أين وصلت مخاطر مشكلة انعدام الأمن الغذائي في أفريقيا؟

قبل جائحة كورونا كانت الدول الأفريقية من بين أسرع الدول نمواً في العالم، حيث ضيعت تلك الأزمة العالمية عقودًا من المكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي تحققت بشق الأنفس في دول القارة. ولأول مرة منذ ما يقرب من ثلاثة عقود- فقد ملايين الأفارقة وظائفهم، ودفع ما يقرب من  50 مليوناً إلى براثن الفقر المدقع، خاصة من النساء والشباب.

وبحلول نهاية عام 2021، تجاوزت إفريقيا نسبياً التداعيات السلبية الجسيمة لوباء كورونا، وسرعان ما جاءت الحرب الروسية الأوكرانية، لتعيد للقارة العديد من المخاطر الاقتصادية، وأهمها تفاقم مشكلة انعدام الأمن الغذائي. وعليه، يطرح هذا التحليل، تساؤل حول الضوء على الأهمية الاقتصادية لدولتي الحرب ( روسيا وأوكرانيا ) بالنسبة لأفريقيا، وانعكاسات الحرب على الأمن الغذائي فى دول القارة الأكثر فقرا.

أزمة المصدرين:

تنتج روسيا حوالي 24٪ من القمح العالمي بينما تنتج أوكرانيا 10٪، هذا هو تقريبا حجم إجمالي إنتاج القمح في الاتحاد الأوروبي بأكمله. ويمثل البلدين معًا ربع صادرات القمح العالمية. وفي أعقاب الغزو الروسى الأوكراني، ارتفعت أسعار السلع الأساسية مثل القمح والشعير والزيوت النباتية بشكل كبير. ففي مارس 2022، وصل مؤشر أسعار الغذاء للأمم المتحدة إلى مستويات قياسية. مع زيادة شهرية قدرها 12.6 % في مارس 2022 عن فبراير للعام ذاته، وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 33.6 % عما كانت عليه قبل عام 2022؛ يعود ذلك جزئيًا إلى أن روسيا وأوكرانيا، هما سلة خبز العالم، حيث تصدران ثلث القمح في العالم، وربع الشعير فيه و69 % من زيت عباد الشمس ببلدانه.

شكل رقم (1)  نصيب روسيا وأوكرانيا من السوق العالمى للحبوب والزيوت لعام 2021

شكل رقم (2) تطور أسعار القمح والذرة والزيوت خلال الفترة (2018 وحتى مارس 2022)

وقد بلغ حجم التبادل التجاري السنوي بين روسيا والدول الأفريقية 14.5 مليار دولار أمريكي في عام 2020، حيث زادت عائدات الصادرات الروسية والواردات إلى المنطقة بأكثر من الضعف بين عامي 2013 و 2018.  كما استوردت الدول الأفريقية من روسيا منتجات زراعية بقيمة 4 مليارات دولار في عام 2020، حوالي 90٪ منها عبارة عن قمح، و 6٪ زيت دوار الشمس. ومن هنا يعتبر كل من روسيا وأوكرانيا لاعبان أساسيان في سوق السلع من الحبوب والزيوت فى أفريقيا.

وتأتى تلك التوترات بخصوص واردات القمح الأفريقية فى ظل ارتفاع الاستهلاك فى أفريقيا من الحبوب وعلى رأسها القمح، فقد شهدت القارة تزايد الطلب على محاصيل الحبوب، بما في ذلك القمح وعباد الشمس، والتي كانت مدعومة أساسًا بالواردات أكثر من الإنتاج المحلي. هذا فى الوقت الذى لم يتمكن إنتاج القمح المحلي فى القارة من مواكبة ذلك الاستهلاك. حيث تنتج إفريقيا جنوب الصحراء بشكل ثابت أقل من نصف القمح الذي تستهلكه، في حين تضاعف الاستهلاك المحلي منذ مطلع القرن.

كما تعد روسيا أكبر مصدر للأسمدة النيتروجينية وثاني أكبر مصدر للأسمدة الفوسفورية والبوتاسيوم على مستوى العالم. وتعتمد عدة دول أفريقية على استيراد الأسمدة الروسية منها الكاميرون وغانا والسنغال وكينيا. لكن في أعقاب العقوبات الاقتصادية الصارمة ضد روسيا، تراجعت قدرتها على شحن الأسمدة على مستوى العالم، مما عجل بنقص كبير.

تفاقم المشكلة:

مع استمرار اعتماد إفريقيا جنوب الصحراء على واردات القمح يجعل المنطقة عرضة لصدمات الأسعار العالمية والطقس، والتي يمكن أن تلحق الضرر بالأمن الغذائي الإقليمي. ليزيد الأمر سوءا خاصة، وأنه بالفعل قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان هناك ارتفاع حاد في الأسعار الدولية للذرة والقمح وفول الصويا وزيت عباد الشمس عن العام السابق. وهذا يعتبر مصدر قلق للقارة الأفريقية، وهي مستورد صاف للقمح وزيت عباد الشمس، كما إن الخطر الأكبر الذي تواجهه إفريقيا، هو الارتفاع المحتمل في أسعار الخبز نتيجة ارتفاع أسعار القمح، وسيؤدي تعطيل شحنات السلع إلى زيادة المخاوف العامة من تضخم أسعار المواد الغذائية في منطقة يعانى فيها نحو 100 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائى. وقد يؤدي ذلك عواقب وخيمة على البلدان المستوردة الصافية للغذاء ذات الدخل المنخفض فى أفريقيا. كما تتزامن الحرب الروسية الأوكرانية مع أزمة جوع حادة في غرب ووسط إفريقيا، حيث حذر برنامج الأغذية العالمي والصندوق الدولي للتنمية الزراعية من أن 41 مليون شخص قد يواجهون أزمة غذائية فى عام 2022، فحوالي 20 مليون شخص في منطقة الساحل وغرب إفريقيا لا يحصلون على الغذاء الكافي. وفي شرق إفريقيا، يعاني 28.1 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينما يعاني 7.4 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الطارئ، وهو ما يعني “سوء التغذية الحاد المرتفع والوفيات الزائدة”.

 الغرب أكثر تضررا:

عانت دول غرب أفريقيا من تدهور الأمن الغذائي منذ عام 2015، وزادت المشكلة حدة مع وباء كورونا ليرتفع نسبة السكان المتضررين من نقص التغذية من 11.5٪ في عام 2015 إلى 18.7٪ في عام 2020- أي ما مجموعه 75.2 مليون شخص. وعلى الرغم من أن دول المنطقة تستورد  القليل نسبيًا من المواد الغذائية أو الأسمدة (باستثناء صادرات بنين إلى أوكرانيا (4.7٪ من إجمالي صادراتها) وواردات بنين والسنغال من روسيا (بين 4٪ و 5٪ من إجمالي الواردات، على التوالي) من روسيا وأوكرانيا، مما يعزلها عن العديد من اضطرابات السوق الحالية، كما أن وقف أو تقليص واردات الأسمدة من روسيا – ثاني أكبر مورد للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECOWAS) بنسبة 12٪ من السوق – يمثل أيضًا خطرًا كبيرًا على مزارعي غرب إفريقيا.

وعلى ما سبق، من المرجح أن يكون التحدي الأكبر الذي يواجه غرب أفريقيا، هو الآثار غير المباشرة لارتفاع الأسعار العالمية، حيث أن دول غرب إفريقيا مستورد للحبوب والسكر والزيوت النباتية واللحوم والحيوانات ومصدر للكاكاو والقطن والفول السوداني والأسماك والفواكه. حيث ارتفعت أسعار زيت النخيل والسكر والقمح ولحوم الدجاج من يناير 2020 إلى فبراير 2022، بينما أسعار السلع التى تصدرها دول غرب أفريقيا مثل الموز والكاكاو والفول السوداني مستقرة. وفي الوقت نفسه، وخارج قطاع الزراعة، تعتبر تطورات أسعار السلع الأساسية إيجابية بالنسبة للمنطقة ، حيث إنها أيضًا مُصدرة لبعض المواد الخام: الذهب، والقصدير، والنفط (الذي يمثل وحده أكثر من نصف عائدات صادرات المنطقة)، والنحاس، والغاز الطبيعي واليورانيوم والزنك والألمنيوم.

وتستورد غرب إفريقيا 82٪ من استهلاكها من البوتاسيوم، وفي ساحل العاج ومالي والنيجر والسنغال وسيراليون، تأتي الغالبية العظمى من الواردات 80٪  روسيا؛ وبالتالي صعوبة الحصول على الأسمدة يؤثر بشكل كبير على القطاع الزراعي بغرب أفريقيا. وتتقاطع الآثار الاقتصادية للأزمة الروسية الأوكرانية مع تلك التي أحاطت بانقلاب عام 2021 في مالي، حيث فرضت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ايكواس) مرتين حظراً على مالى، وأغلقت حدودها فعلياً أمام جميع الدول الأعضاء.

 ونظرًا لأن مالي هي أحد الموردين الرئيسيين للماشية في المنطقة، اتخذت إجراءات مشددة على صادرات الثروة الحيوانية واللحوم، قد حظرت بالفعل أعضاءها من التصدير داخل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا. وقد أدى تعليق الصادرات المالية إلى توترات في السوق – لا سيما في قطاع اللحوم – في بعض البلدان. مما صاحبه ارتفاع سعر اللحوم بنسبة 25٪ -30٪ فى غرب أفريقيا. ويمثل الوضع الحالي تحديًا للجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، التي يتعين عليها الامتناع عن اتخاذ تدابير من شأنها أن تؤدي إلى تفاقم الأمن الغذائي الإقليمي، الذي  تزايد بالفعل بشكل كبير بسبب أزمة وباء كورونا، وينبغي تسهيل التجارة البينية لدول التكتل وعدم تقييدها بتدابير مثل قيود التصدير أو الحظر.

وفى الختام، يمكن القول إن الآثار الاقتصادية الناتجة عن الأزمة الروسية-الأوكرانية،  سوف تعتمد على حجم الاضطراب وطول الفترة الزمنية التي سوف تستمر فيها الحرب، خاصة أن الوضع فى أفريقيا لا يحتمل المزيد من الخسائر الاقتصادية لأنها بالفعل تعانى من أزمات سياسية وأمنية، كذلك تداعيات اقتصادية صعبة فى ظل انتشار وباء كورونا. في حين أن التداعيات الاجتماعية والاقتصادية كبيرة بالفعل ولا يزال الوضع لا يمكن التنبؤ به إلى حد كبير.

د.جيهان عبد السلام

رئيس وحدة دراسات مصر -أستاذ مساعد الاقتصاد بجامعة القاهرة. -حاصلة على دكتوراه الاقتصاد بكلية الدراسات الأفريقية العليا. -عضو هيئة تحكيم البحوث الاقتصادية لدى المركز الجامعي لترامنست. -عضو هيئة تحكيم لدى كلية الاقتصاد والإدارة وعلوم التيسير. -عضو هيئة تحكيم لدى جامعة الشهيد لخضر. -خبير اقتصادي وكاتبة في العديد من المجلات العلمية ومراكز الدراسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى