سياسات “واشنطن” تجاه أزمة الحدود الجنوبية مع المكسيك

تعهد الرئيس الأمريكي جو بايدن منذ أن تولى منصبه في يناير 2021 بمعالجة تحديات الهجرة التي ظلت دون حل لعقود، موكلاً هذه المهمة إلى نائبته كامالا هاريس، ولكن حتى تاريخه، وبعد أكثر من عشرة أشهر تشهد الولايات المتحدة تدفقاً قياسياً للمهاجرين على حدودها الجنوبية، فقد أفادت إدارة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية مؤخراً أنها أوقفت 1516650 شخصًا يحاولون عبور الحدود الجنوبية بشكل غير قانوني، وأشارت إلى أن هذا الرقم يمثل 5 أضعاف ما تم اكتشافه في نفس الفترة من عام 2020، عندما تم توقيف 329741 شخصاً، الأمر الذي أثار انتقادات واسعة إزاء سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة من مختلف الأطياف السياسية داخل الولايات المتحدة.

وانطلاقاً من ذلك يسعى هذا التقرير إلى تسليط الضوء حول ما يحدث على الحدود الجنوبية بين الولايات المتحدة والمكسيك، وكيف تغيرت ديناميكيات الهجرة خلال العام الجاري، وما هي آليات إدارة بايدن-هاريس إزاء ملف الهجرة والتي نالت معارضة واسعة من قبل الكونجرس بحزبيه أدت إلى انخفاض معدلات تأييد بايدن بين الأمريكيين، وكيف سيتحرك بايدن في المستقبل من أجل احتواء تلك الأزمة الإنسانية على حدود الولايات المتحدة.

ماذا يحدث على الحدود الجنوبية؟:

بعد بضعة أشهر فقط من تولي بايدن منصبه، تفاقمت أزمة الحدود الجنوبية لاسيما بعد تراجع الإدارة الجديدة عن الإجراءات الأمنية السابقة مشيرة إلى أن تنفيذها لم يعد أولوية، يمكن تتبع ذلك على النحو التالي:

(*) ارتفاع عدد البالغين المتسللين إلى الولايات المتحدة: في 13 يناير، أي قبل أسبوع واحد فقط من تنصيب بايدن، غادر أكثر من 3000 شخص هندوراس والسلفادور إلى الولايات المتحدة، وارتفع هذا الرقم إلى ما يقرب من 7000-8000 بعد أسبوع واحد، وفي الفترة من 1 أكتوبر 2020 إلى 30 سبتمبر 2021 تم القبض على أكثر من 1.7 شخصاً بالغاً يحاول التسلسل إلى الولايات المتحدة.

(*) تضاعف المواجهات الحدودية: تضاعف إجمالي المواجهات الحدودية في الأشهر الثمانية الأولى من هذه السنة تقريبًا عن 2020، حيث زادت المواجهات مع عابري الحدود من 23،237 في مايو 2020 إلى 180،034 في مايو من عام 2021، بزيادة قدرها 675٪ لتصبح أعلى مستوى من المواجهات خلال عقد.

(*) تزايد حالات وفاة المتسللين: اعتبارًا من 19 أكتوبر 2021، أفاد تحالف مجتمعات الحدود الجنوبية أن 150 شخصًا قد لقوا حتفهم منذ عام 2010 بسبب الانتحار وحالات الطوارئ الطبية وحوادث السيارات والغرق وإطلاق النار ، على سبيل المثال في ولاية أريزونا، تم العثور على 43 رفات مهاجر و127 شخصًا خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2021، بينما في تكساس، كان هناك 50 حالة وفاة مهاجرة في الأشهر الستة الأولى من 2021، وفي ولاية كاليفورنيا، تم العثور على 31 حالة وفاة عبر الحدود في الفترة من 1 أكتوبر 2020 إلى نهاية سبتمبر 2021.

(*) انخفاض عدد القصر المحتجزين: في مايو انخفض عدد الأطفال المحتجزين في مرافق الاحتجاز بنسبة 90٪ تقريبًا بعد نقلهم إلى وزارة الصحة والخدمات الإنسانية لإعادة توطينهم بشكل مؤقت، واعتبارًا من 2 سبتمبر، كان هناك 14851 طفلًا في الرعاية الصحية والخدمات الإنسانية.

الديناميكيات المتغيرة على الحدود الجنوبية الغربية:

على الرغم من تزايد أعداد المهاجرين على الحدود منذ أبريل 2020، إلا أن الأعداد ارتفعت بشكل حاد بعد أن تولى بايدن منصبه، بالإضافة إلى تغير ديناميكيات الهجرة عبر تلك الحدود، والتي يمكن ملاحظتها على النحو التالي:

(&) ارتفعت المواجهات الحدودية عبر المجموعات الديموغرافية إلى أعلى مستوى لها في 2021: ارتفعت المواجهات مع الأطفال غير المصحوبين بذويهم من 30557 في 2020 إلى 144834 في 2021، في حين زادت المواجهات مع الأشخاص المسافرين في أسر من 52.230 إلى 451.087، بينما كان أكبر عدد من المواجهات بين شريحة البالغين غير المتزوجين، حيث كان هناك 1،063،285 مواجهة مع بالغين عازبين في 2021، ارتفاعًا من 317،864 في العام السابق.

المصدر: pewresearch.org

(&) منطقة المثلث الشمالي مصدرًا رئيسيًا للهجرة على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك 2021: على الرغم من أن المكسيك هي الدولة المنفردة الأكثر شيوعًا للمهاجرين الذين تمت مواجهتهم على الحدود في 2021، حيث أبلغت حرس الحدود عن 608037 مواجهة مع مواطنين مكسيكيين، وهو ما يمثل 37٪ من الإجمالي، إلا أن المواجهات المتبقية البالغ عددها 1051169 أو 63٪  تضمنت أشخاصًا من دول أخرى غير المكسيك “دول المثلث الشمالي في هندوراس وغواتيمالا والسلفادور” والذي يعد  أعلى إجمالي للمواطنين غير المكسيكيين في سجلات الجمارك وحماية الحدود منذ عام 2000.

المصدر: pewresearch.org

(&) تدفق المهاجرين من بلدان أخرى لم تكن تاريخياً مصدرة للهجرة على الحدود: زاد عدد المواجهات التي شارك فيها أشخاص على سبيل المثال من الإكوادور، بأكثر من ثمانية أضعاف، من 11861 في 2020 إلى 95692 في 2021، كما كانت هناك زيادات كبيرة في المواجهات التي شارك فيها أشخاص من البرازيل (من 6946 إلى 56735) ونيكاراجوا (من 2123 إلى 49841) وفنزويلا (من 1227 إلى 47752) وهايتي (من 4395 إلى 45532) وكوبا (من 9822 إلى 38139).

المصدر: pewresearch.org

(&) تغير أنماط الهجرة الموسمية: منذ عام 2000، بلغت المواجهات الحدودية ذروتها في الربيع، غالبًا في مارس قبل أن تنخفض خلال أشهر الصيف الحارة، حيث تصبح رحلات الهجرة أكثر خطورة، لكن ذلك النمط تغير منذ عام 2013، حيث حدثت الذروة السنوية في أشهر غير مارس، فقد كان شهر يوليو هو شهر الذروة في 2021، و بلغ عدد المواجهات الحدودية 200.658 والذي تجاوز بكثير العدد الإجمالي المسجل في مارس 169.216، على الرغم من أن درجات الحرارة في يوليو عادة ما تكون أعلى من ذلك بكثير.

المصدر: pewresearch.org

آليات إدارة بايدن-هاريس إزاء ملف الهجرة:

شن بايدن حملة لإلغاء جميع سياسات الهجرة في عهد ترامب، ففي أشهرها الأولى، اتخذت إدارته عشرات الإجراءات، والتي تضمنت الحد من إنفاذ قوانين الهجرة داخل الولايات المتحدة، وإنهاء حظر السفر، ووقف بناء الجدار على طول الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، على النحو التالي:

(*) تكليف كامالا هاريس بإدارة ملف الهجرة: في 2 فبراير 2021، وقع الرئيس بايدن على أمر تنفيذي دعا إلى تطوير استراتيجية الأسباب الجذرية للهجرة في أمريكا الوسطى، ومنذ مارس، تقود نائبة الرئيس كامالا هاريس الجهود الدبلوماسية للإدارة لمعالجة الأسباب الجذرية للهجرة من السلفادور وغواتيمالا وهندوراس.

(*) إطلاق استراتيجية الأسباب الجذرية The Root Causes Strategy: في 29 يونيو أطلقت إدارة بايدن استراتيجية الأسباب الجذرية، والتي تعد عنصر أساسي لإنشاء نظام هجرة عادل ومنظم وإنساني، حيث تحدد هذه الاستراتيجية الأولويات والإجراءات لتحسين الأمن والحوكمة وحقوق الإنسان والظروف الاقتصادية في المنطقة، وتعتمد على خمسة محاور أساسية هي معالجة انعدام الأمن الاقتصادي وعدم المساواة، مكافحة الفساد وتعزيز الحكم الديمقراطي وتعزيز سيادة القانون، تعزيز احترام حقوق الإنسان وحقوق العمال وحرية الصحافة، مكافحة ومنع العنف والابتزاز والجرائم الأخرى التي ترتكبها العصابات الإجرامية وشبكات الاتجار وغيرها من المنظمات الإجرامية المنظمة، ومكافحة العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي والعنف المنزلي ، وذلك من خلال دمج العديد من أدوات الحكومة الأمريكية، بما في ذلك الدبلوماسية والمساعدات الخارجية والدبلوماسية العامة والعقوبات.

(*) إنهاء أعمال الجدار الحدودي: وقع بايدن على أمر في أول يوم له في منصبه بإيقاف جميع أعمال بناء الجدار وإنهاء إعلان الطوارئ الوطني على الحدود الجنوبية، وأمر في وقت لاحق بتحويل الأموال العسكرية التي استغلها ترامب للمشروع.

(*) زيادة أعداد اللاجئين لدخول الولايات المتحدة: في 27 سبتمبر، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن الحكومة تخطط لزيادة عدد اللاجئين المسموح لهم بدخول الولايات المتحدة إلى 125 ألفًا للسنة المالية التي بدأت في 1 أكتوبر، كما دعا بايدن إلى قدوم المزيد من اللاجئين من إفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا الوسطى، ووضع حد للقيود المفروضة على إعادة التوطين من الصومال وسوريا واليمن.

معارضة داخلية واسعة:

تواجه إدارة بايدن انتقادات من قبل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بالتزامن مع انخفاض نسبة تأييد بايدن بين الأمريكيين حيال تعاملها مع أزمة تدفق المهاجرين على الحدود الأمريكية المكسيكية، على النحو التالي:

  • موقف المشرعين الجمهوريين والديمقراطيين: انتقد الجمهوريون إدارة بايدن بسبب سياساتها المتعلقة بالهجرة، زاعمين أن تراجعها عن العديد من السياسات الصادرة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب شجع الهجرة غير الشرعية إلى الولايات المتحدة من خلال فتح حدود أمريكا امام المهاجرين ، وخاصة إعطاء الوضع القانوني لما يقدر بنحو 11 مليون شخص غير موثق في الولايات المتحدة الأمر الذي تسبب في حدوث أزمة على الحدود، على سبيل المثال غرد السناتور الجمهوري توم كوتون، سماح بايدن عبور عشرات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين عبر الحدود للحصول على الجنسية يجعل هذه الأزمة أسوأ بكثير، من ناحية أخرى يتعرض بايدن للضغط من قبل حلفاؤه الديمقراطيين بسبب تراجعه عن تعهده باتباع نهج أكثر إنسانية في التعامل مع الهجرة حيث تواصل إدارة بايدن استخدام سياسة الصحة العامة في عهد ترامب، وهو قانون يُعرف باسم المادة 42 ، لطرد المهاجرين وحرمانهم من فرصة التقدم بطلب للحصول على اللجوء وتم تنفيذ هذا الأمر استجابةً لوباء COVID-19 والسماح لوزارة الأمن الداخلي بطرد عابري الحدود بشكل غير قانوني وغيرهم من الأشخاص لأسباب تتعلق بالصحة العامة، على سبيل المثال دعا زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر بايدن إلى وقف عمليات الطرد وإنهاء استخدام المادة 42.
  • انخفاض نسبة تأييد بايدن: وفقاً لاستطلاع رأي أجراه مركز أسوشيتيد برس لأبحاث الشؤون العامة في أكتوبر 2021، حصل الرئيس جو بايدن على أقل نسبة تأييد بشأن تعامله مع ملف الهجرة، حيث وافق 35 % فقط من الأمريكيين على تعامله مع هذه القضية، وتمثل تلك النسبة انخفاضًا حادًا عن أبريل ، عندما وافق 43 % من الأمريكيين على طريقة تعامله مع الهجرة، كذلك انخفضت نسبة الموافقة على تعامل بايدن مع ملف الهجرة إلى 31 ٪ ، وترجع تلك النسبة إلى انخفاض بمقدار 15 نقطة بين الديمقراطيين إلى 61٪ ، في حين أن نسبة الموافقة بين الجمهوريين (5٪) والمستقلين (32٪) تظل ثابتة بشكل أساسي، وذلك وفقاً لاستطلاع رأي أجراه مركز جالوب في منتصف نوفمبر 2021.

خلاصة القول، من المرجح تفاقم الأزمة على الحدود في المستقبل، لاسيما إذا أنهت إدارة بايدن تفعيل المادة 42 الصادرة عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية وذلك بالنظر إلى تزايد الضغط من قبل أعضاء الحزب الديمقراطي على الرئيس بايدن، الجدير بالذكر أن حتى الآن تم طرد 59٪ من الأشخاص الذين واجهتهم دورية حرس الحدود الأمريكية بموجب هذا الأمر خلال عام 2021، وبالتالي قد يؤدي إلغاء الأمر إلى ارتفاع دورات الهجرة على الحدود الجنوبية الغربية بين  الولايات المتحدة و المكسيك ، لذلك سيكون على إدارة بايدن خلال المرحلة المقبلة تسريع عملية النمو الاقتصادي في منطقة أمريكا الوسطى خاصة في قطاع البنية التحتية من أجل تحفيز الاقتصادات الريفية وتعزيز ريادة الأعمال في تلك المنطقة ، بالإضافة إلى ضرورة دعم منظمات المجتمع المدني في المثلث الشمالي في حربها ضد الفساد، على سبيل المثال في حالة غواتيمالا، ينبغي على الولايات المتحدة دعم إصلاح العدالة وحماية أولئك الذين يحافظون على إرث اللجنة الدولية لمناهضة الإفلات من العقاب في غواتيمالا.

سلمى العليمي

باحثة متخصصة بالشؤون الأمريكية باحث ماجستير في العلوم السياسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومة في الدراسات العربية، دبلومة من الجامعة الأمريكية في إدارة الموارد البشرية، نشرت العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة في الشأن الأمريكي والعلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى