تداعيات الحرب الأوكرانية على القارة الأفريقية

أدى استمرار الحرب الروسية – الأوكرانية إلى تفاقم الأوضاع السياسية والاقتصادية على أغلب الدول الأفريقية، وذلك نتيجة ارتفاع أسعار البترول والحبوب والأسمدة. ففي قارة أفريقيا يعتمد أكثر من 75 % من سكانها على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل القومي، وهو ما يثير المخاوف من تفاقم الفقر والمجاعات فى أغلب  دول القارة.

أغلب التقارير الدولية المنشورة، تشير إلى أن ارتفاع سعر النفط لأكثر من 100 دولار للبرميل (120 دولار أمريكي وقت كتاب التقرير)- أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الأولية الزراعية والحبوب المستوردة في جميع الدول الأفريقية، خاصة القمح منها، التى تعد كل من روسيا وأوكرانيا موردين رئيسيين له للقارة الإفريقية، في الوقت الذي تعتبر روسيا منتجًا رئيسياً للأسمدة.

ورغم ما تم ذكره في السابق، وما أشار له من تداعيات خطرة للحرب على القارة الأفريقية- إلا أن الأمر لا يحمل فى مجملة مؤشرات سلبية على القارة الأفريقية، إذ ربما يحمل فى طياته بوادر لانتعاشة على اقتصاديات بعض الدول الأفريقية، بالتحديد المنتجة والمصدرة للنفط وللغاز الطبيعي، خاصة بعد تفاقم أزمة الطاقة فى أوروبا.

تأسيسا على ما سبق، يسعى هذا التحليل إلى الإجابة عن تساؤلين رئيسين، هما: إلى أي مدى يمكن أن تحل احتياطيات الغاز الطبيعي الأفريقي الأزمة في أوروبا؟، وإلى أى مدى يمكن مساهمة أوروبا فى محاصرة انتشار الجوع والفقر فى أفريقيا كأحد تداعيات الأزمة؟.

انعكاسات خطرة:

أشارت بعض التقارير الخاصة بانتقال بعض القوات التابعة لمجموعة “فاجنر” الأمنية الروسية الخاصة، التى تتمركز فى عدد من الدول الأفريقية مثل مالي وليبيا وأفريقيا الوسطى- إلى خارج حدود القارة، بهدف مساعدة القوات الروسية فى الحرب الدائرة فى أوكرانيا، وسط مخاوف من تحول القارة الأفريقية إلى ساحة للحرب الباردة، نتيجة لتغير النظام العالمي لعالم متعدد الأقطاب يتصارع فيه كل من روسيا والصين والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.[i]

فمن الجدير بالذكر أن شركة فاجنر تحظى بقدر من القبول لدى العديد من الدول الأفريقية، التي من أهمها: مالى، وأفريقيا الوسطى، وبوركينا فاسو، نتيجة للإخفاق الفرنسي والأوروبي فى مواجهة الجماعات الإرهابية فى منطقة الساحل وغرب أفريقيا، فتشير العديد من التقارير المنشورة إلى نقل نحو 400 من مقاتلي “فاجنر” من دول أفريقية إلى أوكرانيا قبل 5 أسابيع من بدأ الحرب، وتؤكد تلك التقارير أن القوات المنقولة تلقت تكليفًا من أجهزة الأمن والاستخبارات الروسية بتنفيذ عملية الاغتيال مقابل مكافآت مالية، وكان من أهم العمليات حسب ما تم نشره استهداف 24 مسئولًا أوكرانيًا أبرزهم ( الرئيس فولوديمير زيلينسكى) للإطاحة بالحكومة الأوكرانية وتنصيب أخرى موالية لموسكو.[ii]

ومع سحب العديد من قوات “فاجنر” فى أفريقيا خلال الفترة الماضية، وربما تسحب المزيد حال إطالة عمر الحرب، سيحدث تراجعاً واضحاً، ورما مؤقتا مؤقتًا للنفوذ الروسى فى بعض مناطق نفوذها فى أفريقيا، وهو ما قد يشكل خطرًا على أمن تلك الدول، خاصة بعد انسحاب القوات الفرنسية، وعدم جاهزية بعض جيوش تلك الدول لمواجهة الجماعات الإرهابية، مما يعنى توغل وسيطرة أكبر لتلك الجماعات على بعض الدول الأفريقية، وتغلغلها بشكل يؤثر بالسلب على أمن واستقرار تلك الدول.[iii]

أزمة طاقة حلولها غير محسوبة:

أبرزت الحرب فى أوكرانيا مخاطر اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، وأثارت الحرب مخاوف الدول الأوروبية من تعطل تدفق الغاز الروسي، وارتفاع أسعاره للمستهلكين الأوروبيين، الذين يعانون من أزمة حادة فى تكلفة المعيشة. وعليه، يبدو أن استبدال الغاز الروسي بالغاز الأفريقي البديل الأفضل بالنسبة لأوروبا، سيواجه مشكلة قد تكون غير محسومة في الوقت العاجل، خاصة وأن البديل الأفريقي، يعتريه العديد من الصعوبات.

فعلى الرغم من امتلاك أفريقيا لاحتياطيات هائلة من الغاز، إلا أنها تفتقر للبنية التحتية لتصديره، وبالتالي في حال فشل الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا في إقناع عملاء دولة قطر، باعتبارها ثاني أكبر منتح للغاز الطبيعي والمرتبطين بعقود لإمداد الغاز إلى أوروبا بدلًا منهم، فإن وضع الغاز السيئ سيتفاقم في أوروبا، وبالتالي قد ينعكس ذلك على النظم الحاكمة في تلك الدول، وقد تتأثر انتخابياً في أول انتخابات مقبله، وهو ما يعتبر واحداً من الأهداف الروسية التي يسعى إلي تحقيقها “بوتين”  من عملية التصعيد التي يقوم بها منذ بداية الأسبوع الرابع للحرب.[iv]

فعقب اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا أعربت الجزائر عن استعدادها لزيادة صادراتها من الغاز الطبيعي لأوربا- إلا أن هناك العديد من المخاوف حول قدرة الجزائر على توفير الغاز الكافي لأوروبا، نتيجة لانخفاض احتياطياتها بشكل كبير جدًا، وارتباطاتها التعاقدية، لذلك حرص وزير الخارجية الإيطالي لويجى دى مايو إلى زيادة الجزائر من أجل التفاوض حول زيادة إمدادات الغاز عبر خط ترانزميد، الذى يربط الجزائر بإيطاليا، كذلك تقوم الجزائر بتوفير الغاز لاسبانيا والبرتغال عبر خط الغاز الجديد (ميدغاز)، الذى يصل مباشرة إلى إسبانيا دون المرور على المغرب بعد رفض الجزائر تجديد عقد خط أنابيب يمر عبر المغرب، وقطع علاقاتها الدبلوماسية معها، لكن الجزائر لا تملك القدرة على تلبية احتياجات اسبانيا وحدها.[v]

وعلى صعيد أخر، فعلى الرغم من تسجيل مصر لأكبر نموًا للصادرات من الغاز فى عام 2021 وفقًا للتقارير الصادرة من منظمة البلدان المصدرة للبترول أوبك، حث سجلت صادرات مصر 1.4 مليون طن من الغاز المسال فى الربع الثانى من عام 2021- إلا أن مصر غير مرتبطة بشبكة أنابيب للتصدير إلى أوروبا حتى تاريخه، كما أن الصين قد قدمت عروض طويلة الأمد لإمداد الغاز بشروط جيدة بالنسبة لمصر، ولذلك فمن المنطقي أن تحافظ مصر على موردًا موثقًا فيه، وأن تحافظ على حصتها من السوق الصينية، وهو ذات الأمر المتعلق بليبيا ونتيجة لعدم الاستقرار السياسي وضعف البنية التحتية الليبية غير الكافية لتعزيز الصادرات الليبية لتكن بديلة عن الغاز الروسي إلى أوروبا.[vi]

ومع استمرار سعى دول الاتحاد الأوروبي إلى توفير بديل فوري للغاز الروسى، حيث قامت نائبة الرئيس التنفيذي للمفوضية الأوربية مارجيت فيستاجر، بزيارة إلى العاصمة النيجيرية أبوجا، حيث التقت بنائب الرئيس ييمى أوسينباجو، لبحث زيادة أمادات الغاز الطبيعي المسال من نيجيريا، والتى تعد موردًا رئيسيًا للغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، حيث بلغ إجمالي صادراتها فى عام 2021 حوالي  12.63 مليار متر مكعب، كما أظهرت البيانات أن أكبر المستفيدين من الغاز النيجيرى، هم إسبانيا ثم فرنسا والبرتغال وأخيرًا تركيا، فيما تفيد العديد من التقارير قدرة المنشآت التصديرية فى نيجيريا تبلغ حوالى 31 مليار متر مكعب سنويًا.[vii]

وتسعى الدول الأوروبية إلى إقناع نيجيريا بتحويل فائض صادرتها من الغاز إلى أوروبا، ومحاولة الاستفادة من السعر المرتفع للغاز لتحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة، وقد نجحت تلك المفاوضات في تغيير مسار العديد من الشحنات وتوجيهها إلى أوروبا في الآونة الأخيرة في محاولة لتغطية بعض من الاحتياجات الأوروبية.[viii]

مؤشرات أزمة غذاء على المديين القريب والمتوسط:

مع استمرار الحرب فى أوكرانيا، بدأت أثار ارتفاع أسعار المواد الغذائية ونقص المحاصيل الأساسية فى التفاقم بالقارة الأفريقية، فقد حذر الصندوق الدولي للتنمية الزراعية التابع للأمم المتحدة (إيفاد) من تصاعد حدة الجوع والفقر فى العالم نتيجة للحرب الدائرة فى أوروبا الشرقية.

فالعديد من البيانات المنشورة تشير إلى أن ربع صادرات القمح العالمية من روسيا وأوكرانيا تذهب إلى أفريقيا،- أي أن 40 % من القمح والذرة يذهب إلى منطقة أفريقيا والشرق الأوسط، التى تعانى بالفعل من تصاعد حدة الفقر والجوع فى العديد من دولها، كذلك  يدفع تزايد نقص الغذاء وارتفاع الأسعار إلى خطر دفع ملايين الأشخاص إلى حافة الفقر، وفى ذات السياق تعد روسيا أحد أكبر منتجي الأسمدة فى العالم، وحتى قبل اندلاع الحرب فقد ساهم ارتفاع أسعار الأسمدة خلال العام الماضى فى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنحو 30%، وهو ما أدى إلى تأثيرات بالغة على صغار المنتجين فى المجتمعات الريفية.[ix]

وتتوقع المراصد العالمية أن اندلاع الحرب وزيادة أسعار الأسمدة الوقود وارتفاع تكلفة النقل للمحاصيل الزراعية والمواد اللازمة للزارعة- سيؤدى إلى ارتفاع جديد في أسعار الغذاء، بنسبة تتراوح بين 20 – 30 %، وهو ما يعنى دخول أكثر من 10 مليون شخص إضافي فى أفريقيا إلى دائرة الفقر، الأمر الذي يحتاج إلى العديد من الإجراءات العاجلة، التي من أهمها توفير الإغاثة الغذائية للمعرضين للخطر، وتشجيع الدول على عدم التفكير بشكل فردى لتوفير احتياجاتهم من الأسمدة والغذاء على حساب الدول الأكثر فقرًا، وهو ذات ما حدث من اغلب الدول الأوروبية خلال مواجهة أزمة كورونا.[x]

وختامًا، فعلى الرغم من أن بعض البلدان الأفريقية قد تستفيد من التحول في الأسواق العالمية بعيدًا عن روسيا بسبب الحرب الدائرة مع أوكرانيا- فإن الآثار المحتملة على المدى القصير ستؤثر بشكل أكبر على سبل العيش، وبالتالي دخول المزيد من المواطنين الأفارقة فى دائرة الفقر والجوع، التى قد تطال أغلب دول القارة التي تعانى اقتصادياتها بالفعل من معدلات متدنية للنمو، خاصة أنها لا تزال تعانى من تداعيات أزمة كورونا. وعليه، يمكن القول إن الأزمة الأوكرانية تشكل تهديدًا كبيراً على سكان القارة على المديين القريب والمتوسط.

[i]أحمد عسكر ، هل تؤثر الحرب الروسية – الاوكرانية على  دور فاجنر فى أفريقيا؟ على الرابط :

https://acpss.ahram.org.eg/News/17424.aspx

[ii]مقاتلو ” فاجنر” أداة روسيا لاختراق أوكرانيا على الرابط :

https://www.ida2at.com/wagner-fighters-russia-tool-infiltrate-ukraine/

[iii]الحرب فى أوكرانيا: قوة روسية جديدة من المرتزقة على الرابط :

https://www.bbc.com/arabic/world-60708807

[iv]https://m.akhbarelyom.com/news/newdetails/3677119/1/%D9%87%D9%84-%D8%AA%D8%A4%D8%AB%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D9%88%D8%B4%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7%D8%9F

[v]روسيا وأوكرانيا : هل تستطيع الجزائر تعويض أوروبا عن الغاز الروسى؟

https://www.bbc.com/arabic/world-60555156

[vi]https://www.dw.com/en/europe-looks-to-africa-to-fill-natural-gas-gap/a-61017873#:~:text=NIGAL%20gas%20pipeline%20project%20revived&text=According%20to%20media%20reports%2C%20once,the%20existing%20network%20to%20Europe.

[vii]https://www.spglobal.com/commodity-insights/en/market-insights/latest-news/natural-gas/021522-nigeria-eu-to-consider-all-options-for-increased-lng-deliveries

[viii]https://gulfnews.com/business/energy/nigeria-makes-breakthrough-into-europe-lng-market-1.425311

[ix]https://reliefweb.int/report/world/impacts-ukraine-conflict-food-security-already-being-felt-near-east-north-africa-region

[x]https://www.gatesfoundation.org/ideas/articles/war-in-ukraine-and-global-food-crisis

د. محمد فؤاد رشوان

رئيس برنامج الدراسات الأفريقية، الباحث حاصل على دكتوراه الفلسفة فى الدراسات الأفريقية من جامعة القاهرة، وكان يعمل مساعداً رئيس تحرير مجلة الشئون الأفريقية خلال الفترة من 2013 – 2018، وعضو مؤسس فى رابطة التواصل الأفريقي، ومحاضراً لدى مكتب الاتحاد الأفريقي بالقاهرة خلال الفترة من 2015 وحتى تاريخه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى