هل يهدأ نزاع “الفشقة” بعد اتفاق الـ 5  من يوليو؟

لا تكاد منطقة الحدود السودانية-الإثيوبية عند محلية “الفشقة” إحدى محليات ولاية “القضارف” السودانية منذ خمسينيات القرن الماضي تهدأ، حتى تعود إلى التوتر من جديد إثر نزاع حدودي بين البلدين،([i]) غير أن أسباب التوتر فى الآونة الأخيرة لم تعد تقتصر على النزاع الحدودي التقليدي فحسب، إنما اتسعت لتشمل أسبابا سياسية تكتيكية، ترتبط أحيانا بالنزاع بين البلدين على قضايا أخرى كقضية مياه النيل، وأحيان أخرى ترتبط بالصراع الداخلي على السلطة فى كلا البلدين.([ii])

وكانت القوات المسلحة السودانية قد نفذت أواخر عام 2020 عملية عسكرية سيطرت من خلالها على معظم الأراضي الحدودية المتنازع عليها فى محلية “الفشقة”، بعدها استمرت الخروقات من الجانبين وبخاصة من قبل الجانب الإثيوبي، وفى 22 يونيو 2022 قتل سبعة جنود ومدنى واحد من السودانيين، وقد أثار هذا الحادث قدرا كبيرا من ردود الأفعال.

تأسيساً على ما سبق، وفي ظل اتفاق الـ 5 من يوليو الجاري بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الذى أكدا الطرفان بعده، حسب بعض وسائل إعلام مقربه، إنّهما توصلا إلى اتفاق لتسوية جميع القضايا العالقة بينهما سلمياً- يبقى السؤال، وهو: هل يهدأ نزاع الفشقة بين “آبى أحمد” و “البرهان” بعد اتفاق الـ 5 من يوليو؟. يذكر أن آبي أحمد التقى مع البرهان، في العاصمة الكينية نيروبي، على هامش اجتماع الهيئة الحكومية للتنمية (إيجاد).

مواقف قوية وتوتر شديد:      

(*) فعلى الجانب السوداني: أصدر الجيش السوداني بيانا جاء فيه: “قام الجيش الإثيوبي بإعدام سبعة جنود سودانيون ومواطن كانوا أسرى لديهم …. وأن هذا الموقف الغادر لن يمر بلا رد، وسنرد على هذا التصرف الجبان بما يناسبه، فالدم السوداني غال، دونه المهج والأرواح”، فيم زار الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني والقائد العام للقوات المسلحة موقع الأحداث قائلا : “الرد سيكون واقعا ملموسا على الأرض”،([iii])ومن ناحية أخرى استدعت الخارجية السودانية سفيرها فى أديس أبابا للتشاور، كما استدعت السفير الإثيوبي في الخرطوم وأبلغته احتجاجاً رسمياً، وتقدمت بشكوى إلى مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي والمنظمات المعنية.

(*) على الجانب الإثيوبي: وعلى الرغم من تأسفها لوقوع خسائر فى الأرواح، إلا أن الخارجية الإثيوبية، من ناحية أولى نفت عن الجيش الإثيوبي ارتكاب الحادث وأرجعته إلى وقوع مناوشات بين الجيش السوداني وقوات محلية غير نظامية، ومن ناحية ثانية ألقت باللوم على الجيش السوداني لتوغله فى مناطق إثيوبية بطريقة استفزازية، مع تأكيد الوزارة على رفض الحكومة الإثيوبية تحريف الحقائق من قبل القوات المسلحة السودانية التي ألقت اللوم ظلماً على إثيوبيا.([iv])

وقد زاد التشدد فى المواقف من حدة التوتر، ما حدا بالقوات السودانية إلى شن حملة عسكرية تمكنت خلالها من استكمال سيطرتها على ما تبقى من مناطق الفشقة الكبرى، ولم يتبق إلا بعض المناطق فى الفشقة الصغرى.

فى ذلك الوقت دعا ” البرهان” بصفته الرئيس الحالي لمنظمة “الهيئة الحكومية للتنمية “إيجاد” والتي تضم ثماني دول بما فيها السودان وإثيوبيا إلى عقد اجتماع طارئ التأم في نيروبي فى الخامس من يوليو الجاري، وعلى هامش هذا الاجتماع التقى “البرهان”،”آبى أحمد” رئيس وزراء إثيوبيا فى اجتماع مغلق أعلن بعده “آبى أحمد”: “تعهّد كلانا بإجراء حوار والتوصل إلى حل سلمي للقضايا العالقة”، ثم أصدر مجلس السيادة السوداني بياناً مماثلاً جاء فيه أيضا إنّ الاجتماع كان “مثمرا وناجحا للغاية”،([v]) ومن حينها لم يفصح أيا من الطرفين عن أيه تفاصيل مما جرى في الاجتماع، فما الذى يمكن أن يكون قد غير المواقف وأزال التوتر؟

نهج سلمى أم صراع على السلطة؟:

سيجد المتتبع لسياسات إثيوبيا التفاوضية وبخاصة فى القضايا الصراعية مع مصر والسودان أنها تتبع سياسة حافة الهاوية، وفى ذات الوقت التزم السودان فى نزاعه الحدودي مع إثيوبيا نهجا متشددا عبر عنه بيان القوات المسلحة، وأكدته الزيارة السريعة الخاطفة التى قام بها “البرهان” لموقع الأحداث، والعملية العسكرية المحدودة التى شرع فيها الجيش فى الفشقة الكبرى، ومن ثم فالنهج السلمى الذى انتهي إليه اجتماع نيروبي لم يكن مألوفا من الطرفين بما ينبئ عن أن عوامل قوية أثرت على خياراتهما، وتشير الدلائل إلى أن عدم الاستقرار الداخلي واستمرار واشتداد الصراع على السلطة فى البلدين كان السبب الرئيسي في التخلي عن المواقف المتشددة.

(&) ففي إثيوبيا: تواجه حكومة “آبى أحمد” اضطرابات، وأوضاع إنسانية متأزمة فى  إقليم تجراي، بالإضافة إلى استمرار المواجهات العسكرية فى إقليم أمهرة بين القوات الفيدرالية ومعارضين من “جيش تحرير أورومو” المعارض من ناحية، ومعارضين من مليشيات “فانو” الأمهرية من ناحية أخرى، وقد دفع هذا الوضع المتأزم بـ “أبى أحمد” إلى قبول التفاوض مع “جبهة تحرير تجراي”، بل أنه طلب إلى الاتحاد الأفريقي تسهيل إجراء محادثات للسلام بين حكومته والقوات المتمردة في إقليم تيجراي.([vi])

(&) وفى السودان:  يواجه “البرهان” منعطفا هاما على مسار المرحلة الانتقالية بعدما أعلن عشية اجتماع نيروبي عن مغادرة القوات المسلحة السودانية طاولة المفاوضات التي تشرف عليها الآلية الثلاثية (الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، ومنظمة إيجاد) لإفساح المجال أمام القوى المدنية السياسية والثورية والمكونات الوطنية الأخرى لاستكمال الحوار الوطني وصولا إلى تشكيل حكومة من الكفاءات الوطنية المستقلة تتولى إدارة الفترة الانتقالية، ومع تولى هذه الحكومة مهامها سيتم حل مجلس السيادة وتشكيل مجلس أعلى للقوات المسلحة من القوات المسلحة والدعم السريع، يتولى القيادة العليا للقوات النظامية، ويكون مسئولاً عن مهام الأمن والدفاع بالاتفاق مع الحكومة، وهو ما أثار احتجاجات واسعة وجدلا شديدا فى أروقة السياسة السودانية.([vii])

في النهاية، تؤكد المؤشرات سابقة الذكر على أن لجوء “آبى أحمد” و “البرهان” إلى التخلى عن المواقف المتشددة، وانتهاج السلمية ما كان إلا تجنبا لفتح جبهات صراعية جديدة لا قبل لهما بها، ولا يمكن التنبؤ بنتائجها فيما لو خاضا فيها، ما يعنى أن ما تم التوافق عليه يظل اتفاقا هشا مؤقتا لا يكفي لتسوية القضايا العالقة بين البلدين، ما لم يتم تداركه بمزيد من الاتفاقات والإجراءات الفعالة الحاسمة.

________________________________________________________________________

([i]) International Crisis Group, “Containing the Volatile Sudan-Ethiopia Border Dispute” (Brussels:International Crisis Group, Africa Briefing N°173, 24 June 2021), Pp. 1-18.

([ii]) موقع شبكة الجزيرة الإعلامية، “الفشقة .. تاريخ من الاتفاقيات والنزاع بين السودان وإثيوبيا”، تحققت آخر زيارة فى10 يوليو 2022 الساعة 5:35 م على الرابط:

https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2021/11/30/الفشقة-تاريخ-من-الاتفاقيات-والنزاع

([iii])حسن رمضان، “الجيش السوداني تعليقا على إعدام إثيوبيا لـ7 جنود: لن يمر بلا رد”، على موقع الوطن، تحققت آخر زيارة فى10 يوليو 2022 الساعة 5:40 م على الرابط:

https://www.elwatannews.com/news/details/6163129

([iv]) شبكة رصد الإخبارية، “مقتل 8 سودانيين بإثيوبيا.. الخرطوم تسحب سفيرها والبرهان يتوعد وأديس أبابا «تأسف«”، تحققت آخر زيارة فى10 يوليو 2022 الساعة 5:45 م على الرابط:

https://rassd.com/515121.htm

([v]) موقع اندبندنت عربية، “السودان وأثيوبيا تؤكدان التزام الطرفين “الحوار”، تحققت آخر زيارة فى10 يوليو 2022 الساعة 5:50 م على الرابط:

https://www.independentarabia.com/node/348926

([vi]) موقع الشرق، “إثيوبيا تطالب الاتحاد الإفريقي بالإشراف على “محادثات تيجراي”، تحققت آخر زيارة فى10 يوليو 2022 الساعة 5:55 م على الرابط:

https://asharq.com/ar/4APOgI7SwlYnzTRISbbzdL-إثيوبيا-تطالب-الاتحاد-الإفريقي/

([vii]) بوابة الأهرام، “البرهان: حل مجلس السيادة السوداني بعد تشكيل الحكومة التنفيذية”،تحققت آخر زيارة فى10 يوليو 2022 الساعة 6:05 م على الرابط:

https://gate.ahram.org.eg/News/3592924.aspx

د. سعيد ندا

د. سعيد ندا- رئيس وحدة الدراسات الدولية-، حاصل على دكتوراه العلوم السياسية - جامعة القاهرة - متخصص فى الشئون الأفريقية - مهتم بقضايا النظم السياسية، والنظم الانتخابية، وتحليل وتسوية الصراعات، وكاتب في العديد من المجلات العلمية ومراكز الفكر والدراسات والبحوث، صدر له عدة كتب وأبحاث ومقالات علمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى