حسم متعثر: لماذا تتراجع فرص وقف الحرب في أوكرانيا؟

منذ أن بدأت الحرب في أوكرانيا في 24 فبراير 2022، وتزايدت تداعياتها السلبية على مختلف المجالات؛ لا سيما الاقتصادية والأمنية، فمع استمرار الحرب، يستمر الاضطراب في الأسواق العالمية وفي حركة الإمدادات المواد الغذائية، وتفاقم الصعوبات المتعلقة بالطاقة والأمن الغذائي والتباطؤ الاقتصادي، وارتفاع الأسعار والتضخم، ولا تبدو في الأفق القريب بوادر إنهاء تلك الحرب، كما لم تبرز مساعي جادة نحو التفاوض لوقفها!، مما يثير تساؤل يبدو في غاية الأهمية، وهو: لماذا تستمر الحرب في أوكرانيا من دون حسم؟، وما هي تداعيات استمرار تلك الحرب على النظام الدولي؟، هذا ما يحاول هذا التحليل الإجابة عنه.

الحرب الروسية على أوكرانيا "كارثية حتى الآن"

بواعث اندلاع الحرب:

في عام 2005، قدم الرئيس الأوكراني السابق “فيكتور يوشتشينكو” -الموالي للغرب- وعوداً بالحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي وحلف ناتو، وفي 2008، ظهرت بوادر للإعلان عن بدء خطوات ضم اوكرانيا للاتحاد الاوروبي ومن ثم الناتو، والذي نظرت إليه موسكو على أنه استفزاز غير مقبول، وفي إطار سعيها لمنع أوكرانيا من الاندماج في هياكل عسكرية واقتصادية غربية، والحيلولة دون تمدد حلف الناتو باتجاه دوائر أمنها القومي، لم تتردد موسكو في المواجهة الاستباقية، كما حدث وتدخلت عسكرياً في جورجيا عام 2008، وكذلك في شبه جزيرة القرم عام 2014، والتي ضمتها روسيا لأراضيها عقب الاحتجاجات التي أدت لإقالة الرئيس الموالي لموسكو “فيكتور يانكوفيتش”، وفي عام 2021، طالب الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” -الذي وصل إلى السلطة عام 2019- الغرب؛ بالانضمام إلى حلف الناتو، وهو ما اعتبرته موسكو تهديداً مباشراً لأمنها القومي ومصالحها الحيوية.

وقد عرضت روسيا مخاوفها الأمنية للنقاش مع الغرب والأطراف الدولية، واقترحت على الغرب توفير ضمانات أمنية، تبدد المخاوف الروسية، أبرزها تخلي الناتو عن خطط التوسع شرقاً، وعدم انضمام أوكرانيا وجورجيا إلى حلف الناتو، وهو ما رفضته واشنطن، ومع تزايد المخاوف الروسية من توسع حلف الناتو باتجاه التماس مع دوائر الأمن القومي الروسي؛ تدخلت عسكرياً في أوكرانيا في 24 فبراير 2022، لمنع انضمام كييف إلى حلف الناتو، ومحاولة الاطاحة بالرئيس الأوكراني” زيلينسكي”، واستبداله بنظام موالي لموسكو، وهو ما فشلت في تحقيقه حتى الآن.

روسيا وأوكرانيا: خمسة سيناريوهات محتملة لانتهاء الحرب في أوكرانيا - جريدة  الغد

عوامل استمرار الحرب:

اعتقدت موسكو أن ما أسمته العملية العسكرية في أوكرانيا لن تستغرق الكثير من الوقت، غير أنها قاربت من العام إلى الآن، ولا زالت مستمرة دون أن يلوح في الأفق أية بادرة لإنهائها، أو محاولات للتفاوض بشأن وقفها، وقد يرجع ذلك لعديد من الأسباب، التي يأتي من أهمها:

(&) استمرار الدعم الغربي: إذ أنه وفور اندلاع الحرب في أوكرانيا في 24 فبراير 2022، أقر حلف الناتو تسليح أوكرانيا للتصدي للتهديدات الروسية، وقدمت الولايات المتحدة، أسلحة متقدمة إلى كييف رداً على قصف بوتين، وفي قمة مدريد في يونيو 2022، اتفق قادة الحلف على تقديم حزمة معززة من الدعم لأوكرانيا، وتعهدت مجموعة السبع بتقديم 19.8 مليار دولار لكييف، كما وافق الكونجرس الأميركي، في 19 مايو2022، على تقديم 40 مليار دولار دعماً لجهود الحرب في أوكرانيا، ومنذ وصول الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، إلى السلطة، وصل حجم المساعدات العسكرية الأميركية لأوكرانيا إلى 21 مليار دولار أميركي، وتواصل الولايات المتحدة وحلف الناتو والحلفاء تزويد أوكرانيا بمستويات متنوعة من الدعم في مواجهة روسيا.

 (&) الرغبة الأمريكية في هزيمة بوتين: تقوم الاستراتيجية الأميركية على الاستمرار في مساعدة أوكرانيا، وتأمين كل الدعم لتظل صامدة، والمضيّ في الحرب إلى أبعد مدى؛ حتى تُهزم روسيا في تلك الحرب، إذ تنظر واشنطن إلى انتصار بوتين على أنه بمثابة هزيمة لأمريكيا، وانعكاساً خطيراً لتراجع مكانة القطب الواحد، وإيذانا بالتحول لمرحلة عالم متعدّد القطبية، وقد أعلن البنتاجون قبيل زيارة الرئيسي الأوكراني لواشنطن في21 ديسمبر2022، عن أن “حرب روسيا في أوكرانيا ستطول كما هو دعمنا لكييف”، الأمر الذي قد يحولها لحرب طويلة الأمد، وتواصل الولايات المتحدة تزويد أوكرانيا بمستويات متنوعة من الدعم العسكري، كان آخرها الموافقة على إدخال منظومات “باتريوت” إلى اوكرانيا، والتي يعتبرها البنتاجون، عاملاً سيغيّر قواعد التوازن العسكري مع روسيا، ويساعد في استمرار كييف على الصمود أمام الهجمات الروسية، وهو ما رأته موسكو خطوة استفزازية قد تؤدي إلى عواقب لا يمكن التنبؤ بها، حذرت روسيا من أن جميع الأسلحة الغربية التي يتم إرسالها إلى أوكرانيا تعد أهدافا مشروعة لها.

(&) رغبة بوتين في الانتصار: دائماً ما تعكس تصريحات الرئيس “فلاديمير بوتين”؛ إصراراً على الانتصار في أوكرانيا، وطالما عبر عن رغبته في استعادة امبراطورية روسيا القيصرية، لا سيما في خطابه للشعب الروسي قبيل الهجوم على أوكرانيا، في21 فبراير 2022، والذي أكد خلاله على أن روسيا أضحت رقماً صعباً في المعادلة الدولية، ولعل هذا يعكس رغبة “بوتين” في تحقيق إنجازات شخصية، والذي يفسر عدم اكتراثه للضغوط الغربية، حتى أنه لم يلتفت لردود الأفعال الدولية، ولا لحجم الخسائر التي تتكبدها القوات الروسية في تلك الحرب، ما يعني أنه من المستبعد أن يقبل “بوتين” بالهزيمة الكاملة في أوكرانيا، وقد يدفعه عدم تحقيق أهدافه؛ إلى الاستمرار في الحرب، وربما التصعيد، لا سيما إذا ما تعرضت روسيا لتهديد وجودي، خشية أن تلقى روسيا مصير ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.

 (&) التباين في الموقف الأوربي؛ بالرغم من التوافق الأوربي حول ضرورة دعم أوكرانيا في مواجهة روسيا، للحيلولة دون تمكن الأخيرة من تقويض الأمن الأوروبي؛ إلا أن هناك تباين تجاه سياسات واشنطن حيال الأزمة الأوكرانية؛ لا سيما بعد التأثيرات السلبية المتصاعدة على أوروبا، وارتفاع تكاليف أزمة الطاقة الآخذة في الازدياد، والذي دفع ألمانيا وفرنسا بمحاولة بذل الجهود لوقف الحرب، في حين تتبنى بريطانيا والولايات المتحدة سياسة التصعيد، ومع استمرار الحرب وتزايد الضرر الذي لحق بالأوروبيين، نتيجة استمرار الحرب، وتزايد تداعيات العقوبات المفروضة على روسيا، والتي أدت إلى أزمات طاقة وغذاء، وشح غاز التدفئة، خاصة في الشتاء، يطالب الأوروبيون بضرورة إنهاء الحرب، واللجوء إلى المفاوضات والحلول السلمية.

(&) عدم تمكن أياً من طرفي الصراع على حسم الحرب لصالحه: بالرغم من أن الجيش الروسي يتمتع بتفوق عسكري ساحق على القوات الأوكرانية، التي لا تملك القوة الكافية لصد الهجمات الروسية، إلا أن الدعم العسكري المكثف الذي يقدمه الغرب لأوكرانيا؛ أسهم إلى حد بعيد في تعزيز قدرات الجيش الأوكراني على الصمود أمام آلة الحرب الروسية، بل والقدرة على شن هجمات مضادة في الشرق والجنوب الأوكراني.

أيضاً تواجه روسيا العديد من التحديات التي تحول دون حسم الموقف في أوكرانيا، أهمها: استمرار الدعم الغربي المتواصل لأوكرانيا، وتزايد التأثيرات السلبية للعقوبات الغربية ضد موسكو، فضلاً عن تأثير العزلة الدولية التي فرضت على موسكو منذ اندلاع تلك الحرب،

(&) افتقاد المؤسسات الأممية القدرة على اتخاذ القرار بشأن الحرب: فمنذ بداية الحرب في أوكرانيا وحتى الآن، عجزت الأمم المتحدة ومجلس الأمن عن اتخاذ قرار فاعل؛ يضع حداً لهذه الحرب؛ لغياب الاجماع، واستخدام حق النقض “الفيتو”، الأمر الذي يعكس مدى هشاشة المؤسسة الأممية في التصدي للأزمات الدولية الكبرى، والذي يزيد من إطالة أمد تلك الأزمات بما يهدد السلم والأمن الدوليين، ويقوض الاستقرار العالمي، وهو ما يدفع بأهمية تطوير المؤسسات الدولية بالطريقة التي تمكنها من اتخاذ قرارات فاعلة، تحمي الدول والشعوب.

(&) الحذر الصيني في التعامل مع أطراف الحرب: فحتى قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا، وتحرص بكين على عدم الانخراط في الأزمة، متبعة سياسة الحياد، والدعوة للحوار التفاوض، عارضة الوساطة لمنع تدهور الوضع في أوكرانيا، في الوقت ذاته تحرص على انتهاج الدبلوماسية الحذرة لحماية مصالحها الوطنية، مما يدفعها للحفاظ على علاقة مستقرة مع كافة الأطراف، سواء روسيا، أو الولايات المتحدة، وأوروبا، حيث ترغب في تماسك علاقاتها مع تلك الدول، وباعتبار ما يحدث لروسيا مصدر قلق كبير لبكين؛ تراقب  الأخيرة عن كثب، تطورات الحرب في أوكرانيا، في الوقت ذاته لا تخفي الاستعداد لأية سيناريوهات محتملة لما يمكن أن تؤول إليه الحرب.

استناداً إلى العوامل السالفة الذكر، وفي ظل عدم بذل الجهود الدولية الكافية لوقف الحرب، أو محاولة تسويتها سلمياً، أو حتى خفض مستواها إلى الدرجة التي تحول دون تطورها وإطالة أمدها، ومنع تمددها لمناطق أخرى؛ إضافة إلى استمرار التصعيد الأميركي ضد روسيا، والذي يقلل من فرص التفاوض، أو اللجوء للحلول الوسط، يجعلنا نتوقع استمرار الحرب، طالما استمرت دون حسم، وإن بات من المؤكد أن الحرب في أوكرانيا لن تنتهي كما بدأت، بل سيكون لها تداعياتها بالغة الخطورة على المستويات كافة، ما يعني أن المستقبل سيشهد الكثير من التحولات، وعلى الجميع الاستعداد له.

النتائج المحتملة من حرب روسيا وأوكرانيا وخيارات الصين | البيان

بالنهاية، تتجسد أمامنا الكثير من الشواهد التي تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أكبر وأوسع من الساحة الأوكرانية، وإن كانت الأخيرة هي التي تشهد المعارك الحربية، إلا أنها ستشهد مرحلة حاسمة في تحول النظام الدولي عما هو عليه الآن، لا سيما مع تزايد التداعيات السلبية لتلك الحرب، على دول العالم عامة، وأوروبا خاصة، مما قد يدفع حلفاء واشنطن إلى التخلي عنها، بالرغم من مظاهر التماسك التي يبديها الحلفاء الغربيين إلى الآن.

وإن كان قدرًا كبيرًا من العمل قد يتم لبدء الحروب وتغذية عوامل استمراراها، لكن جهوداً أقل بكثير قد تبذل لمحاولة وقفها؟!، وهذا هو مآل الحال للحرب في أوكرانيا؛ إذ لا يبدو أن أياً من أطرافها يسعى جدياً لوقفها، في انتظار ما يمكن أن تسفر عنه مآلاتها!

الأمر الذي يجعل الحرب في أوكرانيا في ظل ما تشهده من تطورات؛ مفتوحة على مختلف الاحتمالات، ما يعلنا نتوقع مساراتها خطوة بخطوة؛ استناداً إلى قاعدة عدم التنبؤ، لا سيما وأن ما يحدث على الساحة الدولية في الوقت الراهن لا يمكن التنبؤ بمستقبله، لكن المؤكد إن إطالة أمد الحرب، قد تقودنا إلى أزمة عالمية حقيقية، وهو ما يثير مخاوف الجميع، فإلى أي مدى يمكن لدول العالم أن تتحمل المزيد من الأزمات؟، وما الثمن الذي يجب أن تدفعه الدول والشعوب لوقف تلك الحرب؟، مع خروج بعض التكهنات بأن الأسوأ لم يأت بعد!، هذا ما ننتظر أن يجب عنه المستقبل، إذا استمر عجز القوى الدولية في توفير إجابة فاعلة له!

د. عبد الناصر سعيد

رئيس وحدة دراسات الأمن الإقليمي حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية , حاصل على في ماجستير الإعلام ,حاصل على ماجستير في العلوم السياسة , باحث مشارك في عدد من المراكز البحثية السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى