«OSCE»: احتمالات احتواء واشنطن لـ التصعيد الروسي؟

التقى كلا من وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن ونظيره الروسي سيرجي لافروف يوم الخميس الماضي في ال 2 من ديسمبر الجاري في ستوكهولم على هامش الدورة ال 28 للمجلس الوزاري لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا 2021، فبينما كرر وزير الخارجية الأمريكي بلينكن مطالبته بأن تسحب روسيا قواتها من الحدود الأوكرانية واستئناف محادثات السلام ، حذر وزير الخارجية الروسي من أن بلاده تعتبر التوسع شرقًا لتحالف الناتو العسكري تهديدًا أمنيًا أساسيًا ، كما جاء ذلك اللقاء في وقت تصاعد التوتر بين روسيا والتحالف العسكري الغربي بعد حشد القوات الروسية بالقرب من الحدود مع أوكرانيا، وتحذير واشنطن بفرض عقوبات شديدة إزاء التصعيد الروسي، و الجدير بالذكر أن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، تعد واحدة من منتديات الحوار الدولية القليلة التي تنتمي إليها كل من الولايات المتحدة وروسيا.

وانطلاقاً من حقيقة أن التحركات الأمريكية مستمرة من أجل تطويق النفوذ الروسي يسعي هذا التقرير إلى تسليط الضوء على تاريخ منظمة الأمن والتعاون في أوروبا وأبرز مبادئها ومهامها الأساسية، وماهي دوافع واشنطن إزاء زيادة انخراطها في تلك المنظمة وكيف تستهدف تحقيق ذلك، وهل ستنجح في وقف أنشطة روسيا من خلال منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أم لا.

منظمة الأمن والتعاون في أوروبا:

تعد منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) أكبر منظمة أمنية إقليمية وأكثرها شمولاً في العالم حيث تضم 57 دولة مشاركة من أوروبا وأوراسيا وبدأت أعمالها سنة 1975، على النحو التالي:

(*) تاريخ المنظمة: تعود أصول منظمة الأمن والتعاون في أوروبا إلى عام 1975 ، عندما وقعت البلدان في الكتلتين المتعارضتين في الحرب الباردة على قانون هلسنكي النهائي ، الذي يكرس مبادئ مثل وحدة الأراضي واحترام حقوق الإنسان، ثم أعقب القانون سلسلة من اجتماعات المتابعة لمراقبة التنفيذ في عملية تعرف باسم مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا (CSCE)، و في عام 1990 تم اعتماد ميثاق باريس الذي وضع تصوراً لتشدين نظامًا أوروبيًا جديدًا لما بعد الحرب الباردة ، وفي عام 1995 تم وضع مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا على أساس مؤسسي دائم وأعيد تسميته باسم منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

(*) العضوية: تصف منظمة الأمن والتعاون في أوروبا نفسها بأنها أكبر منظمة أمنية إقليمية في العالم، فهي تجمع دول الناتو في أوروبا وأمريكا الشمالية والاتحاد السوفيتي السابق، و تضم 57 دولة (يشار إليها باسم “الدول المشاركة” بدلاً من “الدول الأعضاء”) 35 دولة من الموقعين الأصلين على قانون هلسنكي ، بالإضافة إلى دولتان جديدتان، ألبانيا ومنغوليا، إلى جانب ذلك لدى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا 11 “شريكًا للتعاون”، ستة منهم من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأربعة من آسيا، وأستراليا، و تشارك الدول الشريكة في الاجتماعات السياسية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وتتعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك وتستضيف مشاريع منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

(*) أهم المبادئ: تشكل المبادئ التأسيسية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، المنصوص عليها في وثيقة هلسنكي الختامية لعام 1975، نهجًا شاملاً للأمن مع الاعتراف بأن السلام والازدهار في المنطقة يعتمدان على احترام سيادة الدول وسلامتها الإقليمية وكذلك على احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية لجميع الأفراد.

(*) المهام الأساسية: تعمل المنظمة على منع نشوب الصراعات وإدارة الأزمات وإعادة التأهيل في مرحلة ما بعد الصراعات، من خلال تغطية كافة الجوانب الثلاثة للأمن وهي الجانب الإنساني والجانب السياسي-العسكري والجانب الاقتصادي-البيئي، بما في ذلك ، منع النزاعات وحلها، معالجة التهديدات الإقليمية وعبر الوطنية ، إعادة بناء وتعزيز الشفافية العسكرية والقدرة على التنبؤ، تعزيز السياسات الاقتصادية والبيئية المستدامة، محاربة الفساد، دفع الإصلاحات الديمقراطية، الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات الأساسية ، دعم المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة، وتعزيز التسامح وعدم التمييز.

دوافع واشنطن نحو زيادة انخراطها في المنظمة:

يبدو أن الولايات المتحدة تمتلك أهداف محددة تسعى إلى تحقيقها داخل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، والتي يمكن إيجازها في النقاط التالية:

(&) تطويق التحركات الروسية: من خلال العمل عن كثب مع حلفاء واشنطن في منتديات منظمة الأمن والتعاون في أوروبا للتأكيد على العدوان الروسي المستمر ضد أوكرانيا والضغط على روسيا لتنفيذ التزاماتها بموجب اتفاقية مينسك وإنهاء احتلالها لشبه جزيرة القرم.

(&) تعزيز الأمن السياسي والعسكري: عبر منطقة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، بما في ذلك منع إعادة التسليح التدريجي للأمن الأوروبي الأطلسي، بالإضافة إلى تنفيذ والتحقق من الامتثال لاتفاقيات الحد من التسلح، ومكافحة التهديدات الجديدة للأمن كالإرهاب والتعصب والاتجار بالبشر.

(&) الحفاظ على فعالية منظمة الأمن والتعاون في أوروبا: عن طريق تعزيز قدراتها في منع النزاعات وحلها، إلى جانب تعزيز تنفيذ التزاماتها في ثلاثة أبعاد: البعد السياسي العسكري، والبعد الاقتصادي والبيئي، والبعد الإنساني.

(&) التركيز على منطقة آسيا الوسطى: من خلال توجيه مزيد من الاهتمام والموارد إلى آسيا الوسطى عن طريق التوسع في البرامج التي تعزز المؤسسات والممارسات الديمقراطية، وتحسين أمن الحدود، وتوسيع برامج مساعدة الشرطة الحالية، وتشجيع التنمية الاقتصادية والسوق الحرة بما يحقق السلام والأمن والحكم العادل والديمقراطية.

أدوات واشنطن داخل منظمة الامن والتعاون في أوروبا:

تعمل الولايات المتحدة على تعزيز أهدافها من خلال العمل الوثيق مع البعثات الميدانية الـ 18 التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، بالإضافة إلى المنظمات الدولية الأخرى والمؤسسات الأمنية الإقليمية، من أجل تعزيز التحول الديمقراطي، واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، ومراقبة التسلح، والاستقرار الإقليمي، والمصالحة بعد الصراع، تدابير بناء الثقة والأمن، والازدهار الاقتصادي والسياسات البيئية المستدامة، وذلك عن طريق اتباع نهج متعدد الأبعاد، على النحو التالي:

  • المسار الأول ” السياسي العسكري”: الدفاع عن سيادة ووحدة أراضي أوكرانيا ضد العدوان الروسي، ودعم تنفيذ اتفاقيات مينسك من خلال منتديات مختلفة، ولا سيما مجموعة الاتصال الثلاثية التي تقودها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، فضلاً عن المشاورات بصيغة نورماندي، من ناحية أخرى تعتبر واشنطن أكبر مساهم منفرد في التمويل والموظفين لبعثة المراقبة الخاصة متعددة الجنسيات التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا إلى أوكرانيا ، والتي توفر معلومات مهمة عن الوضع الأمني ​​في أوكرانيا، إلى جانب ذلك تدعم الولايات المتحدة عمل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا بشأن النزاعات التي طال أمدها في أوروبا ودورها في مناقشات جنيف الدولية التي تتناول العواقب الأمنية والإنسانية لحرب روسيا عام 2008 في جورجيا ، محادثات 5 + 2 لتسوية نزاع ترانسنيستريا في مولدوفا، وعملية الرئيس المشارك لمجموعة مينسك لتسهيل التوصل إلى تسوية سلمية وشاملة للنزاع في ناجورنو كاراباخ، وأخيراً تواصل الولايات المتحدة الضغط من أجل تحديث وثيقة فيينا لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا للبدء في إعادة بناء الثقة والقدرة على التنبؤ من خلال تدابير إضافية للشفافية والتحقق تغطي القوات المسلحة للدول المشاركة وأنظمة معداتها الرئيسية.
  • المسار الثاني “الاقتصادي والبيئي”: تدعم الولايات المتحدة عمل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لمكافحة الفساد وتعزيز الحكم الرشيد ، وتعزيز التمكين الاقتصادي للمرأة ، وتعزيز أمن الطاقة ، وتشجيع حماية البيئة ، وتوسيع النظر في المخاطر الأمنية المتعلقة بالمناخ ، وبناء المرونة المناخية، فعلى سبيل المثال دعمت الولايات المتحدة عددًا من المشاريع في إطار مكتب منسق الأنشطة الاقتصادية والبيئية التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا في إطار جهودها لبناء قدرات الدول المشاركة لمكافحة الفساد وغسيل الأموال وحماية شبكات الطاقة من الكوارث الطبيعية والكوارث التي من صنع الإنسان.
  • المسار الثالث” الإنساني”: تعد الولايات المتحدة صوتًا رائدًا في اجتماعات وأنشطة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ، من خلال قيادتها لجهود الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات الأساسية للتعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات والدين أو المعتقد، كما تعتبر واشنطن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا هي الأداة الأولى في المنطقة للدفاع عن دور المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة ، وتعزيز المبادئ الديمقراطية للحكم، وفي إطار ذلك تدعم الولايات المتحدة عمل المؤسسات الثلاث المستقلة التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا المتمثلة في مكتب المؤسسات الديمقراطية وحقوق الإنسان (ODIHR) ، والممثل المعني بحرية وسائل الإعلام (RFOM) ، والمفوض السامي المعني بالأقليات القومية (HCNM).

خلاصة القول، يبدو أن حجم التوترات والخلافات بين موسكو وواشنطن لن تنتهي في المستقبل القريب، ولذلك تحاول إدارة جو بايدن تعزيز دور واشنطن داخل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا من أجل عرقلة وتقويض التصعيد الروسي، لكن تلك المحاولات تظل مرهونة بقدرة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في التغلب على عدد من التحديات يأتي على رأسها حقيقة أن الدول المشاركة ليس لديها نفس القيم والمصالح ،الأمر  الذي ساهم في شلل عملية صنع القرار داخل المنظمة ولعبها دور محدود للغاية كمنتدى للتعاون الأمني لعموم أوروبا ، فعلى الرغم من الأهداف الطموحة للمنظمة إلا أن جميع الدول المشاركة فيها لا تؤيد المبادئ السامية المنصوص عليها في وثيقة هلسنكي النهائية أو الرؤية المتفائلة لميثاق باريس لنظام أوروبي جديد قائم على الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وبعد ست سنوات من إبرام اتفاقيات مينسك الأولى ، لا تزال أوكرانيا وروسيا على خلاف، كما وصل دور منظمة الأمن والتعاون في أوروبا في تسهيل تنفيذ اتفاقيات مينسك إلى طريق مسدود وتم تهميش بعثة المراقبة الخاصة التابعة لها، كذلك تم تهميش المنظمة من قبل روسيا وتركيا في جهودهما للتأثير على النزاع المسلح الذي اندلع في خريف عام 2020 بين أرمينيا وأذربيجان حول ناجورنو كاراباخ.

سلمى العليمي

باحثة متخصصة بالشؤون الأمريكية، الرئيس السابق لبرنامج الدراسات الأمريكية، باحث ماجستير في العلوم السياسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومة في الدراسات العربية، دبلومة من الجامعة الأمريكية في إدارة الموارد البشرية، نشرت العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة في الشأن الأمريكي والعلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى