تعزيز الفرص: لماذا تدعم إريتريا “بوتين” في الحرب الأوكرانية؟

جاء قرار إريتريا بالتصويت ضد مشروع قرار الأمم المتحدة الخاص بإدانة الغزو الروسي لأوكرانيا ضمن خمس دول فقط صوتت ضد قرار الإدانة هم (سوريا، اريتريا، بيلاروسيا، وكوريا الشمالية، وروسيا)، ليعكس هذا القرار مدى توتر العلاقات بين أسمرة والغرب، والذي قد يأتي كمحاولة للرد على العقوبات الأمريكية ضد إريتريا على خلفية الاتهامات الموجهة للنظام الإريتري بالتورط في ارتكاب جرائم حرب، عندما وقفت إريتريا إلى جانب النظام الإثيوبي خلال حربه في إقليم تيجراي، غير أنه قد يبدو هناك أسباباً أخرى وراء هذا القرار، وهذا ما يحاول هذا التحليل للكشف عنه، من خلال التعرف على أسباب توتر العلاقات الأمريكية الإريترية؟، والمكاسب التي يمكن أن تحققها أسمرة جراء الاصطفاف بجانب روسيا في حرب أوكرانيا؟.

مرتكزات العلاقات الإريترية الأمريكية:

منذ أن استقلت إريتريا عن إثيوبيا عقب استفتاء 1993، والذي جاء بالرئيس الحالي “أسياس أفورقي” إلى السلطة، مرت العلاقات الإريترية الأمريكية بمراحل عديدة؛ شهدت فترات تقارب وتباعد، ومواقف متعارضة أحياناً، ومتوافقة أحياناً أخرى، غير أن الأهمية الاستراتيجية لموقع إريتريا على البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، شكل أهم مرتكزات العلاقات بين أسمرة وواشنطن، لما يمثله ذلك الموقع من أهمية حيوية لإسرائيل والولايات المتحدة، الأمر الذي دفع واشنطن إلى التعامل بمرونة أكثر في علاقاتها بإريتريا، ضمن مساعي الولايات المتحدة لتقوية علاقاتها بالدول المهمة في منطقة القرن الإفريقي، وبما يمكنها من السيطرة على الأوضاع عند حدوث خطر ما يهدد مصالحها في هذه المنطقة، خاصة ما يتعلق بإسرائيل.

وقد حاولت الولايات المتحدة خلال مراحل مختلفة؛ ضمان تواجد إريتريا ضمن الدول المتوافقة معه، إلا أن قيام نظام “أسياس أفورقى”، بدعم المسلحين الإسلاميين فى الصومال؛ للإطاحة بالحكومة الصومالية الانتقالية فى ذلك الوقت؛ هو ما أدى إلى قيام الولايات المتحدة بتبني قرارًا فى مجلس الأمن بمساعدة أوغندا لفرض عقوبات على إريتريا، وفرض حظر على شراء الأسلحة والسفر وحركة الأرصدة المالية وتنقلات بعض أفراد النظام الحكام، وهو من دفع العلاقات بين البلدين إلى التوتر.

  وعقب النجاح في توقيع اتفاقية السلام بين إثيوبيا وإريتريا عام 2018، زادت التوقعات حول عودة انخراط أسمرة في التفاعلات مع الولايات المتحدة الأمريكية من جديد، باعتبارها من أهم القوى الدولية الفاعلة في المنطقة، وهو ما ساهم في سماح الولايات المتحدة بتمرير قرار أممى برفع العقوبات المفروضة على اريتريا في نوفمبر 2018.

غير أنه سرعان ما عادت العلاقات مع واشنطن إلى التوتر مرة أخرى؛ عقب تورط النظام الاريتري فى شن هجمات على إقليم تيجراي، بجانب نظام “أبي أحمد” الذي يخوض صراعاً مع إقليم تيجرايمنذ عام 2020.

حيث فرضت الولايات المتحدة فى 12 نوفمبر 2021، عقوبات على قوة الدفاع الإريترية “إي دي إف” وحزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة، و”صندوق هيديري”، وهو شركة قابضة تابعة لحزب الجبهة الشعبية، إضافة إلى رئيس مكتب الأمن القومي الإريتري “أبرهه كاسا نيمريم”، و”هاغوس غبريويت كيدان”،”المستشار الاقتصادي لحزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة، ووضعهم على القائمة السوداء متهمة أياهم بالضلوع بجرائم فى إقليم تيجراى بإثيوبيا، حيث ذكرت العديد من التقارير قيام إريتريا باستغلال الصراع فى إثيوبيا لتصفية حساباتها القديمة من الجبهة الشعبية لتحرير شعب التيجراى وسكان إقليم تيجراى.

وقد رفضت أسمرة العقوبات الأمريكية عليها، والتي وصفتها وزارة الخارجية الإريترية بأنها غير مشروعة وغير أخلاقية، وتتعارض مع مبادئ القانون الدولى وتشكل انتهاكًا صارخًا لسيادة الشعب الإريتري، وتزيد من معاناته، وتلحق به المزيد من الأذى والمجاعة، وتشكل محاولة لدفعه إلى إثارة الاضطرابات السياسة في البلاد، مما يمثل سياسة عدائية ومضللة ضد النظام الإريتري.

وفي الفترة الأخيرة، لا سيما بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، وجد نظام الرئيس “أسياس أفورقي” فرصة سانحة لتوجيه رسالة معارضة لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية مع إريتريا؛ عبر تصويت الأخيرة بجانب روسيا في الأمم المتحدة.

أسباب المساندة والمكاسب المحتملة:

يتطلع النظام الإريتري لاستغلال الصعود الروسى الصينى على المستوى العالمى، ويرى في زيادة التقارب مع روسيا؛ فرصة تضمن له الحصول على المساندة والدعم الروسي؛ ضمن مساعي الرئيس”أسياس أفورقي”، الاستمرار في الحكم،في الوقت ذاته قد يساهم ذلك في تخفيف حدة الانتقادات الغربية الموجهة لنظامه، ومحاولة تقليل الدعم الغربي للمعارضة الإريترية، في إطار مساعي الغرب للمحافظة على الأوضاع في باب المندب ومنطقة القرن الأفريقي.

على الجانب الآخر تمثل إريتريا بوابة روسيا للتواجد في البحر الأحمر، حيث ترى موسكو، أنه في إطار المساعي الروسية لأن تصبح قوة عالمية؛ تحتاج روسيا إلى قوة بحرية تتمتع بإمكانية الوصول إلى المياه الدافئة، وهو ما يمكنها من تعزيز تجارتها وإقامة وجود عسكري في القارات الأخرى، ولطالما لعبت موانئ المياه الدافئة دورًا مهما في السياسة الخارجية الروسية، حيث لا تسمح موانئها بالوصول السهل إلى البحر المتوسط أو البحر الأحمر، ولعل التواجد في إريتريا يساعد موسكو في تحقيق جزءا من ذلك.

إذ أن الهدف الروسي بالتواجد في اريتريا، يأتي ضمن مساعي التواجد في البحر الأحمر، حيث تسعى روسيا لبناء قاعدة عسكرية وميناء بحري في إريتريا، باعتبارها مجاورة لجيبوتي، التي تتواجد فيها القواعد العسكرية لكل من الصين وفرنسا والولايات المتحدة.

وقد أكد انتقاد روسيا للتقارير الأممية التي تتهم إريتريا بزعزعة استقرار الصومال؛ على مساعي موسكو لتطوير علاقاتها بأسمرة؛ كما اعترضت موسكو على نشر تقرير مجموعة المراقبة الأممية بشأن الصومال، المقدم في مجلس الأمن عام 2013، واصفة الاستنتاجات والتوصيات بأنها منحازة ولا أساس لها، كما انعكس على السلوك التصويتي للوفد الروسي في مجلس الأمن الذى أبدى اعتراضه على قرار توسيع العقوبات على إريتريا عام 2011، من خلال الامتناع عن التصويت وهو ما تكرر في عام 2014، كما كانت روسيا هي أول عضو دائم في مجلس الأمن يطالب برفع العقوبات عن اريتريا عام 2018.

في الوقت ذاته تحاول أسمرة تطوير العلاقات مع روسيا في إطار مساعيها للخروج من العزلة الاقتصادية؛ نتيجة العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة على إريتريا منذ عام 2009، والتي استمرت ما يقرب من مدة عشر سنوات، ومنذ ذلك الحين بدأت بوادر للتقارب الاريتري مع روسيا، حيث صرح السفير الإريتري بموسكو “بيتروس تيس جاى” لوكالة سبوتنيك الروسية، ترحيب بلاده بقيام روسيا ببناء مركز لوجسيتي على الأراضي الإريترية، والذي يأتي في إطار الرغبة الروسية بتوسيع الوجود الروسي فى أفريقيا.

وتسعى إريتريا لاستغلال تحسن علاقاتها مع روسيا من أجل تحقيق العديد من المكاسب التى من الممكن أن تساعد النظام الإريتري على مواجهة المخطط الأمريكي لضرب استقرار البلاد عبر فرض العقوبات الاقتصادية عليه، وعدم تسليح الجيش الاريتري فى الوقت الذى تسعى فيه كافة جيوش دول الجوار لتعزيز قدراتها العسكرية، لذا تحاول إريتريا من خلال هذا التقارب؛ حث روسيا على تزويد أسمرة بالسلاح، باعتبار روسيا ثاني أكبر منتج للسلاح في العالم، وأحد الموردين الرئيسيين للسلاح في أفريقيا.

وتشير العديد من التقارير عن تسلم الجيش الإريتري مروحيات من روسيا، ضمن عقود توريد السلاح التي أبرمتها روسيا مع ست دول أفريقيا، من بينها إريتريا، مما يعنى وصول الأسلحة الروسية إلى أسمرة، يساعد في تقليل تأثير العقوبات الأمريكية المفروضة عليها.

كذلك فإن بناء قاعدة عسكرية يحتاج إلى تحسين البنية التحتية من طرق وإمدادات الطاقة الكهربائية وهو ما يمكن أن توفره روسيا لإريتريا من خلال شركاتها العاملة فى مجال الطاقة الكهربائية فى رواندا وإثيوبيا، كذلك تعمل على تحسين البنية التحتية فى قطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية للموانئ خاصة وأنها تحت المرتبة الـــ 47 من بين 53 دولة أفريقية فى جودة البنية التحتية بسبب ضعف شبكات الطرق والمياه والصرف الصحى وتكنولوجيا المعلومات.

استناداً إلى ما سبق، فإن إريتريا تعمل على استغلال موقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي، لتحقيق المزيد من المكاسب، خاصة في القطاعات التي تعانى منها إريتريا منذ عقود،في الوقت ذاته يحاول نظام الرئيس “أسياس أفورقى”، زيادة التقارب مع روسيا والصين، في ضوء المنافسة مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ لتجاوز التداعيات الاقتصادية الناتجة عن العقوبات المفروضة على أسمرة، أو التقليل من آثارها، فضلاً عن محاولة ضمان مساندة روسية لاستمرار “أفورقى” في السلطة.

 

د. محمد فؤاد رشوان

خبير مشارك في الشئون الإفريقية، الباحث حاصل على دكتوراه الفلسفة فى الدراسات الأفريقية من جامعة القاهرة، وكان يعمل مساعداً رئيس تحرير مجلة الشئون الأفريقية خلال الفترة من 2013 – 2018، وعضو مؤسس فى رابطة التواصل الأفريقي، ومحاضراً لدى مكتب الاتحاد الأفريقي بالقاهرة خلال الفترة من 2015 وحتى تاريخه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى