البحث عن مخرج: كيف يصبح الحل السياسي في تونس بديلا عن الدستوري؟

لا نُخْفي سرّا عندما نقول أن الانفجار الاجتماعي الذي بدأ منذ أسابيع بشكل خفيف يمكن أن يتحول إلى انفجار شامل، خاصة وأن معظم المؤشرات الاقتصادية حمراء، والخلافات السياسية على أشُدّها. وهذا الناخب لا يُصدّق أنه غُرّر به من طبقة سياسية تلاعبتْ بمصالحه، ولن يكون تعاملُه معها سهلا في المستقبل. فما هو أصل الانسداد الحقيقي؟ وهل هناك حل يُعيد الأمل للتونسيين؟

انسداد واضح المعالم:

هناك من يُفسر الانسداد بغياب الثقة بين رئيس الجمهورية التونسي قيس سعيد ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان. وهناك من يرى أنّ منطق المغالبة وكسْر العظام أقوى من منطق العمل المشترك المفترض تَوفّرُهُ في كل حكومة. وهناك من يذهب بعيدا بالقول بوجود أجندات إقليمية تتصارع على تمكين أنصارها في الحكم.

وفي الحقيقة فإنّ كل هذه الأفكار مجرد نتائج وهي تفاصيل وليست جوهر المشكل، أما جوهر المشكل فيتعلق بأربعة أشياء:أولا، إصرار أحزاب كبرى على الاحتفاظ بنظام سياسي ثَبَتَ فشلُهُ خلال عشرية كاملة. وثانيا، إصرار الطبقة الحاكمة منذ 2015 إلى اليوم على عدم تركيز الهيئات الدستورية المُتبقّية وفي طليعتها المحكمة الدستورية لغايات سياسوية وحزبية. وثالثا، غياب رؤية اقتصادية واجتماعية تُقَلّص الفوارق التنموية بين الجهات، وغياب قوانين أكثر صرامة في مكافحة الفساد في كل المستويات والمجالات. ورابعا، تدجين السلطة القضائية من بعض التيارات السياسية بما يجعل الصراع داخلها مُعطِّلا أحيانا لمرفق القضاء.

 لقد كان من الطبيعي أن يُؤدي هذا الانسداد إلى الوضع المتأزم. ولن يكون من السهل تجاوُزُه إذا استمرت سياسة تجاهل خطورة الوضع كما يشهده الداخل التونسي. ويُخطئ الكثيرون إنْ ظنّوا أنّ وساطات أجنبية يمكن أن تُساهم في الحل، أو أن العنف والمُغالبة سيحُلّ المشكل، وأنا مُتيقّن أنه مازال هناك أمل في الحل.

 الحل السياسي بديلا:

يجب الاتفاق، أولاً على إبعاد حلول المُغالبة، والمكابرة وأسلوب الشيطنة. وبعد ذلك يتم الاتفاق على أرضية جديدة للحوار تختلف عن سنة 2014 لكنها تستمدّ منها رُوحَها. ومن الضروري على رئيس الدولة أن يعمل بمقولة أن الحل “تونسي- تونسي” على غرار ما قاله عن أزمة ليبيا بأن الحل “ليبي- ليبي”. وعلى رئيس البرلمان راشد الغنوشي أن ينزع عنه جُبّة المتحزّب فعلا لا قولا تجاه مصالح حركة النهضة الإسلامية. وعلى رئيس الحكومة هشام المشيشي أن يُثْبت مقولته بأن “الحكومة مستقلة تماما بما في ذلك تعيين الولاة والمعتمدين وكبار مديري المؤسسات”.

 كل هذه الشروط الأولية قد تكون ضرورية لبدء حوار يؤدي إلى حل حقيقي للأزمة. ويمكن أن يقود هذا الحوار اتحاد الشغل مع اتحاد الأعراف ومنظمات وطنية أخرى، باعتبارهم المؤسسات الأكثر شعبية وتأثير في الشارع التونسي. وبالتالي، يمكن أن تكون ملامح الحل على النحو التالي:

أولاً: الاتفاق على الأساسيات قبل التفاصيل:

وهنا نشير إلى ثلاثة أساسيات، منها ما يرتبط بطبيعة النظام الانتخابي القائم، ومنها ما يتعلق بالبرنامج الاقتصادي والاجتماعي المتأزم، وهم:

(*) الأساسية الأولى، في الالتزام بتغيير طبيعة النظام السياسي من برلماني مُعدل إلى رئاسي معدل، ويتم العمل به في الانتخابات القادمة سنة 2024، وتُضبَط تفاصيله من طرف لجنة خُبراء تتمتّع بقسط كبير من الاستقلالية.

(*) تتمثل الأساسية الثانية، في ضبط خارطة طريق قابلة للتطبيق لإتمام انتخاب الهيئات الدستورية المُتبقّية وفي مقدمتها المحكمة الدستورية، والابتعاد كثيرا عن تَحْزيب هذه المؤسسات، والاتفاق على قانون انتخابي جديد.

(*) تتمثل الأساسية الثالثة، في وضْع خارطة طريق مستعجلة لبرنامج اقتصادي واجتماعي لمدة ثلاث سنوات ونصف (إلى غاية انتهاء هذه العُهدة). ويتضمّن إجراءات مستعجلة لامتصاص جزء من البطالة، وإجراءات لإعادة الإنتاج إلى حقول النفط ومناجم الفسفاط، ودعْم جدي للفلاحة، ومَنْح قروض ميسرة للشباب لإقامة مشاريع منتجة، وإجراءات أوليّة للنهوض بالمناطق المُهمّشة والمَنْسية التي تحتاج جُرعة حقيقية من الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، وإجراءات لتشديد الحرب على الفساد، وإجراءات لإعادة النظر في النظام الجبائي لجَعْله أكثر عدالة، وهو ما يُشجّع اتحاد الشغل على التفكير – ربما- في تأجيل المطالبة بالترفيع في الأجور لحين تَحَسّن المؤشرات الاقتصادية. وعلى رئيس الحكومة الالتزام بتطبيق هذه الإجراءات المستعجلة بشكل حقيقي.

ثانيا: الاتفاق بين المشاركين في هذا الحوار على اسم رئيس الحكومة للمدة المتبقية لهذه العُهدة. فإذا التزم هشام المشيشي بالشروط المطلوبة في مُخْرجات الحوار وإعادة النظر في تركيبة الحكومة فإن ذلك أحد الحلول، وإذا ما استحال ذلك فيتمّ الاتفاق على اسم جديد.

ثالثا وأخيرا: الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يزيد في خطاب الكراهية والاصطفاف الإقليمي. وذلك مع ضرورة الالتزام بحق هيئة الحوار الوطني مراقبة كل إخلال في الإجراءات التي تمّ الاتفاق عليها.

ونؤكد في النهاية أنه لو ذهبنا إلى انتخابات 2024 باتفاق على نظام رئاسي معدل (يتمّ إقراره بعد الاتفاق حول صيغة من الصيغ: استفتاء، إلخ)، وقانون انتخابي جديد يَنْظُر في العَتَبَة وفي طريقة الاقتراع (اقتراع على الأفراد أو على القائمة أو الجَمْع بينهما) وفي التمويل الانتخابي ومراقبته بشكل أكثر صرامة، وإجراءات حقيقية ذات طابع اقتصادي واجتماعي كما ذكرنا آنفا، وسياسة خارجية أكثر انفتاحا على الاستثمار الأجنبي، فإنّ تونس تكون حينها قد كسبت ثلاث رهانات: رهان التنمية، ورهان الديمقراطية. ورهان التعايش.

د. أعلية علاني

أستاذ وخبير مشارك بالمركز، هو مؤرخ تونسي وباحث في القضايا الاستراتيجية والتيارات المتشددة دينيا، حاصل على التأهيل الجامعي جامعة منوبة- تونس، ويعمل نائب رئيس المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل، وعضو بوحدة البحث المجتمع والمجتمع الموازي كلية الآداب منوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى