انسحاب غير مشروط: ماذا يعني قرار “بايدن” بخروج القوات الأمريكية من أفغانستان؟

لقد حان “الوقت” لإنهاء أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة”، هكذا أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن سحب جميع قوات بلاده من أفغانستان بعد عقدين من الزمان بحلول 11 سبتمبر 2021، وذلك بالتزامن مع الذكرى العشرين لهجمات 11 سبتمبر 2001، بعد أن تكبدت الولايات المتحدة تريليونات الدولارات وفقدت أكثر من 2300 قتيل كما أصيب نحو 20660 جنديا أثناء القتال، بالإضافة إلى الخسائر في الأرواح بين قوات الأمن الأفغانية والمدنيين التي تجاوزت 100 ألف أفغاني، ويسلط قرار الانسحاب الضوء على تغير أولويات واشنطن والمفاضلات التي ترغب إدارة بايدن في إجراءها فيما يتعلق بمصدر التهديد لأمنها القومي من خلال تخفيف أعباء واشنطن العسكرية في الشرق الأوسط.

توضيحاً لما سبق، يمكن القول إن الولايات المتحدة ستركز طاقتها خلال الفترة المقبلة على تحديات أخرى، من بينها تعزيز القدرة التنافسية الأمريكية لمواجهة المنافسة الشرسة من الصين، والتغيير البيئي، وجائحة كورونا، والتهديدات السيبرانية التي تعرضت لها المؤسسات الحكومية الأميركية مؤخراً، وبالتالي لم تعد أفغانستان ترقى إلى مستوى تلك التهديدات خلال هذه المرحلة. وفيما يلي نسلط الضوء على حجم ومهمات القوات الأمريكية في أفغانستان منذ بدء إعلان الحرب في 2001 وكيف تقلصت في الوقت الراهن، وما هي خطة الانسحاب التي أعلنها بايدن، وكيف تباينت ردود الفعل إزاء قرار الانسحاب؟، وما هي الطريقة الأمثل للتعامل مع حركة طالبان من أجل ضمان أن عقودًا من التضحيات الأمريكية لم تذهب سدى، لاسيما وان من المتوقع أن توسع طالبان سيطرتها على أفغانستان، مما ينذر بانهيار  عملية السلام مع الحكومة الأفغانية؟.

حجم ومهام القوات الأمريكية في أفغانستان:

قامت الولايات المتحدة بغزو أفغانستان في أكتوبر عام 2001 للإطاحة بحركة طالبان، وزاد عدد ومهام القوات الأمريكية في أفغانستان مع ضخ واشنطن لمليارات الدولارات لمحاربة تمرد طالبان، على النحو التالي:

(*) تقليص عدد القوات: بلغ إجمالي الإنفاق العسكري في أفغانستان في الفترة من أكتوبر2001 – سبتمبر 2019، حوالي 778 مليار دولار وفقاً لوزارة الدفاع الأمريكية، بينما في الفترة بين عامي 2010 و2012 بلغت مستويات القوات الأمريكية ذروتها إلى أكثر من 100 ألف جندي في البلاد، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة الحرب إلى ما يقرب من 100 مليار دولار سنويا، وفقا لأرقام الحكومة الأمريكية، لكن حالياً يوجد 2500 جندي أمريكي في أفغانستان، إلى جانب 6346 متعاقد أمني أمريكي.

(*) تقديم الدعم الاستخباراتي والمشورة العسكرية: تتولى بعض القوات الأمريكية المتبقية، القيام بمهام العمليات الخاصة مع القوات الأفغانية ضد المنظمات الإرهابية الدولية بما في ذلك تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، بينما يقوم الجزء الأخر من القوات بتدريب وإسداء المشورة والمساعدة لقوات الأمن الأفغانية كجزء من عملية الدعم لحلف شمال الأطلسي (الناتو). وعلى الرغم من تقلص عدد القوات الأمريكية، إلا أنه لا يزال الأفراد الأمريكيون يقدمون مهام الاستخبارات والدعم الجوي للقوات الأفغانية، كما تزود الولايات المتحدة أفغانستان بحزمة مساعدات حرجة تبلغ 4.8 مليار دولار سنويًا، والتي تمول 80 % من النفقات الأمنية للحكومة الأفغانية.

خطة إدارة بايدن للانسحاب:

أكد بايدن في خطاب رسمي ألقاه يوم 14 إبريل، من غرفة المعاهدات في البيت الأبيض، المكان الذي أعلن منه جورج بوش الحرب على أفغانستان عام 2001، على أن الوقت قد حان لوضع حد لهذه الحرب التي لا تنتهي، حيث تتضمن استراتيجية الانسحاب النقاط التالية: –

(&) انسحاب كامل غير مشروط: حدد بايدن موعدًا نهائيًا لسحب جميع القوات الأمريكية البالغ عددها 2500 جندي والقوات التي نشرها حلفاء واشنطن في حلف الناتو، بدءاً من الأول من مايو، على أن تكون خارج أفغانستان قبل الاحتفال بالذكرى العشرين لهجوم 11 سبتمبر بدون شروط، لأنه يرى أن اعتماد مقاربة مشروطة كما كان الحال عليه في العقدين الماضيين، ستكون السبب الرئيسي للبقاء في أفغانستان إلى الأبد، بالتزامن مع إعادة تنظيم قدرات الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب لمنع عودة ظهور الإرهابيين، والمخاطر التي تهدد الولايات المتحدة.

(&) استمرار تقديم الدعم الدبلوماسي والإنساني: مواصلة دعم حكومة أفغانستان، إلى جانب تقديم المساعدة لقوات الدفاع والأمن الوطنية الأفغانية. وفي سياق، ذلك قامت واشنطن بتدريب وتجهيز قوة دائمة قوامها أكثر من 300 ألف فرد أفغاني لمواصلة القتال، بالإضافة إلى ذلك ستدعم واشنطن محادثات السلام بين حكومة أفغانستان وطالبان، كما ستواصل دعم حقوق النساء والفتيات الأفغانيات من خلال الحفاظ على تمويل مساعدات إنسانية وتنموية كبيرة.

(&) إشراك الدول المعنية بالنزاع في أفغانستان: مثل باكستان والهند والصين وروسيا وتركيا في جهودها السلمية الراهنة من أجل دعم أفغانستان، خاصة وأن جميعهم لديهم مصلحة كبيرة في ضمان مستقبل مستقر لأفغانستان.

ردود الأفعال على قرار الانسحاب:

أثار قرار الانسحاب من أفغانستان ردود فعل قوية داخل واشنطن وأفغانستان، وذلك على النحو التالي:

(*) انقسام داخل الكونجرس: أحدث قرار الانسحاب خلاف حاد داخل الجناح الجمهوري، فقد وصف زعيم الأقلية الجمهوري “ميتش ماكونيل” الانسحاب السريع للقوات الأمريكية من أفغانستان بالخطأ الفادح، لأنه يترك المنطقة عرضة للخطر في مواجهة معركة ضد الإرهابيين لم يتم الانتصار فيها بعد. كما أكد “ميتش ماكونيل” على أن القرار سيتخلى تحديدًا عن نساء أفغانستان التي ستتعرض حرياتهن الفردية وحقوقهن الإنسانية للخطر، وبينما شاركه السناتور “ليندسي جراهام” والنائبة “ليز تشيني” نفس الرأي المعارض. في الوقت ذاته، فقد أشاد بعض الجمهوريين بقرار الانسحاب مثل السناتور “سينثيا لوميس”، التي أعربت عن سعادتها لعودة القوات الأمريكية إلى الوطن، في المقابل كان الجناح الديمقراطي بعيداً كل البعد عن التوافق حول قرار الانسحاب، بينما أشاد زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ “تشاك شومر” بأن الخطة جيدة للغاية ومدروسة. وقد حذر بعض كبار الديمقراطيين في مجلس الشيوخ من أن الانسحاب المتسرع للولايات المتحدة سيكون خطأ، مثل السناتور “جاك ريد”، رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، الذي أكد على أهمية التأكد من أن أفغانستان لن تكون مصدرًا للتخطيط لشن هجمات إرهابية في جميع أنحاء العالم، والسناتور “بوب مينينديز”، رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ، الذي حذر في وقت سابق من الجدول الزمني السابق للانسحاب في الأول من مايو.

(*) ردود فعل متباينة داخل أفغانستان: أكد الرئيس الأفغاني “أشرف غني” على احترامه القرار الأمريكي، وتعهد خلال اتصال مع جو بايدن، بالتعاون من أجل ضمان انسحاب سلس، مشيراً إلى أن أفغانستان ستواصل العمل مع الولايات المتحدة وشركائها في الناتو في جهود السلام الجارية، مؤكداً ثقته بقدرة القوات الأفغانية على حفظ الأمن. أما “عبد الله عبد الله” رئيس لجنة المصالحة الأفغانية، فقد أشار إلى أن على طالبان عدم ارتكاب “خطأ فادحًا” في السعي للاستيلاء على السلطة بالقوة بعد انسحاب القوات الأجنبية، كما اختلف الرأي العام الأفغاني حول قرار الانسحاب، حيث رحب البعض به كوسيلة للمضي قدمًا نحو تسوية سلمية، بينما خشي البعض الآخر حربًا فوضوية وفتاكة بين الأفغان المدعومين من قوى إقليمية معادية.

في المقابل اعترضت حركة طالبان على الموعد النهائي للانسحاب، فقد دعا “ذبيح الله مجاهد” المتحدث باسم طالبان يوم الأربعاء 14 أبريل 2021 الولايات المتحدة إلى الالتزام بالاتفاق الذي توصلت له الحركة مع إدارة ترامب، حيث تحث حركة طالبان أمريكا وجميع الدول على التوقف عن تقديم الأعذار لإطالة أمد الحرب وسحب جميع قواتها من أفغانستان فوراً، وبالتزامن مع ذلك سبق أن رفضت طالبان حضور مؤتمر إسطنبول المقبل للسلام في أفغانستان المقرر عقده في يوم السبت 24 أبريل إلى أن تخرج جميع القوات الأجنبية من البلاد.

خلاصة القول، يعكس قرار الانسحاب من أفغانستان توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة فيما يتعلق بمصادر تهديد مصالح الولايات المتحدة في سياق رغبة بايدن بالانسحاب التدريجي من الشرق الأوسط وتفادي التورط في نزاعات المنطقة من أجل التركيز على سياسة إنشاء التحالفات في مناطق أخرى تشمل أفريقيا والمحيط الهادئ والهندي. لكن، يلاحظ أنه بالتزامن مع ما سبق ذكره يجب على إدارة بايدن أن تسعى خلال الفترة المقبلة إلى كسب دعم حركة طالبان للموافقة على تمديد الموعد النهائي للانسحاب حتى سبتمبر، ومحاولة إحياء محادثات السلام التي تجمدت بين الأفغان من خلال الاستعانة بعدة دول، بما في ذلك الصين وإيران وباكستان وقطر وروسيا والمملكة العربية السعودية، لممارسة الضغط على طالبان لتعديل الاتفاقية، لأن إنهاء الدور العسكري الأمريكي في أفغانستان دون التوصل إلى تسوية مع حركة طالبان، ينذر بانهيار الحكومة الأفغانية وتجدد الحرب الأهلية لاسيما في ظل حدود قدرات وموارد قوات الأمن الأفغانية، حيث سيصبح تأمين المدن الأفغانية مستحيلاً في ظل غياب الدعم الجوي الأمريكي، و قد تكون قندهار أول مدينة تسقط في أيدي طالبان والتي يحاصرها المتمردون بالفعل، وفي النهاية قد تنجح طالبان في الزحف والسيطرة على العاصمة كابول، كما قد يعنى ذلك عودة أفغانستان أن تصبح مرة أخرى أرضاً خصبة للتطرف كما كانت في التسعينيات من القرن الماضي، وتوفير ملاذاً آمناً لعودة نشاط القاعدة والجماعات المسلحة الأخرى مستغلة رحيل القوات الأجنبية.

سلمى العليمي

باحثة متخصصة بالشؤون الأمريكية، الرئيس السابق لبرنامج الدراسات الأمريكية، باحث ماجستير في العلوم السياسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومة في الدراسات العربية، دبلومة من الجامعة الأمريكية في إدارة الموارد البشرية، نشرت العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة في الشأن الأمريكي والعلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى