي في الاقتصاد المصرى: يساعد تقنين أوضاع التجارة الإلكترونية وإجبار الشركات التى تعمل فى ذلك المجال إلى تسجيل بياناتها حتى تتمكن من عرض منتجاتها أو خدماتها عبر مواقع التسويق الإلكترونية، فى دمج الاقتصاد غير الرسمى ضمن الاقتصاد الرسمى وإخضاعه لكافة القوانين التى تخضع لها المشروعات فى مصر، وإحكام الإشراف والرقابة عليها، وهو ما ينعكس فى زيادة حجم الناتج المحلى الإجمالى للدولة.

(*) النمو السريع لسوق التجارة الإلكترونية فى مصر: حيث يساعد وجود حصر بالشركات والأفراد العاملين بنشاط التجارة الإلكترونية وزيادة حجم المستهلكين بهذا السوق على النمو السريع لسوق التجارة الإلكترونية فى مصر، وبالتالى ينعكس هذا على الناتج المحلى الإجمالى للدولة، كما أن التطور السريع لنسبة مستخدمى الانترنت فى مصر إلى إجمالى السكان ليصل إلى 71% عام 2020، ووجود الحوافز الضريبية يساعدان في دعم نمو التجارة الإلكترونية والصناعات المتعلقة بتكنولوجيا المعلومات، فعلى سبيل المثال؛ ساعد برنامج “هندسة تكنولوجيا البرمجيات في الهند” في عام 1991 لتشجيع صادرات البرمجيات، على جعل الهند واحدة من المراكز الرائدة في العالم لعمليات الاستعانة بمصادر خارجية لعمليات البرمجيات والأعمال، حيث كان يتم منح إعفاء ضريبى لمدة 10 سنوات للوحدات التى يتم إنشاؤها فى هذا المجال بجانب غيره من الحوافز.

المصدر 2إعداد الباحثة بالاعتماد على إحصائيات البنك الدولى

ويتماشى ذلك مع الاستراتيجية الوطنية للتجارة الإلكترونية لمصر والتى أعلنتها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات خلال فعاليات المؤتمر والمعرض الدولى للاتصالات في ديسمبر 2017، بالتعاون مع منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “UNCTAD”، وتتضمن مجموعة من الأهداف للاستفادة من مواطن القوة والمزايا النسبية للتجارة الإلكترونية في مصر، للمساهمة في مواجهة التحديات التي تواجه التجارة الإلكترونية، بهدف جعل مصر دولة رائدة فى هذا المجال فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وإنشاء مركز تجاري رئيسي مصرى من خلال التجارة عبر الإنترنت على الصعيدين الوطني والدولي، بالإضافة إلى دعم تنمية الاقتصاد الرقمى وفقا لأهداف “رؤية مصر 2030″، ضمن خطة مصر أن تصبح من بين أكبر 30 اقتصاد في المعرفة بحلول عام 2030.

 (*) زيادة حصيلة الإيرادات الضريبية: حيث عانت التشريعات المصرية لسنوات طويلة من عدم وجود إطار قانوني موحد ينظم فرض ضرائب على المعاملات التجارية، لاسيما وإن المؤسسات التجارية الكبرى فى العالم، كانت تتعمد التخلى عن بعض فروعها من أجل التحول إلى البيع لعملائها مباشرة عبر الإنترنت، دون أن تسهم بنصيبها العادل فى الإيرادات الضريبية لمصر، مما أثر سلباً على مبدأ العدالة فلم يتحمل المستهلك المتجه إلى مواقع التسويق الإلكترونى ضريبة قيمة مضافة ولا يتحمل كذلك المسوقين او المنتجين  ضرائب دخل وأرباح.

وبالتالى ففى حالة وجود تشريعات تنظم آلية فرض وتحصيل الضرائب على نشاط التجارة الإلكترونية وفى ظل مستهدفات الحكومة المصرية بمضاعفة أعداد الشركات التى تقوم بالتسويق الالكترونى فى مصر فمن المتوقع أن تساهم التجارة الإلكترونية فى الإيرادات الضريبية للدولة بنصيب يعتد به، مما يساهم فى تقليل الفجوة التى تعانى منهاالموازنة العامة بين النفقات العامة والإيرادات العامة، فى ظل مساهمة الإيرادات الضريبة بنحو 72% فى الإيرادات العامة للموازنة.

المصدر 3إعداد الباحثة، بالاعتماد على البيان المالى للموازنة العامة 2021/2022

وختامًا، يمكن القول بأن فرض الضرائب على التجارة الإلكترونية يفتح أفاقًا للنمو السريع لسوق التجارة الإلكترونية بمصر ويحقق العدالة الضريبية والمنافسة العادلة، وذلك ما يحققه مكاسب متعددة لمقدمى السلع والخدمات والمستهلكين والاقتصاد المصرى ككل، وبما يتماشى مع الاستراتيجية الوطنية للتجارة الإلكترونية.

 

 

 

 

قمر ابو العلا

رئيس برنامج الاقتصاد السياسي. باحثة اقتصادية، وحاصلة على ماجستير في الاقتصاد، جامعة القاهرة، شاركت في العديد من التقارير الاقتصادية والاجتماعية في الشئون المصرية والخارجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى