هل سيهدد متحور “أوميكرون” تعافى الاقتصاد العالمى؟

يشهد الاقتصاد العالمى المزيد من الصدمات بين كل فترة والأخرى منذ ظهور جائحة كورونا Covid-19 لأول مرة فى نهاية عام 2019، ليواجه أكبر حالة من عدم اليقين بشأن أفاقه المستقبلية وموعد انتهاء الركود العالمى، فعلى الرغم من توقع الكثير من المؤسسات الدولية بأن الاقتصاد العالمى سيشهد انتعاشًا مع تزايد حالات التطعيم ضد الجائحة التى ستكون سببًا فى تراجع حالات الإصابات وتوقفها، إلا أن الاقتصاد العالمى تأثر سلبيًا مرة أخرى منذ بداية فصل الشتاء فى الدول الأوروبية، والذى جاء معه ارتفاعًا ملحوظًا فى أعداد الإصابات اليومية، بالإضافة إلى ظهور متحور جديد للفيروس فى جنوب إفريقيا (أوميكرون B.1.1.529)، وكانت أول حالة له فى  التاسع من نوفمبر  2021 ثم تسجيل حالتين فى بريطانيا فى السابع والعشرين من نوفمبر يليها ظهور إصابات أخرى بعددًا من الدول، لتصنف منظمة الصحة العالمية هذا المتحور بأنه مثير للاهتمام وأن تقييم مجمل الخطر العالمي مرتفع للغاية مع ارتفاع احتمالية زيادة انتشار هذه السلالة على المستوى العالمي.

مدى خطورة المتحور الجديد:

على الرغم من تعدد تحورات فيروس كورونا منذ بداية ظهوره، إلا أن كل سلاسة جديدة تشكل تهديدًا جديدا لحياة البشر ومستقبل الاقتصاد العالمى، ويرجع الاهتمام تلك المرة بالمتحور الجديد لجائحة كورونا الذى ظهرت أول حالة مؤكدة به لأول مرة بجنوب إفريقيا فى 9 نوفمبر 2021، وأبلغت جنوب إفريقيا منظمة الصحة العالمية به فى 24 نوفمبر 2021، إلى المخاوف بأن تكون تلك السلالة مقاومة للقاحات المضادة، فبحست تصريح لوكالة الأمن الصحي البريطانية، وجدت الوكالة بأن تلك السلالة الجديدة تحتوي على بـروتين spike ، الذي يشكل النتوءات الشوكية الموجودة على سطح فيروس كورونا، ويختلف كليًا عن البروتين الموجود في فيروس كورونا الأصلي الذي صنعت اللقاحات على أساسه، ومن جهة أخرى، أعلنت منظمة الصحة العالمة هذه السلالة الجديدة بمتحور مثير للاهتمام فى 26 نوفمبر 2021، وأنه يحتوى على العديد من الطفرات جعلته مثير للقلق.

كما لم تتوقف عدد حالات الإصابة المؤكدة  التى يتم تسجيلها بهذا المتحور الجديد (أوميكرون) داخل جنوب إفريقيا فقط، بل انتشرت هذه السلالة فى عددًا من الدول منها؛ بوتسوانا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا والدنمارك وأستراليا وسويسرا وإسرائيل وهونج كونج.

ومما زاد من مخاوف الدول، زيادة الإصابات فى الأسابيع الأخيرة حول العالم بشكل حاد، تزامنًا مع اكتشاف متحور B.1.1.529، فبتتبع تطور أعداد الإصابات اليومية المؤكدة بالفيروس خلال الفترة الماضية، نجد أنه منذ 10 نوفمبر 2021 شهدت الحالات نموًا ملحوظًا بلغ 48.8% عن اليوم السابق له مباشرة، وفى 17 نوفمبر تجاوز عدد الإصابات 600 ألف حالة لأول مرة منذ 11 سبتمبر 2021، وسجلت هذه الإصابات فى يوم 24 نوفمبر، وهو اليوم الذى أبلغت فيه جنوب إفريقيا منظمة الصحة العالمية بالسلالة الجديدة (أوميكرون)، نحو 711 ألف حالة وهو أعلى عدد مسجل للإصابات اليومية فى العالم منذ 14 مايو 2021، وذلك قبل أن تعود أعداد الإصابات اليومية للإنخفاض حتى سجل أقل من 600 ألف إصابة منذ 27 نوفمبر 2021.

المصدر 1منظمة الصحة العالمية

وفى جنوب إفريقيا، والتى ظهرت بها السلالة الجديدة لأول مرة، شهدت أعداد حالات الإصابة اليومية المؤكدة ارتفاعًا ملحوظًا، ففى يوم 22 نوفمبر 2021 وحده تم تسجيل 18.6 ألف حالة، وهو الأعلى منذ 12 يوليو 2021.

المصدر 2 منظمة الصحة العالمية

تأثير سلبي على الاقتصاد العالمى:

أعتاد الاقتصاد العالمى فى السنوات الأخيرة أن يتأثر بالتلقبات فى العرض والطلب والمخاوف بشأن الأوبئة والحروب التجارية بين الدول، حتى أصبح موعد الانتعاش الاقتصادى يثير العديد من علامات الاستفهام، فى ظل حالة عدم اليقين التى باتت تسيطر على المشهد منذ ظهور جائحة كورونا، والمرتبطة بقدرة الدول للسيطرة عليها، وما أن ظهرت السلالة الجديدة (أوميكرون) بجنوب إفريقيا وإبلاغ منظمة الصحة العالمية بها، حتى ظهرت التداعيات السلبية لهذه المخاوف على الاقتصاد العالمى، ومن أبرز هذه التداعيات والتى يمكن رصدها حتى الأن، ما يلى:

(*) تراجع أسعار النفط العالمية: بعد زيادة الطلب على الوقود مع قرارات الدول بتخفيف الإجراءات الاحترازية فى ظل زيادة عمليات التطعيم ضد جائحة كورونا وعودة حركة الإنتاج إلى طبيعتها تدريجيا وانخفاض الكميات المعروضة من النفط فى الفترات السابقة، عادت أسعار النفط العالمية للانخفاض مرة أخرى منذ ظهور متحور (أوميكرون)، ففى اليوم الذى أبلغت فيه جنوب إفريقيا بظهور هذا المتحور، أخذت أسعار العقود الآجلة لخام برنت اتجاهًا هبوطيًا حتى وصلت إلى 66.4 دولار للبرميل فى 30 نوفمبر 2021،  بعد أن كانت عند 78.5 دولار للبرميل فى 23 نوفمبر 2021، بانخفاض قدره 15.3%.

(*) تراجع أداء البورصات العالمية: بأخذ مؤشر داو جونز الصناعي “DJIA” والذى يعبر عن أكبر 30 شركة صناعية أمريكية في بورصة نيويورك، كمثال نجد أنه خلال الفترة (25-30 نوفمبر 2021) تراجع هذا المؤشر بنحو 3.6%.

المصدر 3 موقع marketwatch

وبالنظر إلى الأسهم الأوروبية، لمقارنة أداء مؤشر EUROStoxx 600، والذى  يعكس تطور أسعار 600 سهم لشركات كبيرة ومتوسطة تمثل نحو 90% من قيمة سوق الأسهم فى 17 دولة أوروبية، وهى المملكة المتحدة، ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، اسبانيا، البرتغال، النمسا، بلجيكا، هولندا، الدنمارك، فنلندا، أيرلندا، لوكسمبورج، النرويج، بولندا، السويد، سويسرا، انخفض هذا المؤشر خلال الفترة (26-30 نوفمبر 2021) بنحو 3.7%.

المصدر 4 موقع marketwatch

 (*) خسائر جديدة لشركات الطيران: أصبح قطاع الطيران يواجه إشكالية جديدة منذ ظهور متحور (أوميكرون) مرة أخرى، تأثرا بقرارات العديد من الدول بفرض قيودا على السفر وحظرا على المسافرين من دولة جنوب إفريقيا ودول أخرى مجاورة لها ومنهم؛ دول الاتحاد الأوروبى والهند واليابان والولايات المتحدة الإمريكية والبرازيل وكندا وسنغافورة وتايلاند ومصر والكويت والسعودية والإمارات.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل هناك بعض الدول التى فرضت قيود على السفر على دول أخرى بجانب منطقة جنوب إفريقيا، كإسرائيل التى فرضت حظر على دخول الأجانب القادمين من معظم الدول الإفريقية، وسويسرا بفرض الحجر الصحي على المسافرين القادمين من مصر وبريطانيا والتشيك وهولندا وملاوي.

سيناريوهات محتملة:

بات الاقتصاد العالمى يواجه ثلاثة سيناريوهات محتملة لأفاقه المستقبلية منذ ظهور متحور (أوميكرون)، وهى كالتالى:

(*) التأثير المؤقت واستكمال الانتعكاش الاقتصادى: وهو ما يرتبط بمعرفة معلومات أكثر دقة ومعمقة عن المتحور الجديد والسيطرة على سرعة انتشاره والتى تكون من خلال التأكد من أن اللقاحات المصنعة حاليا لها دور فعال لمقاومته وأن هذا النوع من السلالات ليس بالشدة المتوقعة حاليًا وأعراضه ليست شرسة.

 (*) تأثر بالغ للاقتصاد العالمى يعوق انتعاشه: وذلك فى حالة أن وجدت مراكز الأبحاث ومنظمة الصحة العالمية أن هذا المتحور الجديد من الصعب السيطرة عليه وأنه مقاوم للمناعة المكتسبة من اللقاحات المصنعة، واضطرار الدول لإعادة قيود الإغلاق وتشديد الإجراءات الاحترازية مرة أخرى، حتى يتم البحث عن لقاحات جديدة فعالة أو تنخفض أعداد الإصابات بالسلالة الجديدة.

(*) تفاقم حالة الركود الاقتصاد العالمى والدخول فى أزمة قد تمتد لسنوات: وهو السيناريو الأكثر تشاؤما ويرتبط بصعوبة سيطرة الدول على التحورات لفيروس كورونا واستمرار ظهور تحورات جديدة تكون أكثر شدة من سابقتها، وتزيد من خسائر الاقتصاد العالمى.

وهنا يمكن ينبغى الإشارة بأن ما قد يدعو إلى التفاؤل بشأن إمكانية تحقق السيناريو الأول والثانى، هو إعلان مدير وكالة الأدوية الأوروبية “إيمير كوك” أمام لجنة في البرلمان الأوروبي بأنه فى حالة الحاجة لتغيير اللقاحات الحالية قد يمكن الموافقة على تلك اللقاحات في غضون 3 إلى 4 أشهر، وإعلان شركة فايزر جاهزيتها لإنتاج لقاح فعال ضد هذا المتحور خلال 100 يوم، إلى جانب دعوة الرئيس الأمريكى “جو بايد”ن لدول العالم بالتنازل عن حقوق الملكية الفكرية للقاحات.

حاصل القول، باتت حالة عدم اليقين بشأن موعد السيطرة على جائحة كورونا والتعافى التام للاقتصاد العالمى تتفاقم يومًا بعد يوم، ولكن سيظل المؤكد هو أن التعافى لا يمكن أن يتم دون السيطرة على انتشار الجائحة، واكتشاف علاجات فعالة وذات تأثير سريع للشفاء منها حتى لا تظهر تحورات عديدة وسريعة، وليس فقط الاعتماد على لقاحات تثير بين الحين والأخر تساؤلات حول قدرتها فى تعزيز المناعة ضد التحورات الجديد من فيروس كورونا.

قمر ابو العلا

باحثة بوحدة الدراسات الاقتصادية باحثة اقتصادية، وحاصلة على ماجستير في الاقتصاد، جامعة القاهرة، شاركت في العديد من التقارير الاقتصادية والاجتماعية في الشئون المصرية والخارجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى