مسار مختلف: قراءة في نتائج انتخابات الرئاسة الكينية 2022

د. وحيد سمير: باحث مشارك- متخصص في الشأن الأفريقي.

جرى في التاسع من أغسطس 2022، انتخاب الرئيس الكيني وأعضاء الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ وحكام المقاطعات وأعضاء مجالس المقاطعات الـ 47، حيث تُجرى الانتخابات العامة في كينيا كل خمس سنوات ومنذ صدور دستور عام 2010، أجريت ثلاث انتخابات عامة وأربع انتخابات رئاسية، ولأن كينيا، من البلاد الأكثر تعقيداً من الناحية العرقية، تحدث صراعات دموية عقب كل عملية انتخابية، بالرغم من أنها هذه الانتخابات تتم تحت إشراف هيئات ومنظمات دولية، يأتي علي رأسها الاتحاد الأوربي والاتحاد الأفريقي وتجمع الكوميسا، ومع ذلك لم تخلو من صدامات عنيفة، الأمر الذي يدفع للتساؤل، هل يمكن تعزيز الأداء الديمقراطي بعد الانتخابات الأخيرة والتي أسفرت عن فوز “ويليم روتو”نائب الرئيس والمتحالفين معه وخسارة زعيم المعارضة “ريلا أودينجا “للمرة الخامسة؟، هذا ما يجيب عنه هذا المقال.

قراءة أولية:

منذ إقرار التعددية الحزبية في كينيا في 1992 لم تستطع أحزاب المعارضة الوصول إلي السلطة طوال عقد كامل بسبب الانقسامات والانشقاقات والضعف الهيكلي، ولكن بعد تحالف أحزاب المعارضة في انتخابات 2002؛ استطاع تحالف قوس قزح NARC، الوصول للسلطة بعد هزيمة حزب كانوKANOالحاكم، وتعد انتخابات 2002؛ هي الوحيدة التي تم فيها نقل السلطة سلمياً بعد انتخابات تنافس فيها حلفاء الأمس في تحالف قوس قزح NARC -الرئيس كيباكي من الكيكويو، أكبر جماعة عرقية بنسبة 21% من السكان، وريلا أودينجا من جماعة لو، التي تشكل 12%، في حين مثلت الحركة البرتقالية ODM، بقيادة ريلا أودينجا، المعارضة الرئيسية، والتي ضمت قيادات سياسية هامة مثل مودافادي من جماعة لويا، ويليم وروتو، من جماعة كالنجين، والذي كان من أهم حلفاء أودينجا، وشاريتي نجيلو من كامبا ونجيب بلالا (ساحلي) .

وبعد أن أعلنت اللجنة الانتخابية فوز كيباكي على مرشح التحالف المعارض ODMأودينجا، في انتخابات 2007، اندلعت أعمال عنف غير مسبوقة، استمرت حتى يناير وفبراير من عام 2008،، وشهدت أكبر موجات العنف الإثني منذ استقلال كينيا، وقتل خلالها حوالي 1100 قتيل وعشرات الآلاف من الجرحى، ومئات الآلاف من النازحين، وكادت كينيا تدخل حرب أهلية حقيقية، لولا الوساطات الدولية والإقليمية، وبالرغم من أن دوافع العنف هي دوافع سياسية بالأساس؛ إلا أنه أخذ طابع اثني وعرقي، بسبب خلفيات تاريخية وقضايا عالقة، مثل قضية توزيع الأراضي بين الجماعات العرقية المختلفة.

وانتهت أعمال العنف بتقاسم السلطة بين طرفي النزاع، وتم استحداث منصب رئيس الوزراء الذي تولاه زعيم المعارضة ريلا أودينجا، كما تم تقاسم المناصب الوزارية في الحكومة الائتلافية الموسعة،وشاركت المعارضة في السلطة للمرة الثانية.

وفي انتخابات 2013 والتي جرت في ظل الدستور الجديد 2010، كان التنافس بين تحالف اليوبيل بقيادة أهورو كينياتا، مرشح الرئاسة ونائبه ويليم روتو، وهما خصوم الأمس في انتخابات 2007، وعلي الجانب الآخر كان التحالف من أجل الإصلاحات والديمقراطية CORD، بقيادة رئيس الوزراء ريلا أودينجا، مرشح الرئاسة وقائد التحالف، وقد فاز أوهورو كينياتا، مرشح اليوبيل على رئيس الوزراء السابق أودينجافي انتخابات مضطربة نسبياً.

أما في انتخابات 2017، والتي شهدت موجة جديدة من العنف الدموي؛ تنافس فيها كلاً من الرئيس كينياتا ونائبه ويليم روتو، مرشحي حزب اليوبيل الحاكم ضد مرشح المعارضة ريلا أودينجا وحلفاءه في تحالف “ناسا”الوطني NASA، حيث أعلنت اللجنة المستقلة لشؤون الانتخابات والحدود (IEBC) فوز الرئيس كينياتا؛ وهو ما دفع ريلا أودينجا إلي تقديم شكوي أمام المحكمة العليا، وفي حدثٍ يُعد الأول من نوعه، ألغت المحكمة العليا نتائج انتخابات الرئاسة، وأمرت لجنة الانتخابات بتحديد موعد لإعادة الانتخابات في غضون ستين يومًا، حسب الدستور، إلا أن المعارضة قاطعت الانتخابات وانتقدت اللجنة الانتخابية واعتبرتها غير مؤهله لإجراء انتخابات نزيهة، وتم إعلان فوز الرئيس كينياتا، وتصاعدت احتجاجات المعارضة والتي تحولت إلي أعمال عنف بين المجموعات العرقية؛ خاصة جماعة “الكيكويو”التي ينتمي لها الرئيس كينياتا وجماعة “لو”، التي ينتمي لها أودينجا، وسقط حوالي 49 قتيل معظمهم على أيدي الشرطة وأجهزة الأمن .

وبعد شهور من التوترات السياسية الاجتماعية وبالتحديد في مارس 2018، بادر زعيم المعارضة ريلا أودينجا، بمقابلة علنية مع الرئيس كينياتا ومصافحته أمام وسائل الإعلام في لقاء عرف إعلامياً “بالمصافحة”، أنهت آخر موجات التوتر السياسي والعرقي، وبدأت مرحلة جديدة للتحالف بين الخصمين الكبيرين.

مزيج واضح:

بعد أن وضع اتفاق “المصافحة”، غير الرسمي في عام 2018،حداً للمواجهة بين كينياتا وأودينجا، مما مهد الطريق أمام التعاون السياسي والانتخابي في انتخابات 2022، بين الخصمين، أعلن التحالف الديمقراطي المتحد(UDA)  بزعامة روتو، في يناير 2022، عن اتفاق ائتلاف مع مؤتمر أماني الوطني بزعامة موساليا مودافادي، وفورد- كينيا، بزعامة موسى ويتانجولا، والعديد من الأحزاب السياسية الأخرى.

وسمي التحالف الجديد “كينيا كوانKenya Kwanza “، كما أعلن حزب اليوبيل بزعامة كينياتا في فبراير 2022 أنه سينضم إلى تحالف Azimio la Umoja برئاسة أودينجا، زعيم حزب الحركة الديمقراطية البرتقالية (ODM) وفي 12 مارس 2022، وقَّع ما لا يقل عن 26 حزبًا سياسيًا، بما في ذلك الأحزاب السياسية الرئيسية مثل حركة ممسحة الديمقراطية Wiper واليوبيل Jubilee ، والحركة الديمقراطية البرتقالية ODM وحزب كانو KANU، وقعوا اتفاق تعاون يؤيد ترشيح رايلا أودينجا للرئاسة، وفي نفس اليوم، أعلن كينياتا دعمه أودينجا للرئاسة، وفي 15 مارس 2022؛ أيد التحالف الديمقراطي المتحد وتحالف كوانزا كينيا دعمهما لترشيح روتو للرئاسة.

وتعد هذه التحالفات بمثابة إعادة التنظيم السياسي، وهي سمة متكررة للسياسة الكينية منذ انتقال البلاد إلى الديمقراطية المتعددة الأحزاب في أوائل التسعينيات وإلى الآن، حيث كانت المنافسة الانتخابية عامة، تدور حول تحالفات فضفاضة تتمحور حول القادة السياسيين البارزين، الذين يعدون بتقديم أصوات من معاقلهم العرقية والإقليمية في مقابل المناصب السياسية والوصول إلى موارد الدولة.

ونظراً لأنه لا توجد مجموعة عرقية واحدة تتمتع بأغلبية انتخابية –حيث أكبر الجماعات العرقية هي الكيكويو بنسبة 21%- على مستوى البلاد، نجد أن الأحزاب السياسية الكينية ضعيفة من الناحية التنظيمية، فما تلبس التحالفات الانتخابية أن تتشكل، حتى تتفكك بمجرد أن تخدم غرضها الانتخابي، وهو ما حدث مع تحالف قوس قزح في 2002 وبعده والحركة البرتقالية 2007، حيث انسحب روتو؛ الذي كان من قيادات التحالف؛ لينضم إلى تحالف اليوبيل مع كينياتا في 2013.

وقد شهد عام 2022؛ تغيرات دراماتيكية في التحالفات الانتخابية؛ حيث تحالف كينياتا مع خصمه التاريخي أودينجا، وتحالف روتو نائب كينياتا مع جبهة أخري تضم سياسيين بارزين مثل مودافاديوموسى ويتانجولا، ويري بعض المحللين أن هذه التحولات التي تشهدها التحالفات، تأتي في لحظات مختلفة من الأزمة السياسية، وتساعد في الحد من الاستقطاب؛ فالائتلاف الذي قاده اليوبيل، والذي ظهر في عام 2013، على سبيل المثال، جمع بين المتنافسين في قلب الصراع الانتخابي 2007-2008، كما ساهم التحالف بين كينياتا وأودينجا؛ في أنهاء الخلاف بينهم.

 تطورات إيجابية:

جاءت انتخابات 2022، والتي هذا العام في وقت يسود فيه استياء كبير بسبب التأزم الاقتصادي، حيث ارتفاع تكاليف المعيشة والدين العام ونسبة البطالة وانتشار الفساد؛ كما أن المشهد السياسي معقد إلى حد ما، فالرئيس كينياتا المنتهية ولايته ليس له حق الترشح وفقاً للدستور بعد أن استنفذ ولايتين متتاليتين، كما أنه لن يدعم نائبه وليم روتو المرشح الرئيسي في الانتخابات وذلك بعد انشقاق تحالف اليوبيل الحاكم واتجاه الرئيس كينياتا إلي دعم مرشح المعارضة المخضرم “رايلا أودينجا”بعد التحالف بين اليوبيل بقيادة كينياتا والحركة البرتقالية بقيادة أودينجا.

كما تخوف الكينيين من اندلاع موجات من العنف الإثني أثناء الانتخابات؛ على خلفية التجارب الانتخابية السابقة، وتاريخ البلاد بعد الاستقلال من العنف المرتبط بالانتخابات، وطبيعة الديناميات السياسية الحالية، وتغير التحالفات الانتخابية المتشكلة، كل ذلك؛ دفع العديد من الكينيين يتكهنون باحتمالية وقوع اضطرابات أثناء إجراء الانتخابات.

فقد توجه الناخبون الكينيون – وعددهم 22،120،458 ناخبًا مسجلاً- يوم 9 أغسطس2022؛ لاختيار الرئيس، و47 حاكماً للأقاليم ونوابهم و47 عضوا في مجلس الشيوخ، و290 عضوا في البرلمان بالإضافة إلي 47 مقعداً للمرأة، وأعضاء مجالس المقاطعات.

وقامت اللجنة المستقلة للانتخابات والحدودIEBC ، بإدخال تغيرات على التكنولوجيا المستخدمة في عملية الاقتراع؛ حيث أضافت عدد من الميزات في مجموعة الأنظمة الكينية المتكاملة لإدارة الانتخابات(KIEMS) ؛للتحقق من هوية الناخبين،وذلك لتوفير تحديد الهوية البيومترية والأبجدية الرقمية للناخبين أثناء الإدلاء بأصواتهم، وهو ما ساهم في التقاط ونقل صور استمارات نتائج الانتخابات الرئاسية المكتملة حسب الأصول، من مركز الاقتراع إلى مركز الفرز الوطني، كما أتاحت تلك التغييرات على نظام نقل النتائج (RTS) ، توافر نتائج الانتخابات الرئاسية المؤقتة للجمهور على بوابة IEBC ، وقد رحبت البعثة الدولية المراقبة للانتخابات بإدخال مثل هذه التدابير، والتي تعكس الشفافية، وتعمل على تحسين نزاهة العملية الانتخابية، كما أشاد المراقبون الدوليون بالانتخابات التي اعتبروها تنافسية للغاية، وأن الحملات الانتخابية كانت أكثر سلمية قياساً بالانتخابات السابقة.

ولعل التحول الملحوظ هو تركيز الحملات الانتخابية لمرشحي الرئاسة على قضايا المجتمع الكيني أكثر من القضايا العرقية؛ كما كان الإطار القانوني والقضائي الذي يحكم الانتخابات في كينيا مناسبًا إلى حد كبير لإجراء انتخابات ديمقراطية وذات مصداقية، مما زاد من ثقة المواطنين في العملية الانتخابية، واستعدادهم للتوجه إلى المحاكم للفصل فيها.

وأظهرت النتائج الرسمية التي أعلنتها اللجنة الانتخابية يوم 15 أغسطس أن روتو، الذي شغل منصب نائب الرئيس منذ 2013، حصل على أغلبية الأصوات بنسبة 50.5٪ ، بينما حصل أودينجا، رئيس الوزراء السابق، على 48.8%، وهو ما يمهد الطريق أمام روتو، 55 عامًا، لأداء اليمين الدستورية خلفًا للرئيس أوهورو كينياتا في 13 سبتمبر، كما حصل تحالف روتو كينيا كوينزا Kenya Kwanzaعلي 169 مقعد في مجلس النواب مقابل 162 مقعد لتحالف أودينجا تحالفAzimio la Umojaومقعدين للمستقلين وأربعة مقاعد لم تحسم بعد.

وقد رفض أودينجا وحلفاءه نتائج الانتخابات الرئاسية خاصة بعد تصريحات مثيرة للجدل من قبل أربعة من مفوضي اللجنة المستقلة للانتخابات والحدود وقرر أودينجا الطعن علي النتائج أمام المحكمة العليا، والتي رفضت التماس أودينجا بالإجماع، وأيدت فوز روتو في الانتخابات الرئاسية في 5 سبتمبر2022، ليصبح روتو رئيساً لكينيا بعد هزيمته لأقوي سياسيين في كينيا وتكون الهزيمة الخامسة لأودينجا.

وعقب إصدار الحكم كتب أودينجا على تويتر يقول: إنه سيحترم الحكم على الرغم من اختلافه معه، كما أن كينياتا صرح بأنه سيعمل على نقل سلس للسلطة للإدارة الجديدة، وهو ما هدأ المخاوف من أن تشهد كينيا جولة أخرى من العنف.

دلالات فوز روتو:

كانت استراتيجية روتو الانتخابية تركز علي قضية مركزية وهي تكاليف المعيشة والديون،حيث عانى الكينيون من ارتفاع معدلات التضخم ونقص الغذاء والفقر المدقع، والتي تفاقمت بسبب الوباء وحرب أوكرانيا والجفاف، الأمر الذي دفع روتو إلى أن يوجه خطابه إلي فئات الفقراء والشباب، ومن سماهم “المحتاجين”ومصالحهم مقابل مصالح من سماهم “السلالات”في إشارة إلي فئات النخبة الكينية واستخدام شعار “المحتاجون مقابل السلالات”، خاصة وأن روتو ينحدر من أصول فقيرة، ووعد روتو بنموذج اقتصادي مختلف يخدم الفقراء وليس الأغنياء وهو ما ساهم في كسب تأييد الكثير من الكينيين .

وقد كان البعد العرقي في انتخابات 2022 أقل أهمية هذه المرة مع عدم وجود مرشح رئاسي من الكيكويو أكبر مجموعة عرقية في كينيا والتي يعتبرهم الكثيرون المجتمع الأقوى سياسيًا واقتصاديًا في البلاد، وإن كان من الصعب نفي تأثير العرق بشكل مباشر في السياسة الكينية، والذي قد يطفوا على السطح في المستقبل القريب من خلال إعادة تشكيل خريطة التحالفات بين القوي السياسية، سواء داخل البرلمان أو من خلال تشكيل الحكومة.

ويعتبر فوز روتو بهامش ضئيل له دلالاته، فمن ناحية يعني ذلك أن المنافسة كانت قوية للغاية خاصة أنه يواجه أكبر سياسيين في البلاد أودينجا وكينياتا، ومن ناحية أخري سيتحتم على روتو أن يتعامل مع معارضة قوية في فترته الرئاسية وداخل البرلمان بسبب التقارب في عدد المقاعد بين التحالفين الانتخابيين، سواء في الجمعية الوطنية أو في مجلس الشيوخ أو على مستوي الأقاليم.

بالنهاية، يمكن القول أن انتخابات كينيا 2022؛ تمثل دفعة قوية للكينيين نحو تعزيز ديمقراطيتهم، والقدرة على إجراء انتخابات نزيهة إلي حد كبير مقارنة بالانتخابات السابقة، وتحت إشراف دولي ومنظمات المجتمع المدني، ويبدو أن النخبة السياسية في كينيا، سواء في السلطة أو المعارضة قد تعلمت كثيراً من دروس الماضي وقررت تجنب العنف في التنافس السياسي كعامل أساسي في دفع عملية التحول الديمقراطي والتطور المؤسسي وترسيخ دولة القانون.

من خلال ذلك؛ نجد أن نجاح كينيا في تحقيق الاستقرار السياسي بعد انتهاء انتخابات 2022، واستمرار الأحزاب والتحالفات السياسية في القبول بالخيارات الديمقراطية، يضعنا أمام تجربة حيوية في التحول الديمقراطي في القارة الأفريقية، ويمكن أن تمثل نموذجا يحتذى به من جانب الدول الأفريقية الأخرى.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى