تأثير صناعة الرقائق في الصراع بين واشنطن وبكين

وقع الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، في أغسطس 2022، قراراً يحظر على الشركات التي تتلقى أموالًا أمريكية – بموجب قانون “CHIPS and Science Act”- من الاستثمار في إنتاج الرقائق الفائقة، أو بناء مصانع للتكنولوجيا المتقدمة في الصين، وذلك لمدة 10 سنوات، ولم يكن هذه الإجراء هو الأول من نوعه؛ بل سبقه العديد من الإجراءات، ضمن جولات الصراع (الاقتصادي – التكنولوجي) الدائر بين واشنطن وبكين، فما هي الدوافع الأمريكية لهذا القرار؟ وكيف تعاملت الصين مع الممارسات الأمريكية، التي تستهدف عرقلة جهودها في الحصول على تقنيات صناعة الرقائق الفائقة؟ هذا ما يحاول هذا المقال الإجابة عنه.

لماذا الرقائق الفائقة؟:

تعد الرقائق الإلكترونية الفائقة من التقنيات الأساسية المستخدمة في الأجهزة الإلكترونية والمعدات العسكرية وفي السيارات الكهربائية، والأقمار الاصطناعية، كما تُستخدم بشكل أساسي في الهواتف الذكية 5G، ولعل استحواذ الصين على هذه التقنية؛ سيمكنها من إنتاجها بالكميات التي تريد، لا سيما وأن الرقائق الإلكترونية الفائقة؛ تشكل أكبر واردات الصين الخارجية؛ متقدمة على وارداتها من النفط الخام، إذ أنه  في عام 2021؛ استوردت بكين بما قيمته 400 مليار دولار أمريكي، مما زاد من قلق بكين، ودفعها لاتخاذ عدد من الإجراءات التي تمكن شركات التكنولوجيا الصينية من العمل بشكل حثيث للحد من الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية.

فحتى العام 2021، لم تتمكن الشركات الصينية المنتجة للرقائق الإلكترونية الفائقة، سوى من إنتاج حوالي 17% من احتياجاتها المحلية، في حين تضطر إلى استيراد النسبة المتبقية من الخارج، حيث يسيطر على صناعة أشباه الموصلات عدد محدود من الشركات الكبرى في: أمريكيا واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وكوريا الجنوبية، وتحاول بكين الوصول إلى إنتاج 30%، من احتياجاتها من تلك التقنية حتى عام 2030، وبالرغم من تلك المساعي؛ لا تزال الشركات الصينية بعيدة عن الوصول إلى المستوى الذي تطمح إليه، نظراً لوجود الكثير من العقبات التي تحول دون ذلك؛ لا سيما الإجراءات الأمريكية المعرقلة لحصول بكين على آلات صناعة الرقائق الفائقة، والتي تمكن الشركات الصينية من تحقيق قفزات نوعية في تطوير هذه تكنولوجيا الاتصال، وبخاصة شركة هواوي الصينية، المتخصصة في بناء شبكات الجيل الخامس G5، والتي وصلت لمستويات متقدمة في أبحاث شبكات الجيل السادس، بينما لا تزال الشركات الأمريكية؛ متأخرة في بناء هذه الشبكات.

ممارسات أمريكية معرقلة:

بالرغم من أن الصين اتجهت إلى صناعة التكنولوجيا المتقدمة منذ سبعينيات القرن العشرين، إلا أنه في السنوات الأخيرة، بدأت الولايات المتحدة اتخاذ العديد من الإجراءات التي تهدف إلى عرقلة جهود الصين باتجاه تطوير صناعة وإنتاج الرقائق الفائقة، ومحاولة إبطاء عمليات تطوير تكنولوجيات بعض المجالات الأخرى؛ فلدى واشنطن العديد من المخاوف تجاه مساعي بكين للهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية على العالم.

وكان من أبرز الإجراءات الأمريكية التي طفت بالصراع (الاقتصادي – التكنولوجي)، الصيني الأمريكي على السطح، هو توقيع الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” قرارًا في 22 مارس 2018، يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على واردات صينية بقيمة 60 مليار دولار، وفي العام ذاته أعلنت الولايات المتحدة أن شركة هواوي الصينية تشكل خطرًا على الأمن السيبراني الأمريكي، واتخذت الإدارة الأمريكية قراراً بحظر منتجات الشركة للولوج إلى السوق الأمريكية ومنع التعاون معها بأي شكل من الأشكال.

وكانت الولايات المتحدة، قد وضعت قائمة تضم العشرات من شركات التكنولوجيا الصينية؛ ضمن الكيانات الممنوعة من شراء مكونات من الشركات الأمريكية دون موافقة الحكومة الأمريكية، ومن بينهم شركة هواوي الصينية، التي تعد ثاني أكبر الشركات العالمية تصنيعاً للهواتف الذكية.

وفي عام 2020، منعت واشنطن الشركات المصنعة في جميع أنحاء العالم من استخدام التكنولوجيا الأمريكية لإنتاج رقائق لشركة هواوي، كما أجبرت الولايات المتحدة شركة ASML الهولندية على حظر تصدير آلات صناعة الرقائق الفائقة إلى الصين، نظرا لاستخدام شركة ASML الملكية الفكرية الأمريكية، كما أصدرت وزارة التجارة الأمريكية قواعد جديدة تمنع شركة هواوي ومورديها من استخدام التقنيات الأمريكية لتصميم وتصنيع أشباه الموصلات، وفي عام 2021، تم فرض المزيد من القيود على بيع الرقائق الفائقة ومعظم التقنيات الأخرى لشركة هواوي، وفي عام 2022، تم منع الشركة من استخدام التكنولوجيا الأمريكية، حتى تم توقيع الرئيس الأمريكي “جو بايدن” على قانون CHIPS للعلوم، والذي يشكل تصعيداً جديداً للصراع التكنولوجي مع الصين.

الموقف الصيني من السياسيات الأمريكية:

في الوقت الذي بدأت فيه الولايات المتحدة اتخاذ المزيد من الإجراءات ضد شركات التكنولوجيا  الصينية، أعلنت الصين عن خطط لتكثيف الجهود لجعل البلاد “قوة تكنولوجية” مستقلة، وفي بيان صادر أكتوبر 2020، قال الحزب الشيوعي الحاكم “يجب أن تعتمد العلوم والتكنولوجيا على نفسها كدعم استراتيجي للتنمية الوطنية”، حيث تعمل بكين على تسريع “بناء قوة علمية وتكنولوجية”.

وقال “شيانغ ليغانغ”، المدير العام لتحالف استهلاك المعلومات، “إن القيود ستزيد من تسريع دفع الشركات الصينية لتعزيز ابتكاراتها التكنولوجية وقدراتها الخاصة بالبحث والتطوير، وأنه يتعين عليها الاستعداد لإتقان التقنيات الأساسية”.

وفي خطاب ألقاه الرئيس الصيني “شي جين بينغ” في مارس 2021، قال: “الاعتماد على الذات هو أساس الأمة الصينية “، وإن الصين يجب أن تصبح رائدة في مجال التكنولوجيا لحماية “أمنها الاقتصادي القومي”،وفي هذا الإطار اتجهت شركات التكنولوجيا الصينية إلى تصميم برامج تشغيل خاصة بها، حتى لا تظل تحت رحمة الشركات الأمريكية، وقامت شركة هوواي الصينية بالفعل، بعمل تطوير كبير لنظام أندرويد لتشغيل هواتفها، دون الحاجة لأنظمة التشغيل والتطبيقات الأمريكية، وفي أواخر عام 2020، أعلنت شركة  SMICالصينية، المنتجة للرقائق الفائقة؛ عن خطط توسع بمليارات الدولارات من شأنها أن تضاعف إنتاج الرقائق المصنوعة على العقد المتقدمة.

تحديات متبادلة:

من خلال الإجراءات الأمريكية وردود الفعل الصينية، يتضح أن الصراع التقني بين واشنطن وبكين على أشده، فكل منهما يسعى للهيمنة على صناعة التقنية في العالم؛ باعتبارها انعكاسا للهيمنة والنفوذ الدولي، لكن أيا من البلدين لن يتمكن من حسم صراع الصدارة في الحرب التكنولوجية المتصاعدة؛ حيث يواجه كلاً منهما الكثير من التحديات، والتي يأتي من أهمها:

(&) بالنسبة للولايات المتحدة: تعد الصين أكبر سوق لمزودي التكنولوجيا الأمريكيين، ولا شك أن الإجراءات الأمريكية ضد شركات التكنولوجيا الصينية، سيضر بمصالح الشركات الأمريكية هي الأخرى، والتي تعتمد بنسبة كبيرة على الواردات التكنولوجية الصينية، من ناحية أخرى، تمتلك الصين تقنيات رائدة تحتاجها الولايات المتحدة، وقد يدفع استمرار الضغط الأمريكي على الصين إلى اتجاه بكين لبناء صناعة تقنية كاملة داخل حدودها، والعمل لتحقيق الاكتفاء الذاتي من صناعة الرقائق الفائقة، وهو ما أعلنت عنه الصين بالفعل ضمن حملة “صنع في الصين 2025″، والتي تستهدف توطين الصناعات الاستراتيجية التي لا تزال تهيمن عليها الولايات المتحدة، وهو ما قد يضر بالصناعات التكنولوجية الأمريكية.

(&) بالنسبة للصين: على الرغم من أن الصين تعد بالفعل أحد أكبر الاقتصادات في العالم، إذ لا يمكنها دعم صناعة التكنولوجيا بشكل كامل، فإلى الآن لم تتمكن من تصنيع معالجات الكمبيوتر الخاصة بها، ولم تتمكن من إنتاج كل ما تحتاجه من الرقائق الفائقة؛ لقلة عدد المصانع التي تنتجها، لا سيما المصانع التي تقوم بحفر الدوائر الصغيرة على السيليكون، وإنتاج أشباه الموصلات، خاصة تلك التي تقوم إنتاج رقائق إلكترونية بعرض من 3 إلى 5 نانومتر، إذا لا تزال الشركات الصينية تنتج رقائق إلكترونية حتى 14 نانومتر، كما يعد إنشاء مثل هذه المصانع مكلف للغاية، وتصل تكلفة الواحد منها إلى 20 مليار دولار أمريكي.

أيضا من الصعب على الصين أن تحقق الاكتفاء الذاتي تكنولوجياً، فبالرغم من أن الصين تصنع السيارات وأجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية؛ لكن مصانعها بحاجة إلى مكونات تنتجها دول أخرى، مثل: الولايات المتحدة واليابان وتايوان وكوريا الجنوبية وبعض دول أوروبا، وبالتالي يصعب تحقيق الاستقلال التكنولوجي الكامل.

(&) بالنسبة للتكنولوجيا العالمية: يعد الفصل بين التكنولوجيا الصينية والأخرى الأمريكية في إطار الصراع التكنولوجي الدائر بين البلدين، انقساماً حاداً في التكنولوجيا المستخدمة دولياً؛ لأنه سينتج عنه نظامين تكنولوجيين مختلفين لا يمكنهما العمل معاً في كافة أنحاء العالم، كما سيكون من الصعب تطوير أجزاء وبرامج تعمل على أنظمة مختلفة في ذات الوقت، مما سيؤدي إلى انعكاسات سلبية على تجارة التكنولوجيا العالمية، وعلى الجهود البحثية والابتكارية وعملية تطوير التقنيات التكنولوجية والصناعات الإلكترونية في جميع أنحاء العالم.

استناداً إلى ما سبق، يتبين أن الممارسات الأمريكية تستهدف بالأساس منع الصين من امتلاك الأدوات التي تمكنها من إنتاج الرقائق الإلكترونية الفائقة، والذي يحقق لبكين تفوقا نوعياً تخشاه واشنطن، حيث  تدرك الأخيرة جيدا أن الصين هي المنافس الأقوى لها على الساحة العالمية، وهي التي تزاحمها صدارة العالم، ولعل ذلك هو ما تجلى بوضوح في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي المعلنة عام 2021، والتي صنفت الصين على أنها “المنافس الوحيد القادر على الجمع بين قوته الاقتصادية والعسكرية، والدبلوماسية، والتكنولوجية، وأنها تشكل تحد مستدام لواشنطن، ولهذا حصرت الأخيرة سياستها تجاه الصين في

 ثلاثة خيارات، هي: تنافسية عندما يجب أن تكون، وتعاونية عندما يكون ذلك ممكنا، وعدائية، عندما تكون ضرورية.

على الجانب الآخر، تدرك بكين طبيعة الممارسات الأمريكية ضدها؛ لكنها لا تتعجل في مزاحمة الولايات المتحدة للهيمنة على العالم، وتنظر إلى انتشار المصالح الصينية وتمددها نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي خارجياً، على أنه أفضل الطرق لمضاعفة نفوذها السياسي دولياً، معتبرة ذلك النفوذ مكافئا للنفوذ الأمريكي، وربما متخطياً ومتفوقاً عليه في أقرب وقت، وهذا ما تصبو إليه.

في الختام، نجد أنه بالرغم من الممارسات والإجراءات الأمريكية ضد الصين، والتي تحاول من خلالها عرقلة جهود بكين في الوصول إلى الهيمنة التكنولوجية، تسعى الأخيرة لكسب المعركة مع واشنطن، متبعة استراتيجية النفس الطويل، والعمل دون ضجيج، وتعمل عن كثب لتحقيق التفوق الاقتصادي والتقني، معتبره ذلك سبيلاً للهيمنة العالمية،وتوسعا لنفوذها الدولية، وهو ما تحاول واشنطن عرقلته أو تأجيله إلى حين، وما نراه ماثلاً الآن، أننا أمام خصمين عنيدين، يسعى كلاً منهما لإقصاء الآخر؛ دون الوصول إلى حافة الصدام، وما الساحة الاقتصادية والساحة التكنولوجية؛ إلا ساحات أخرى للصراع؛ الذي يسعى كل طرف إلى كسب جولاته.

د. عبد الناصر سعيد

رئيس وحدة دراسات الأمن الإقليمي حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية , حاصل على في ماجستير الإعلام ,حاصل على ماجستير في العلوم السياسة , باحث مشارك في عدد من المراكز البحثية السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى