جمود سياسي: ما المحتمل من قمة “بايدن”-“بوتين” المرتقبة؟

في منتصف يونيو الجاري في جنيف، سويسرا، يلتقي الرئيس الأمريكي جو بايدن بنظيره الروسي فلاديمير بوتين، ويعتبر هذا اللقاء بمثابة أول اجتماع مباشر بين الرئيسين منذ تولي بايدن منصبه. ومن المقرر أن المقرر أن يلتقى الطرفين في نهاية رحلة بايدن المحددة بالفعل إلى المملكة المتحدة لحضور قمة مجموعة السبع في الفترة من 11- 14 يونيو، وإلى بروكسل لحضور اجتماع قادة الناتو في 14 يونيو.

 طول مدة القمة قد يمنح الرئيس الأمريكي متسعًا من الوقت للاستماع إلى حلفاء الولايات المتحدة قبل الجلوس مع بوتين، وبالنسبة للجانب الأمريكي وبحسب بيان المتحدثة باسم البيت الأبيض جين بساكي تسعى الولايات المتحدة إلى استعادة القدرة على التنبؤ والاستقرار في العلاقات الثنائية المتوترة، أما بالنسبة للروس وفقًا للكرملين، ستكون هذه فرصة لمراجعة تحديات جائحة كورونا والصراعات الإقليمية المختلفة.

الجدير بالذكر، أن تلك القمة تعقد وسط توتر حاد بين واشنطن وموسكو على خلفية تبادل عقوبات واتهامات بالتدخل في الانتخابات وانتهاكات حقوق الإنسان وخلافات حول الشرق الأوسط والعديد من القضايا الأخرى، وفي سياق ذلك يحاول هذا التحليل تسليط الضوء على أبعاد اختيار مدينة جنيف مكاناً لانعقاد القمة، وما هي أبرز الملفات التي المتوقع تداولها وهل ستنجح القمة في تحقيق اختراق سياسي بين واشنطن و موسكو .

دلالات اختيار مدينة جنيف:

سكون قمة بايدن-بوتين أول اجتماع رفيع المستوى بين الولايات المتحدة وروسيا في جنيف منذ قمة ريغان – جورباتشوف في نوفمبر 1985، وتم الترحيب به باعتباره نجاحًا دبلوماسيًا لسويسرا، ويمكن تناول أبعاد اختيار جنيف من اجل استضافة مثل هذا الحدث الحساس، في النقاط التالية:

(*) اعتبارات أمنية: باعتبارها ثاني أهم مقر للأمم المتحدة بعد نيويورك، تمتلك جنيف البنية التحتية اللازمة لمثل هذه الاجتماعات، حيث تحتفظ روسيا والولايات المتحدة ببعثات دبلوماسية كبيرة في جنيف بالإضافة إلى فرق المخابرات السرية، وبالتالي يعرف الخبراء الأمنيون من موسكو وواشنطن الظروف المحلية وهي ميزة عندما يتعلق الأمر بحماية الزعيمين.

(*) دولة محايدة: كان اجتماع بايدن وبوتين في الولايات المتحدة أو روسيا غير وارد هذه المرة، لأن العلاقات سيئة للغاية بحيث لا يقبل أحدهما دعوة إلى “أرض العدو”، في المقابل تعتبر جنيف هي المكان المفضل للمؤتمرات الدولية ومؤتمرات القمة والتجمعات الرئيسية الأخرى، ويرجع ذلك جزئيًا إلى قرار سويسرا التاريخي بأن تكون محايدة في نزاعات مختلفة، إلى جانب ذلك الدولة ليست عضوًا في حلف الناتو، وهو التحالف العسكري الذي لطالما اعتبره بوتين تهديدًا محتملاً، مما يجعلها أكثر قبولًا لروسيا كمكان للاجتماع.

(*) تعزيز دور جنيف كمركز دبلوماسي: بالنسبة لسويسرا، يمثل لعب دور المضيف انقلابا دبلوماسيا، فهي تريد أن تكون صانع سلام ليس فقط من وراء الكواليس ولكن أيضًا أن تكون مرئية من وقت لآخر، على الرغم من أن العديد من المؤتمرات الهامة مازالت تعقد في جنيف، مثل محادثات حول سوريا واليمن وليبيا ومؤخرا قبرص، إلا أن تلك المحادثات حققت نجاحًا محدودًا ورؤية محدودة، وغالبًا ما عُقدت الاجتماعات الكبيرة في مكان آخر، في المقابل كانت جنيف تأمل منذ فترة طويلة في عقد اجتماع رفيع المستوى، وقد تحقق هذا الآن من خلال استضافة قمة بايدن-بوتين.

أجواء انعقاد القمة:

ستعقد القمة في جنيف بعد أن وصلت العلاقات بين واشنطن وموسكو مؤخرًا إلى طريق مسدود، حيث مرت بمحطات شد وجذب، يمكن إبرازها في النقاط التالية:

(&) انطباع فاتر: خلال اجتماع عام 2011 بين الزعيمين، وكلاهما كانا نائبي الرئيس في ذلك الوقت، نظر بايدن في عيني بوتين وقال: “لا أعتقد أن لديك روحًا”، وفقًا لحوار أجراه بايدن مع مجلة نيويوركر بتاريخ 20 يوليو 2014، كذلك في ظل إدارة أوباما لم يتمكن الزعيمين من إيجاد لغة مشتركة بينهما.

(&) علاقة متوترة منذ تولى بايدن منصبه: أصبحت العلاقات بين الزعيمين متوترة بشكل متزايد منذ أن تولى بايدن منصبه، على سبيل المثال في مقابلة في مارس وصف بايدن بوتين بأنه “قاتل” وقال إن الزعيم الروسي “سيدفع الثمن” لجهوده لتقويض الانتخابات الأمريكية لعام 2020، في المقابل استدعت روسيا مؤقتًا سفيرها لدى الولايات المتحدة لأول مرة منذ 20 عامًا.

(&) تصعيد أمريكي: رداً على تسميم نافالني وسجنه، أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في مارس سلسلة من العقوبات ضد العديد من المسئولين الروس وأكثر من اثني عشر شركة وكيانات أخرى، كذلك بعد حوالي شهر، أعلنت الولايات المتحدة أنها ستطرد عشرة دبلوماسيين روس وفرضت عقوبات على الشركات والأفراد ردًا على الهجوم الإلكتروني ضد شركة تكنولوجيا المعلومات الأمريكية سولار ويندز SolarWinds والتدخل في الانتخابات.

(&) إجراء روسي متبادل: في 16 إبريل رداً على العقوبات الأمريكية بسبب التدخل في الانتخابات واختراق سولارويندز الأخير، أشارت موسكو إنها ستطرد 10 دبلوماسيين أمريكيين من البلاد، كما منعت وزارة الخارجية الروسية دخول ثمانية مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، من بينهم المدعي العام الأمريكي، ورؤساء وكالة الأمن القومي، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ووزارة الأمن الداخلي، والمكتب الفيدرالي للسجون، ومديرة مجلس السياسة الداخلية، سوزان رايس، كذلك في أوائل يونيو الجاري اقترحت روسيا التخلي عن عقود النفط المقومة بالدولار إذا كانت الولايات المتحدة ستفرض عقوبات جديدة، حيث أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي، ألكسندر نوفاك، أن بلاده قد ترفض استخدام الدولار في عقود الطاقة في حال استمرت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن في فرض عقوبات اقتصادية عليها، فيما تتأهب لتعديل حيازاتها بالصندوق السيادي عبر التخلص من نحو 40 مليار دولار واستبدال أصول أخرى بها، كما أكد وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف أنه سيتم اقتطاع أصول الدولار الأمريكي من صندوق الثروة الوطني البالغ 186 مليار دولار، و أن بلاده ستغير هيكلة صندوق الثروة السيادي الروسي وستتخلى نهائياً عن الدولار خلال شهر، عبر خفض استثمارات صندوق الثروة السيادي في أصول الدولار واستبدالها باليورو والذهب واليوان الصيني.

ملفات محتملة:

خلال الاجتماع بين لافروف ووزير الخارجية أنطوني بلينكن، حدد الطرفان العديد من مجالات الخلاف بدءاً من الأمن السيبراني إلى حرب روسيا مع أوكرانيا، لكنهما اتفقا أيضًا على وجود موضوعات محتملة للتعاون، مثل كيفية وقف تغير المناخ، وفيما يلي يمكن تحديد قائمة القضايا التي من المرجح تداولها خلال القمة بين الزعيمين:

  • أوكرانيا: ستكون أوكرانيا بلا شك على جدول الأعمال، وفي سياق ذلك صرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين بساكي إن بايدن سيؤكد دعمه لسيادة البلاد وسلامة أراضيها، الجدير بالذكر أن روسيا تخضع لعقوبات أمريكية بسبب ضمها لشبه جزيرة القرم الأوكرانية في عام 2014، ومنذ ذلك الحين، حارب الانفصاليون المدعومون من روسيا في منطقة دونيتسك الشرقية بأوكرانيا قوات كييف ، لكن في أبريل ، دعا بايدن بوتين إلى “تهدئة التوترات” بعد أن أرسلت موسكو سفنا حربية لتهديد أوكرانيا من البحر وأرسلت عشرات الآلاف من القوات للتجمع على الحدود – في أكبر حشد عسكري منذ عام 2014.
  • أزمة طائرة “رايان إير”: من المتوقع أن تشمل أجندة بايدن التطرق لعملية الهبوط الاضطراري لطائرة ريان اير في بيلاروسيا لاعتقال المدون المعارض رومان بروتاسيفيتش في 23 مايو، حيث فرضت واشنطن عقوبات على بيلاروسيا واستهدفت العقوبات تسع شركات بيلاروسية مملوكة للدولة وأعضاء رئيسيين في نظام الرئيس ألكسندر لوكاشنكو، كما تم إدانة الحادث على نطاق واسع وقررت بعض الدول بما في ذلك المملكة المتحدة وليتوانيا، تجنب المجال الجوي البيلاروسي، بينما في المقابل في استعراض لدعم حليفه الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشنكو، وصف بوتين الرد الدولي بأنه “فورة عاطفية.
  • المعارض الروسي ألكسي نافالني: من المرجح أن يكرر بايدن دعواته للإفراج عن زعيم المعارضة الروسية نافالني، لاسيما بعد تحذيرات واشنطن في ابريل الماضي من أنه ستكون هناك عواقب وخيمة إذا مات المعارض الروسي المسجون أليكسي نافالني، بعدما زعم مقربون أن حالته الصحية ساءت بعد إضراب عن الطعام استمر قرابة ثلاثة أسابيع، و في فبراير الماضي، حُكم على نافالني رئيس مؤسسة مكافحة الفساد الروسية، بالسجن لمدة عامين وثمانية أشهر بتهمة انتهاك الإفراج المشروط في قضية اختلاس تعود إلى عام 2014 ذات دوافع سياسية، ومنذ ذلك الحين، تسارعت وتيرة حملة القمع الروسية على المعارضين، حيث أضاف الكرملين في 30 أبريل شبكة مكاتب نافالني الإقليمية مؤسسة مكافحة الفساد التابعة له أف بي كيه إلى قائمة المنظمات المتطرفة.
  • الأمن السيبراني: من المتوقع أن يثير الرئيس الأمريكي جو بايدن قضية الهجمات الإلكترونية، حيث أشار بايدن بأصابع الاتهام إلى روسيا بسبب الهجوم الإلكتروني العام الماضي ضد شركة تكنولوجيا المعلومات الأمريكية سولار ويندز ، والذي أضر بما لا يقل عن تسع وكالات فيدرالية و 100 شركة غربية، كذلك وقعت عدة هجمات بارزة في الآونة الأخيرة، ففي مطلع مايو استهدف هجوم سيبراني شركة Colonial Pipeline التي تملك أكبر شبكة لأنابيب الوقود في الولايات المتحدة لنقل البنزين ووقود الطائرات من ساحل خليج تكساس إلى الساحل الشرقي مما أدى إلى توقف جميع عملياتها بشكل مؤقت، وفي 30 مايو أسفر هجوم سيبراني عن اضطرابات في عمل الفرع الأمريكي لشركة JBS الدولية لإنتاج اللحوم التي توفر الكثير من اللحوم لأمريكا الشمالية.
  • سوريا والممرات الإنسانية: من المرجح أن تكون سوريا مرة أخرى على جدول الأعمال، وإذا أثار بايدن مسألة سوريا مع بوتين، فمن المرجح أن يبدأ بالسعي لإعادة استخدام معبر باب الهوى الحدودي على الحدود التركية السورية، والذي يعد حاليًا نقطة الوصول الوحيدة للمساعدات الدولية التي تشرف عليها الأمم المتحدة، وذلك في ظل الاستخدام المحتمل لروسيا لحق النقض مع انتهاء تفويض مجلس الأمن الدولي بشأن المعبر في 10 يوليو المقبل، في المقابل تكثف الولايات المتحدة تحركاتها لمواجهة موسكو حيث أكد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن في 19 مايو لوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف على ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية للشعب السوري، و في 3 يونيو أعلنت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة ، ليندا توماس جرينفيلد، عن 240 مليون دولار كمساعدات إنسانية إضافية لسوريا، خلال زيارة للمعبر.
  • قضية تغير المناخ: تعتبر الحاجة إلى معالجة تغير المناخ مجال يمكن التعاون فيه، حيث تعهد بايدن بالعمل مع روسيا، رابع أكبر مصدر للغازات المسببة للاحتباس الحراري في العالم وأكبر مصدر للوقود الأحفوري، بشأن سياسة المناخ، وفي قمة المناخ الافتراضية بقيادة الولايات المتحدة في أبريل، قال بوتين إنه “مهتم حقًا بحشد التعاون الدولي لإيجاد حلول فعالة لتغير المناخ”.

وتأسيساً على ما سبق، على الرغم من أنه من غير المرجح أن تحدث القمة اختراقاً سياسياً نحو تحسين العلاقات الأمريكية الروسية وذلك بالنظر إلى تاريخ بوتين فمنذ وصوله إلى السلطة لأول مرة، لم يُظهر أي نية حول إمكانية أن يكون شريكًا موثوقًا به للولايات المتحدة، ففي كل منعطف تقريباً حاول تقويض مكانة أمريكا في العالم أو مواجهة حلفائها وشركائها- إلا أنها قد تؤدي إلى تغير ملحوظ في المشهد الداخلي لكلا الزعيمين، بالنسبة لبايدن، يمنحه الاجتماع مع نظيره الروسي فرصة ليبدو قاسياً، إذا لعب أوراقه بشكل صحيح، لان بالنسبة لوسائل الإعلام الأمريكية، نقطة المقارنة الواضحة للاجتماع المقبل في جنيف ستكون قمة ترامب في هلسنكي، وبالتالي إذا تمكن بايدن من اجتياز الاجتماع في جنيف في مواجهة بوتين، فسيبدو مثل رجل الدولة الذي فشل ترامب في أن يكون في هلسنكي، لكن للقيام بذلك، يجب على بايدن أن يفعل ما فشل ترامب في فعله وأن يتحدى بوتين علنًا بشأن قضايا محددة مثل الهجمات الإلكترونية ضد الولايات المتحدة، والاحتلال المستمر في جورجيا وأوكرانيا، ودعم موسكو المستمر للأسد في سوريا، كذلك يجب على بايدن وفريقه خلال الفترة المقبلة تطوير استراتيجية شاملة لاحتواء روسيا -بوتين، تتضمن تعزيز قدرة الناتو الرادعة، وتقوية المرونة الإلكترونية للولايات المتحدة، ومنع القمع الروسي العابر للحدود من خلال منظمات مثل الإنتربول، وفضح الفساد الروسي في الغرب، ومعاقبة الأفراد والشركات الروسية ردًا على العدوان الروسي في الخارج ، وبدء برامج جديدة لدعم القيم الديمقراطية في روسيا والمنطقة، بينما على الجانب الاخر ، بالنسبة لبوتين، تعتبر دعوة بايدن للقاء في المقام الأول هي انتصار، حيث يرغب بوتين أن يُنظر إليه على أنه مساو لرئيس الولايات المتحدة، خاصة في عيون شعبه، من خلال وضع روسيا والولايات المتحدة في ساحة لعب متكافئة عن طريق لقاء الزعيمين وجها لوجه.

 

سلمى العليمي

باحثة متخصصة بالشؤون الأمريكية، الرئيس السابق لبرنامج الدراسات الأمريكية، باحث ماجستير في العلوم السياسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومة في الدراسات العربية، دبلومة من الجامعة الأمريكية في إدارة الموارد البشرية، نشرت العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة في الشأن الأمريكي والعلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى