أمريكا خاسرة أم رابحة.. ماذا بعد قمة جدة؟

خلال يومي الـ 15 و16 من يوليو الجاري احتضنت المملكة العربية السعودية، قمة استثنائية بحضور الرئيس الأمريكي “بايدن” وقادة دول الخليج، ومصر والأردن. وفي ظل الظرف التاريخي العالمي، المحيط بالقمة، المتمثل في الحرب الروسية- الأوكرانية، وكذلك السياق الإقليمي، المحاط بتفاعلات جديدة من نوعها، منها المساعي الأمريكية لتشكيل “ناتو شرق أوسطي”، وكذلك ما كشفت عنه مقابلات القادة العرب للرئيس الأمريكي، التي اتسمت بالندية، ومحاولة الاستفادة من الوضع الدولي الراهن- يطرح هذا التحليل تساؤل الضرورة، وهو: ما هي تداعيات وتأثيرات زيارة الرئيس الأمريكي للسعودية، وما الذي حصل عليه الرئيس الأمريكية من قمة جدة، وما الذي لم يحصل عليه، وماذا بعد القمة؟.

مكاسب وخسائر بايدن من القمة:

القراءة الدقيقة لزيارة “بايدن” للسعودية تكشف عن عدة مُخرجاتها، ستؤدي إلى جملة من التداعيات، وعليه يتمثل أهم ما حصل عليه “بايدن” في توقيع ١٨ اتفاقية للتعاون بين أمريكا والسعودية تمّ التحضير لها قبل الزيارة. وكذلك التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن حلفائها في منطقة الخليج في القضايا الأمنية والغذائية. أما ما لم يحصل عليه “بايدن”، فيتمثل في: (*) التزام السعودية حالاً بالترفيع في الترفيع في صادرات النفط. (*) رفض المزيد من خطوات التطبيع مع إسرائيل في غياب خارطة طريق مُرَقَّمة ودقيقة للقضية الفلسطينية بخصوص حلّ الدولتين. (*) اتخاذ موقف أكثر حسْما وحزْما تُجاه إيران، يمكن أنْ تصل إلى مواجهات مسلحة ضد إيران. وقد ردّت السعودية بأنها دخلت في التفاوض مع إيران منذ فترة وتَأْمَلُ في تنشيط هذا التفاوض- أي أنّ السعودية، هي مَنْ ستُقرر شكل العلاقة مع إيران مستقبلا وليست أمريكا. في حين أعلنت دولة الإمارات عن زيارة قريبة لقادتها إلى طهران. وبالتالي فإن الأجندة الإسرائيلية في ملف الاتفاق النووي مع إيران التي أراد بايدن أنْ يُشْرك فيها دول الخليج لم يتمّ التوافق حولها بالشكل الذي تريده أمريكا وإسرائيل.(*) رَفْض مشروع بايدن في جَعْل منطقة الشرق الأوسط حكْرا على نفوذ أمريكا، وذلك عندما صرّح بايدن أنّ أمريكا ترفض أنْ تترك أيّ نقطة فراغ في منطقة الشرق الأوسط يمكن أنْ تُعَمّرها روسيا والصين.

ما بعد الزيارة..استنتاجات وتداعيات:

انتهاء الزيارة “بايدن” لمنطقة الشرق الأوسط، وكذلك قمة جدة بالمكاسب والخسائر التي حققها أو لم يحققها “بايدن”، هذا بالإضافة إلى الشكل الجديدة الذي بدى عليه، معظم القادة العرب خلال جلسات هذه القمة، وتقارب المواقف العربية من مطالب الرئيس الأمريكي تجاه إسرائيل- يؤكد أن الفترة القادمة-أي ما بعد الزيارة، تشير إلى مجموعة من الاستنتاجات، وتشهد مجموعة من التداعيات، هي كالتالي:

(!)، مكاسب أمريكية في حدها الأدنى: تعتبر مكاسب الرئيس بايدن من زيارة السعودية محدودة من حيث النوعية، وهو ما سَيَجْعَله في موقف ضعيف أمام حزبه (الحزب الديمقراطي) وأمام الاتحاد الأوروبي. فهذا الحزب، ربما يخسر عديد المقاعد في الانتخابات النصفية للكونجرس. أما الاتحاد الأوروبي، الداعم الأكبر لحلف الناتو، فربما يكون مُقْبلا على أزمة اقتصادية خانقة بعد رفض السعودية ودول الخليج الترفيع في صادرات النفط والغاز التي ارتفعت أسعارها بشكل جنوني، بالإضافة إلى تهديد الأمن الغذائي، وما سينْجُمُ عنه من اندلاع احتجاجات اجتماعية كبرى، قد تؤدي إلى سقوط أنظمة وإلى ارتفاع للهجرة غير النظامية.

(!!)، تغير واضح في ملامح الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط: أنّ هيمنة أمريكا على الشرق الأوسط الكبير، وهو ما نُعَبّر عنه بمنطقة مينا Mena (أي الشرق الأوسط الحالي وشمال إفريقيا) لنْ تكون على الشاكلة القديمة- أيْ أنّ القوى العالمية الكبرى الثلاث، أمريكا والصين وروسيا ستتواجد بشكل أكبر ربما يكون متساويا بينها. فقد صرّح المسئولون السعوديون، أنهم سيعتمدون مبدأ النجاعة والتنوع في التزود بالأسلحة وبالتكنولوجيا وبالمشاريع الاقتصادية الأخرى بحسب ما تمليه عليه مصالحهم، وهنا نشير إلى أنّ بعض دول الخليج انخرطت في مشروع طريق الحرير الصيني مثل دولة الإمارات، وكذلك في تزوّد بعض دول الخليج ببعض أنواع الأسلحة الروسية.

(!!!)، طول أمد الحرب الروسية- الأوكرانية.. يؤدى إلى مزيد من ضعف متانة العلاقة الأمريكية- الأوروبية: الواضح أوروبا بعد قمّة السعودية ستمرّ بأوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة إذا ما طالت الحرب  الروسية الأوكرانية شهورا أخرى، وهو ما سيجعلها في حِلٍّ من التنسيق المسبق مع الولايات المتحدة الأمريكية، والاتجاه إلى عقْد اتفاقيات ثنائية دون الأخذ بعين الاعتبار بالموقف الأوروبي الموحد. لكن هذا لن يحصل إلا بعد إطالة أمد الحرب الروسية الأوكرانية.

(!!!!)، تحالفات عربية جديدة يصاحبها مزيد من التقاطعات مع القوة الدولية الكبرى: يُتَوَقّعُ أنْ تكون منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مقبلة في الفترة القادمة على بناء أحلاف جديدة لها تقاطُعات مع القوى الدولية الثلاث الكبرى المذكورة، منها حلف يضم بعض دول الخليج يُضاف إليها العراق والأردن وبعض دول شمال إفريقيا تترأسه السعودية. وحلف يضم إيران وسوريا، وربما تنضم تركيا إلى الحلف الأول.

(!!!!!)، انعكاسات الزيارة على الشمال الأفريقي قد تنصب بالضرورة على باقي مناطق القارة: ربما تكون لهذه الأحلاف امتدادات في ما تَبَقّى من قارة إفريقيا (غرْبُها وشرقها وجنوبُها) باعتبار الثروات الكبرى التي تَسْتَبْطنُها.

في النهاية، يمكن القول إن مُجمل ما حصلت عليه أمريكا وإسرائيل من زيارة “بايدن” إلى منطقة الشرق الأوسط وحضوره قمة جدة، وكذلك ما لم يحصل عليه في ظل الإرباك الاقتصادي الذي تشهده جميع دول العالم، وكذلك الارتباك الأمني الذي بدأت ملامحه تتشكل في أوروبا وربما في أمريكا- ستساهم في بروز ملامح النظام العالمي الجديد.

 

د. أعلية علاني

أستاذ وخبير مشارك بالمركز، هو مؤرخ تونسي وباحث في القضايا الاستراتيجية والتيارات المتشددة دينيا، حاصل على التأهيل الجامعي جامعة منوبة- تونس، ويعمل نائب رئيس المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل، وعضو بوحدة البحث المجتمع والمجتمع الموازي كلية الآداب منوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى