تعهدات أمريكية: ماذا تحمل زيارة الرئيس الأفغاني إلى واشنطن؟

مع تسارع انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، يستقبل الرئيس الأمريكي جو بايدن الرئيس الأفغاني أشرف غني ورئيس المجلس الأعلى للمصالحة الوطنية الأفغانية عبد الله عبد الله، في البيت الأبيض يوم الجمعة في الـ 25 من يونيو الجاري، لمناقشة عملية انسحاب القوات الأمريكية وسط احتدام القتال بين القوات الأفغانية وحركة طالبان في جميع أنحاء البلاد، وتتزامن تلك الزيارة مع دعوة واشنطن يوم الثلاثاء الماضي أطراف النزاع في أفغانستان إلى وقف العنف محملة حركة طالبان مسئولية أعمال العنف، حيث أشار المتحدث باسم وزارة الخارجية نيد برايس إلى أن واشنطن تحث الجانبين على الانخراط في مفاوضات جادة تحدد خارطة طريق سياسية لمستقبل أفغانستان.

وانطلاقاً مما سبق، يحاول هذا التحليل تسليط الضوء على تأثير المعطيات الجديدة داخل المشهد الأفغاني بما في ذلك قرار الانسحاب الأمريكي وتصاعد نفوذ حركة طالبان خلال الفترة الأخيرة على أول لقاء مباشر بين الجانبين، وما هي الدوافع الحقيقة لكل من كابول وواشنطن التي تكمن من وراء تلك الزيارة، وهل يمكن ان تعيد إدارة بايدن النظر في خطتها نحو إبطاء وتيرة الانسحاب من أفغانستان أم لا.

سياق انعقاد الزيارة:

تأتي زيارة الرئيس الأفغاني أشرف غني إلى واشنطن والذي يعد اللقاء الرسمي الأول منذ تولي بايدن الرئاسة، وسط تغير العديد من المعطيات في المشهد الأفغاني، على النحو التالي:

(*) تسارع وتيرة الانسحاب الأمريكي: تأتي الزيارة بعد أن بدأت الولايات المتحدة في سحب قواتها من أفغانستان، وهي عملية بدأت في الأول من مايو لإنهاء أطول حرب في أمريكا بعد ما يقرب من 20 عامًا من الصراع، ويتوقع أن تكتمل بحلول 11 سبتمبر الذكرى السنوية العشرين للهجمات الإرهابية على مركز التجارة العالمي في مدينة نيويورك، ومنذ إعلان بايدن، تسارعت وتيرة عمليات الانسحاب حيث تم انجاز أكثر من 50% حتى اليوم.

(*) تصاعد نفوذ حركة طالبان في أنحاء البلاد: منذ قرار بايدن في أبريل بسحب جميع القوات الأمريكية، كثف مقاتلو طالبان انتصاراتهم في المحافظات وشنت الجماعة حملة لتوسيع نفوذها في جميع أنحاء البلاد، حيث استولت طالبان على 30 مقاطعة على الأقل، ووفقاً لمسئولين أفغان محليون، سقطت ست مقاطعات أخرى على الأقل وهي مقاطعات تخار وفرياب وجوزجان وسمنجان وفرح وبكتيا في أيدي المسلحين في أقل من أسبوع، كما استولت طالبان أيضاً على المعبر الحدودي الرئيسي مع طاجيكستان يوم الثلاثاء الماضي والذي يقع في محافظة قندز الشمالية، بينما أفادت وسائل إعلام محلية أن طالبان استولت أيضًا على كميات كبيرة من المعدات العسكرية وقامت بقتل وأسر العشرات من الجنود، كما قالت المبعوثة الخاصة للأمم المتحدة ديبورا ليونز لمجلس الأمن، إن الحركة سيطرت على أكثر من 50 منطقة من أصل 370 مقاطعة منذ مايو.

(*) مخاوف باكستانية: في بيان صدر في الأول من يونيو الجاري، أعربت وزارة الخارجية الباكستانية عن قلقها بشأن الفراغ الأمني في أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي لاسيما و أن آفاق التوصل إلى مصالحة ناجحة بين الجماعات الأفغانية المتحاربة تتضاءل مع مرور كل يوم، ولذلك دعا وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي، أثناء حديثه مع رئيس مجلس النواب الأفغاني مير رحمن رحماني، الجماعات الأفغانية إلى اغتنام هذه الفرصة التاريخية والعمل على التوصل إلى تسوية سياسية شاملة وواسعة من أجل ضمان السلام الدائم والاستقرار في أفغانستان والمنطقة ككل، بينما في السياق ذاته أكد مستشار الأمن القومي الدكتور مؤيد يوسف في حديثه يوم 2 يونيو في برنامج DawnNewsTV show، على إن الانسحاب المفاجئ للولايات المتحدة من أفغانستان لم يكن مثالياً، و أن باكستان كانت دائما تريد السلام في أفغانستان لكن الانسحاب السريع للقوات الأمريكية من البلاد سيعيق حدوث ذلك، وبالتالي من المرجح أن يؤدي استكمال الانسحاب في ظل عدم التوصل إلى تسوية إلى تصعيدًا إضافيًا للحرب الأهلية في أفغانستان، و يمكن أن يكون له تأثير غير مباشر في دفع موجات اللاجئين إلى باكستان التي يعاني اقتصادها بالفعل، كما يمكن أن يؤدي إلى كابوس أمني، من خلال استغلال الجماعات الإرهابية الباكستانية التي لها ملاذات في أفغانستان الوضع، كما أن هناك احتمالًا لتعاون حركة طالبان باكستان والانفصاليين البلوش لشن هجمات في باكستان.

(*) استمرار جمود عملية السلام: منذ أن بدأت في سبتمبر من العام الماضي لم تحرز محادثات السلام تقدما يذكر باستثناء التفاهم على المبادئ والإجراءات، والذي تحقق أيضا بعد مساومة على مدى شهور حول قضايا ثانوية، لكن ازداد المأزق عمقًا هذا العام بعد أن أمر الرئيس جو بايدن، فور توليه منصبه، بمراجعة اتفاقية الولايات المتحدة وحركة طالبان لعام 2019، ثم حدد 11 سبتمبر كموعد نهائي لانسحاب جميع القوات الأمريكية، وفي 24 إبريل الماضي، تم إلغاء محادثات السلام التي كانت مقررة في تركيا دون تحديد موعد آخر، بعد رفض طالبان المشاركة فيها.

محفزات الزيارة:

يسعى كل من الجانب الأمريكي والجانب الأفغاني إلى تحقيق جملة من المكاسب في إطار اللقاء المرتقب في البيت الأبيض، والتي يمكن إفرادها في النقاط التالية:

(&) بعث تطمينات أمريكية: تظهر دعوة كل من غني وعبد الله لإجراء محادثات في واشنطن احترام الإدارة الأمريكية الجديدة لتوازن القوى الدقيق في البلاد خاصة بعد تجديد الاتفاقية المبدئية لتقاسم السلطة بين غني و عبدالله في مايو 2020، والتي وفرت إلى حد كبير إطارًا للحكم والمشاركة مع الولايات المتحدة وبقية العالم، كما أنها مؤشر على التزام واشنطن بدعم الشعب الأفغاني من خلال تقديم المساعدات الدبلوماسية والاقتصادية والإنسانية، بما في ذلك مساعدة النساء والفتيات والأقليات الأفغانية، ففي وقت سابق من هذا الشهر، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن تقديم أكثر من 266 مليون دولار كمساعدات إنسانية جديدة لأفغانستان، وبذلك يصل حجم المساعدات الإنسانية الأمريكية لأفغانستان إلى ما يقرب من 3.9 مليار دولار منذ عام 2002، بالإضافة إلى التأكيد على استمرار التواصل الأمريكي مع الحكومة الأفغانية لضمان عدم تحول البلاد مرة أخرى إلى ملاذ آمن للجماعات الإرهابية.

(*) تعهدات استمرار الدعم الأمريكي للقوات الأفغانية: يسعى الرئيس الأفغاني إلى الحصول على تأكيدات من الولايات المتحدة بشأن استمرار دعمها لقوات الأمن الأفغانية في أعقاب الانسحاب، خاصة وأن المؤشرات على الأرض في صالح جماعة طالبان التي بدأت بالفعل في ملأ الفراغ الذي خلفته القوات الأمريكية وتحقيق انتصارات مؤخراً والسيطرة على عشرات من المقاطعات وإجبار انسحاب قوات الأمن الأفغانية على مغادرة ما لا يقل عن 30 مقاطعة، حيث تسيطر القوات الحكومية الأفغانية حاليًا على 50 % من أفغانستان، في حين أن 30 % من الأراضي تخضع لسيطرة طالبان، بينما 20 % المتبقية متنازع عليها بشدة، إلى جانب ذلك يشعر الجنود الأفغان بالإحباط بسبب نقص الذخيرة وسوء نوعية الأسلحة وعدم كفاية الدعم من الحكومة.

ردود أفعال أفغانية متشككة:

عكس الإعلان عن زيارة الرئيس الأفغاني أشرف غني ورئيس المجلس الأعلى للمصالحة الوطنية الأفغانية عبد الله عبد الله، ردود أفعال داخل أفغانستان بعضها مباشر والبعض الأخر غير مباشر، على النحو التالي:

  • على مستوى المسئولين الأفغان: بالرغم من عدم تعليقه المباشر على زيارة الرئيس الأفغاني إلى واشنطن، إلا أن حامد كرزاي الرئيس الأفغاني السابق قام بتوجيه رسالة غير مباشرة إلى الولايات المتحدة، في مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس يوم 20 يونيو، بالتزامن مع إعلان البيت الأبيض موعد زيارة غني وعبد الله عبد الله إلى واشنطن، أكد فيها على فشل الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها الأساسية المتمثلة في محاربة التطرف وتحقيق الاستقرار في أفغانستان وأن التطرف في أعلى مستوياته اليوم والقوات المغادرة تترك وراءها كارثة، الجدير بالذكر أن كرازي كان على علاقة متضاربة مع الولايات المتحدة خلال فترة حكمه التي استمرت 13 عامًا.
  • حركة طالبان: أكدت طالبان على أن الزيارة ستكون غير مجدية، حيث أشار المتحدث الرسمي باسم طالبان ذبيح الله مجاهد إلى أن غني وعبد الله سيتحدثان مع المسئولين الأمريكيين من أجل الحفاظ على سلطتهما ومصالحهم الشخصية، في المقابل لن تعود تلك الزيارة بالنفع على أفغانستان.

 خلاصة القول، يحاول أشرف غني الحصول على تعهدات أمريكية بشأن الاستمرار في تقديم الدعم للقوات الأفغانية مستغلاً تصعيد حركة طالبان الأخير ومحاولتها ملأ الفراغ في ظل الانسحاب الأمريكية، بينما في المقابل تؤكد واشنطن التزامها بدعم الشعب الأفغاني دبلوماسيا واقتصادياً وإنسانيا، ولكن هل يمكن أن تتطرق أجندة الزيارة إلى إمكانية إعادة واشنطن النظر في خطتها نحو إبطاء وتيرة الانسحاب من أفغانستان، خاصة في ضوء بروز معطيات جديدة تتمثل في، أولاً إعلان البنتاجون يوم الاثنين الماضي في ال22 من يونيو الجاري، أن الجيش الأمريكي قد يبطئ انسحابه من أفغانستان بسبب المكاسب التي حققها مقاتلو طالبان، حيث شدد المتحدث باسم البنتاجون جون كيربي، على أن الموعد النهائي الذي حدده الرئيس جو بايدن للانسحاب الكامل بحلول سبتمبر لا يزال ساريًا ، لكنه أضاف أنه يمكن تعديل الوتيرة بناءً على التطورات الراهنة فإذا كانت هناك حاجة لإجراء تغييرات على وتيرة أو نطاق أو حجم التراجع في أي يوم معين أو في أي أسبوع معين ، واشنطن ترغب في الحفاظ على المرونة للقيام بذلك، وثانياً في الترحيب الأمريكي بالاتفاق مع تركيا على مواصلة تولي القوات التركية توفير الأمن في مطار كابول، والذي قد يؤدي إلى حدوث تفاهمات أمنية بين الجانبين في المستقبل القريب إزاء تأمين مناطق أخرى في أفغانستان وبالتالي لن تحتاج الولايات المتحدة إلى التعاطي مع الجانب الأمني بمفردها بما يتماشى مع توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة و تعهدات بايدن بإنهاء حروب أمريكا الأبدية والبحث عن بدلاء لتولي دور الشرطي الأمريكي في مناطق النفوذ بما يضمن استمرارية المصالح الأمريكية.

سلمى العليمي

باحثة متخصصة بالشؤون الأمريكية، الرئيس السابق لبرنامج الدراسات الأمريكية، باحث ماجستير في العلوم السياسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومة في الدراسات العربية، دبلومة من الجامعة الأمريكية في إدارة الموارد البشرية، نشرت العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة في الشأن الأمريكي والعلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى