توقيت محسوب: تحركات “بايدن” في غرب البلقان

في إطار الاحتفاظ بالقيادة الأمريكية والقدرة على المنافسة العالمية، عادت دول غرب البلقان مرة أخرى لتتصدر أولوية الأجندة الاستراتيجية للولايات المتحدة، حيث أصبحت للولايات المتحدة استراتيجية مركزة داخل البلقان من أجل مواجهة الصين وروسيا اللتان تواصلان توسيع وجودهما في أوروبا الشرقية.

لقد تجلت اهتمامات “واشنطن” بغرب البلقان في زيارة نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي “جابرييل إسكوبار” إلى تلك منطقة مطلع شهر نوفمبر الجاري، في الوقت الذي تواجه فيه البوسنة والهرسك أكبر تحد أمني لها منذ الحرب في التسعينيات ينذر بانهيار اتفاق دايتون للسلام الموقع عام 1995، وذلك بعد تهديدات الزعيم الصربي “ميلوراد دوديك”، أحد أعضاء المجلس الرئاسي للبوسنة والهرسك المكون من ثلاثة أشخاص، مراراً بالانفصال عن بقية البلاد، الأمر الذي مثل تذكيرًا صارخًا بما يمكن أن تحققه المساعدة الدبلوماسية والاقتصادية الأمريكية السابقة في المنطقة.

تأسيساً على ما سبق، يسعى هذا التقرير إلى تسليط الضوء على سياسة واشنطن إزاء منطقة البلقان خلال الثلاثين عاماً الماضية، وما هي دلائل عودة دول غرب البلقان إلى أجندة السياسة الخارجية لإدارة بايدن، وما هي الاستراتيجية التي يجب على واشنطن وبروكسل صياغتها خلال المرحلة المقبلة لدول غرب البلقان.

نهج متغير:

تغيرت رؤية الولايات المتحدة تجاه منطقة غرب البلقان وانحرفت خلال العقود الثلاثة الماضية، على النحو التالي:

(*) فترة التسعينات: اتسمت المنطقة بالصراع والتطهير العرقي والتجزئة الإقليمية في تلك الفترة، وبالتالي كان تركيز الولايات المتحدة طوال هذه الفترة على منع الصراع وتحقيق الاستقرار الإقليمي عن طريق التدخل العسكري والاستثمارات الدبلوماسية والاقتصادية الكبيرة، مما أدى في النهاية إلى زيادة التكامل الأوروبي الأطلسي، حيث شمل الاستثمار والتدخل، التوصل إلى اتفاقية دايتون لعام 1995 لضمان السلام في البوسنة والهرسك، والضربات الجوية للناتو عام 1999 لإنهاء هجوم القوات الصربية على المسلمين الألبان في كوسوفو والعملية السياسية اللاحقة للأمم المتحدة، واتفاقية أوهريد الإطارية التي وضعت المبادئ الأساسية لجمهورية مقدونيا الشمالية في عام 2001.

(*) العقد الأول من القرن الحادي والعشرين: حافظت الولايات المتحدة في تلك الفترة على تركيز مساعداتها الاقتصادية على الاستقرار بعد الصراع واستمرت في تعزيز التكامل الأوروبي الأطلسي في المنطقة، في مقابل تراجع الاستثمارات الدبلوماسية ببطء والتي ركزت بشكل أساسي على البوسنة وكوسوفو.

ففي البوسنة، أدت الجهود المبذولة لدعم سن قانون الدفاع في عام 2005 إلى أن تصبح البلاد عضوًا في برنامج الشراكة من أجل السلام التابع لحلف الناتو عام 2006، بينما في كوسوفو، دعمت الدبلوماسية الأمريكية إعلان الاستقلال من جانب واحد عام 2008، ولكن بعد 11 سبتمبر، تحولت الأولوية إلى مكافحة الإرهاب وتمويل الإرهاب والاتجار غير المشروع، الأمر الذي حوّل المساعدة الأمريكية نحو تعاون أمني أكبر، بالتزامن مع التركيز على التكامل الإقليمي المعزز، مما أدى إلى تحرير التجارة عبر المنطقة مع انضمام دول غرب البلقان إلى اتفاقية التجارة الحرة لأوروبا الوسطى في عام 2006 وإنشاء مجلس التعاون الإقليمي في عام 2008.

(*) خلال العشر سنوات الماضية: بدأ اهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة يتلاشى حيث شجعت واشنطن الاتحاد الأوروبي على تحمل مسؤولية أكبر في المنطقة وإدارة المنطقة من خلال عملية التوسيع، وبالتوازي مع ذلك، ظلت المساعدة الأمريكية مركزة على بناء القدرات المؤسسية والأمن وإنفاذ القانون وتمهيد الطريق للتكامل والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكن لسوء الحظ، توقفت عملية الانضمام والتوسع وأصبحت سياسية بشكل متزايد، حتى الآن لم ينضم سوى كرواتيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، ومؤخراً في مايو 2021 وافقت دول الاتحاد ال27 على البدء في محادثات بشأن توسيع الاتحاد الأوروبي شرقاً ليشمل دولاً من غرب البلقان وهما ألبانيا وجمهورية شمال مقدونيا.

مؤشرات واضحة:

على عكس السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه البلقان في عهد ترامب التي اتسمت بافتقار الاهتمام بالمنطقة، والازدراء تجاه سياسات الاتحاد الأوروبي، من المتوقع أن تكون سياسة بايدن في المنطقة أكثر تركيزاً عبر المحيط الأطلسي وإعادة إطلاق الجهود المشتركة في التكامل الأوروبي الأطلسي في البلقان، وفيما يلي أبرز الدلائل على عودة منطقة البلقان إلى أجندة السياسة الخارجية لإدارة بايدن:

(&) علاقة خاصة مع البلقان: يعتبر نهج جو بايدن تجاه منطقة غرب البلقان على مدار الثلاثين عامًا الماضية مؤشراً قوياً على تصدر تلك المنطقة أجندته السياسية خلال الفترة المقبلة، فقد بدأ بايدن أولى زياراته المنتظمة إلى المنطقة في أوائل التسعينيات إلى البوسنة والهرسك في البداية، ثم إلى كوسوفو لاحقًا، و دعا في مجلس الشيوخ الأمريكي إلى تسليح البوسنيين لحماية أنفسهم في قتالهم ضد الصرب وضرورة إخراج سلوبودان ميلوسيفيتش والقوات الصربية من كوسوفو، كما يعتبر بايدن أول مسئول أمريكي رفيع المستوى يعرب عن تعازيه للصرب في الضربات الجوية التي شنها حلف شمال الأطلسي في مارس ويونيو 1999، وأثناء رئاسة باراك أوباما، شارك جو بايدن بصفته نائب الرئيس بنشاط في عملية السلام بين كوسوفو وصربيا.

(&) التخلص من إرث ترامب: بحثت إدارة بايدن عن حلول مختلفة عن تلك التي نفذها دونالد ترامب، الذي تعامل مع السياسة تجاه غرب البلقان كفرصة للترويج لمنصبه وتركيز الدبلوماسية الأمريكية على القيام بأنشطة مستقلة في هذه المنطقة تتعارض مع مصالح الكتلة الأوروبية، على سبيل المثال لم تسفر الاتفاقية الموقعة بين كوسوفو وصربيا، على الرغم من كونها مذهلة في وسائل الإعلام، عن أي اختراق، في المقابل تستند سياسة بايدن تجاه غرب البلقان على ركيزتين، الأولى، ترتبط بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي لبناء منطقة أمنية مشتركة ومواجهة النفوذ الاقتصادي والسياسي والعسكري للصين في غرب البلقان، والركيزة الثانية تعتمد على التحالف مع فرنسا وألمانيا لتعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي المتوترة خلال رئاسة دونالد ترامب.

(&) التركيز على منطقة البلقان أثناء حملته الانتخابية: أدرج بايدن رؤيته لعلاقة الولايات المتحدة مع البوسنة والهرسك وألبانيا وكوسوفو في بيانات حملته الانتخابية، والتي تعتبر إشارة مهمة على استعداده للانخراط بشكل أكثر جدوى مع المنطقة، حيث نشر بايدن رسائل دعم للبوسنة والهرسك وكوسوفو وألبانيا، والتي نصت على أن سيادة البوسنة والهرسك وسلامة أراضيها وطابعها المتعدد الأعراق أمران مهمان للغاية بالنسبة لواشنطن، والتأكيد على العمل من أجل عضوية البلاد المستقبلية في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وتعهد أيضاً بعكس نهج إدارة ترامب غير المتوازن تجاه كوسوفو وصربيا والعمل عن كثب مع الاتحاد الأوروبي لتحقيق اتفاق اعتراف متبادل، كما تم نشر رسالة موجهة للألبان الأمريكيين تؤكد على دعم أمن ألبانيا.

(&) التصريحات الرسمية من قبل إدارة بايدن: عكست العديد من التصريحات الرسمية منذ تولي رئاسة بادين تحولاً صريحاً في السياسة الأمريكية إزاء البلقان ورغبة واشنطن في أن تكون أكثر انخراطًا في الأمور التي تهم حلفاء أمريكا الأوروبيين، على سبيل المثال في فبراير 2021 دعا جو بايدن في رسالة شديدة اللهجة إلى قادة صربيا وكوسوفو إلى حل يقوم على الاعتراف المتبادل، وفي 26 من ابريل 2021 أكد “نيد برايس” المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، التزام الولايات المتحدة بدعم دول غرب البلقان في طريقها نحو التكامل الأوروبي والعضوية في المؤسسات الأوروبية والأوروبية الأطلسية، من خلال العمل مع دول غرب البلقان والشركاء الأوروبيين للنهوض بإصلاحات الحوكمة وسيادة القانون ومكافحة الفساد، بينما في الـ 8 من يونيو 2021 أكد “أنتوني بلينكن” وزير الخارجية الأمريكية على التزام الولايات المتحدة بضمان استقرار وأمن غرب البلقان، مما يسمح لدول المنطقة بتحقيق إمكاناتها كديمقراطيات حرة ومزدهرة، ومكافحة الفساد وإظهار مزايا الحكم الشفاف والمسئول.

وتعزيزًا لهذا الالتزام، أصدر الرئيس بايدن أمرًا تنفيذيًا يتوسع في مرسومين قديمين يتعلقان بغرب البلقان، يعمل على تحديث سياسة العقوبات في غرب البلقان من خلال استهداف الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان والأعمال التي تهدد الديمقراطية في المنطقة، حيث ينص القانون الجديد على عقوبات ضد الأشخاص الذين تزعزع أفعالهم استقرار المنطقة من خلال تقويض المؤسسات الديمقراطية وسيادة القانون أو بانتهاك حقوق الإنسان، كما تمت إضافة ألبانيا إلى نطاق الأمر التنفيذي، كذلك في الـ 21 من أكتوبر 2021، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بياناً مشتركاً حول دول غرب البقان في أعقاب الاجتماع بين وزير الخارجية بلينكن والممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي” جوزيب بوريل”، حيث اتفقت كلا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على زيادة تعزيز مشاركتهما في غرب البلقان لدعم تقدم المنطقة على مسارها الأوروبي، والتأكيد على الدعم الكامل لعملية توسيع الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى دعم وحدة أراضي البوسنة والهرسك ، والعمل المشترك لتعزيز الإصلاح الانتخابي والدستوري والحفاظ على وظائف مؤسسات الدولة، ودعوة جميع الأطراف إلى احترام مؤسسات الدولة وحمايتها، واستئناف الحوار البناء، واتخاذ خطوات لدفع التقدم على مسار التكامل مع الاتحاد الأوروبي، والتشديد على أهمية آلية الحوار الذي ييسره الاتحاد الأوروبي باعتباره آلية رئيسية لمعالجة التطبيع الشامل للعلاقات بين صربيا وكوسوفو.

مسارات مستقبلية:

يحب على بايدن استغلال السنوات المقبلة في تطوير استراتيجية مشتركة مع بروكسل لإحراز تقدم في منطقة البلقان، من خلال العمل على أربعة مسارات رئيسية، والتي يمكن التطرق لها على النحو التالي:

  • الاستمرار في دفع تكامل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي: القائم على القيم الغربية المشتركة، فلعقود عديدة كانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يشتركان في نفس الأهداف في غرب البلقان، الأمر الذي سيمكن الولايات المتحدة وحلفائها من تعظيم نفوذهم في المنطقة، من خلال الاستفادة من الاستقرار المتزايد والشركاء التجاريين الأقوى.
  • عملية التفاوض بين صربيا وكوسوفو: من وجهة نظر إدارة جو بايدن، يبدو أن التدخل في صربيا سيقتصر على المبادرات الاقتصادية والجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاق مع كوسوفو، من خلال تقبل الولايات المتحدة مخاطر الحد من جهودها المباشرة في كوسوفو وتقديم الدعم بشكل أساسي عن طريق مهمة الناتو، في مقابل تعزيز ودعم دور الاتحاد الأوروبي في الوساطة.
  • تنويع مصادر الطاقة في دول غرب البلقان: يظهر تعيين جون كيري في منصب المبعوث الأمريكي الخاص لشؤون المناخ، تصميم الإدارة الأمريكية الجديدة على احترام اتفاقية باريس واستعدادها لقيادة الجهود العالمية في مجال حماية البيئة، وبالتالي تعتبر إدارة بايدن في وضع جيد لدعم الصفقة الخضراء للاتحاد الأوروبي ودول غرب البلقان من خلال توفير المساعدات المالية لجعل المنطقة أكثر جاذبية لتنويع الطاقة، ولن يحدث ذلك إلا عن طريق التحول عن سياسة الطاقة الأمريكية المتبعة في المنطقة والتي تمثلت في تركيز الولايات المتحدة على محاولة إدخال الغاز الطبيعي المسال في مزيج الطاقة في البلقان، إلى سياسة المساعدة في تحديث صناعات المنطقة على أساس مصادر الطاقة البديلة وتنفيذ أحدث المعايير البيئية لاسيما وأن المنطقة تمتلك شبكة كهرباء متطورة يمكن استخدامها لنقل الطاقة من مصادر الطاقة المتجددة، وسيكون ذلك استثمارًا جيدًا للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
  • القضاء على النفوذ الروسي والصيني: من المتوقع أن ترد إدارة بايدن على التدخل الصيني والروسي في غرب البلقان بشكل رئيسي عن طريق دولة الجبل الأسود وصربيا، خاصة وان كلا البلدين أكثر التزامًا بعملية التكامل الأوروبي، كما تنتمي الجبل الأسود إلى الناتو، فمن خلال تكثيف التعاون السياسي والاقتصادي مع جمهورية صربيا ستتمكن واشنطن من القضاء على نفوذ موسكو في غرب البلقان، في حين أنه قد يكون من الصعب على واشنطن التنافس مع أساليب القروض الصينية، لكن التنسيق بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتوفير تمويل متزايد لدول البلقان، قد يحد من حاجتها للاعتماد على الصين، وخاصة الجبل الأسود التي ستحتاج إلى دعم مالي كبير في حالة تخلفها عن سداد ديون الصين التي تمتلك 25 % من الدين العام للجبل الأسود.

خلاصة القول، من وجهة نظر بايدن، إذا كانت الولايات المتحدة تريد استعادة الثقة في قيادتها التي ساهمت سياسات ترامب في زعزعتها، لابد من إعادة التركيز على منطقة غرب البلقان مرة أخرى، والتي يشكل عدم الاستقرار السياسي المستمر فيها تهديدًا للمصالح الأمريكية، كما أن التخلي عن المنطقة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سيخلق ظروفًا مواتية للصين وروسيا لتوسيع مناطق نفوذهما، ولذلك يعتبر تأكيد إدارة بايدن على الالتزام بإعادة تنشيط سياسة التحالفات خاصة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي هي الخطوة الأولى نحو صياغة استراتيجية متكاملة إزاء دول غرب البلقان ، تتمثل في التركيز على تعزيز النمو الاقتصادي والتقدم الديمقراطي في المنطقة و التصدي للنفوذ الروسي و الصيني في المنطقة.

سلمى العليمي

باحثة متخصصة بالشؤون الأمريكية، الرئيس السابق لبرنامج الدراسات الأمريكية، باحث ماجستير في العلوم السياسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومة في الدراسات العربية، دبلومة من الجامعة الأمريكية في إدارة الموارد البشرية، نشرت العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة في الشأن الأمريكي والعلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى