مباحثات شائكة: هل تنجح جولة فيينا في تحقيق اختراق بين واشنطن وطهران؟

انطلقت في العاصمة النمساوية فيينا مباحثات مطلع إبريل الجاري، أملاً في التوصل إلى تسوية من أجل عودة إيران والولايات المتحدة للالتزام بالاتفاق النووي، حيث التقى دبلوماسيون من الولايات المتحدة وإيران والاتحاد الأوروبي والدول الخمس الأخرى التي وقعت على الاتفاق النووي لعام 2015، بما في ذلك الصين وروسيا، في فيينا يوم 6 إبريل في محاولة لإحياء الاتفاقية النووية لعام 2015 وذلك عقب المباحثات الافتراضية للجنة المشتركة للاتفاق النووي (1+4) التي اختتمت يوم 2 إبريل، والذي يمكن اعتباره أول تحسن محتمل في العلاقات الدبلوماسية بين طهران وواشنطن منذ انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق في 2018.

ورغم التحركات السابقة، فإن الولايات المتحدة وإيران لن تكونا على الطاولة نفسها، وسيقوم الأوروبيون بدور الوسيط بين الطرفين، ورأي العديد أن الاجتماع في فيينا كان بمثابة اختراق دبلوماسي وهو خطوة أولى ضرورية نحو إنقاذ اتفاق يضع قيودًا على النشاط النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات.

وفيما يلي، نسلط الضوء على كيفية سير المحادثات وفرص نجاحها، وما هي النقاط الخلافية العالقة التي تحاول مجموعة 4+1 تقريب وجهات نظر الطرفين، وما هي العراقيل التي تقف أمام إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن من أجل إحياء العودة إلى الاتفاق؟.

مسار عمل اجتماعات فيينا:

لم يكن مقرراً عقد أي مباحثات مباشرة بين الجانبين الأميركي والإيراني، حيث أكدت طهران على أنها لن تخوض أي حوار مع واشنطن قبل أن ترفع العقوبات عنها كلياً، وذلك على النحو التالي: –

(*) انفصال تام: تم عقد النقاشات المغلقة بين مجموعة “4+1” وإيران في فندق بالعاصمة النمساوية، أما وفد الولايات المتحدة الذي يرأسه المبعوث الخاص، روب مالي، كان متواجداً في فندق قريب يقع على بعد حوالي 100 متر (330 قدمًا)، بينما يقوم “إنريكي مورا” نائب المفوض السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية “جوزيب بوريل”، بمهمة الدبلوماسية المكوكية بين الجانبين.

(*) آلية عقد الاجتماعات بين الوفدين: تولى مسؤولون من بريطانيا وفرنسا وألمانيا دور الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران، من خلال التنقل في مباحثاتهم بين الوفدين، فقد انعقد الاجتماع الأول للجنة المشتركة لخطة العمل الشاملة المشتركة بحضور الأطراف الحاليين، وهم إيران وألمانيا وفرنسا وبريطانيا والصين وروسيا برعاية الاتحاد الأوروبي يوم الثلاثاء 6 إبريل، ثم انعقدت اللجنة المشتركة يوم الجمعة مرة أخرى لمراجعة وتقييم ما إذا كان قد تم إحراز تقدم كاف لمواصلة المحادثات بشأن إحياء الصفقة، وبالتزامن مع ذلك عُقدت اجتماعات بين خبراء على مدار 15 يوماً، بينما من ناحية أخرى كان هناك محادثات في مكان آخر بين الوفد الأميركي مع ممثلين للاتحاد الأوروبي من دون أي اتصال أميركي مباشر مع إيران.

(*) ما تم إنجازه: تم تشكيل مجموعتي عمل لتحديد إطار عمل المفاوضات، حيث تركز المجموعة الأولى على قضية العقوبات الأمريكية التي فرضتها إدارة ترامب بعد انسحابها من الصفقة الأصلية عام 2018، بينما تستكشف المجموعة الثانية كيفية إعادة إيران إلى الامتثال للشروط بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة الأصلية بشأن تخصيب مخزونات اليورانيوم وتخزينها.

(*) استئناف الجولة الثانية: تم تأجيل اجتماع فيينا حول الاتفاق النووي الإيراني إلى الخميس 15 إبريل، بدلا من الأربعاء، وقد انتهت الجلسة الرسمية لكبار الدبلوماسيين، بعد قرابة ساعتين من انعقادها، على اتفاق بإكمال المباحثات والاجتماعات، كما أن اللجنة المشتركة للاتفاق النووي قد تجتمع مجدداً، في حال دعت الحاجة من أجل تحديد مسار ما يتوقع دبلوماسيون أن تكون جولة صعبة من محادثات إنقاذ الاتفاق. وبالتزامن مع ذلك سوف تستأنف مجموعتان العمل على مستوى الخبراء مناقشاتهما من أجل التوصل إلى آلية حول كيفية رفع العقوبات الأمريكية وإعادة إيران إلى الامتثال للقيود المفروضة على برنامجها النووي.

أبرز النقاط الخلافية العالقة:

لا تزال الخلافات قائمة وعميقة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة من جهة ثانية، باعتبارهما الطرفين الرئيسيين للأزمة الراهنة، والتي يمكن إبرازها في النقاط التالية: –

(&) رفض واشنطن إزالة العقوبات: أعلنت إدارة الرئيس جو بايدن، إنها مستعدة للعودة إلى الاتفاق ورفع العقوبات المتعلقة بالبرنامج النووي فقط عندما تعود إيران إلى القيود الصارمة المنصوص عليها لأنشطتها النووية. وأنه بموجب الاتفاق الذي وقعت الولايات المتحدة على الصفقة الأصلية عام 2015، يلاحظ أن واشنطن ميزت  بين فئتين من العقوبات، الأولى: تتعلق بالبرنامج النووي وتعرض الولايات المتحدة رفعها، بينما الأخرى: تتعلق بأعمال الإرهاب الإيرانية أو برنامج الصواريخ الباليستية أو انتهاكات حقوق الإنسان أو الجرائم الإلكترونية، وتصر على بقائها، في المقابل يصر مساعد وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي” على رفع جميع العقوبات المفروضة وإلغاء الفصل بين العقوبات النووية وغير النووية حيث تم فرض أكثر من 1500 عقوبة على إيران بعد انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق ، بينما تشير الولايات المتحدة إلى أن بعض العقوبات التي فرضها ترامب بعد ذلك التاريخ يمكن أن يقال إنها لا علاقة لها بالأسلحة النووية، وبالتالي لا يلزم رفعها.

(&) تخلي طهران عن التزاماتها النووية: منذ منتصف 2019، انتهكت طهران القيود الواردة في الاتفاق، الأمر الذي جعلها تقترب بشكل متزايد من القدرة على صنع سلاح نووي، على سبيل المثال في نوفمبر 2019، وجدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران كانت تخصب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 4.5٪، فوق الحد المسموح به، وهو الـ 3.67٪، و منذ ذلك الحين، تضاعف مخزون إيران من اليورانيوم المخصب ثلاث مرات تقريباً. وفي بداية يناير2021، أطلقت إنتاج اليورانيوم المخصب بنسبة 20%، وهي نسبة أعلى بكثير من الحد الذي حدده الاتفاق، حيث يبلغ مخزون إيران حتى هذا كتابة تلك السطور 55 كيلوغراماً، ولذلك أشار عدد من الخبراء إلى أن مقدار الوقت الذي تحتاجه إيران لبناء قنبلة قد انخفض الآن من عام إلى ثلاثة أشهر.

عقبات أمام بايدن لإحياء الاتفاق النووي الايراني:

تواجه جهود إدارة بايدن من أجل العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني عدد من العراقيل، يمكن تناولها على النحو التالي:

(*) الكونجرس وقانون (INARA): تواجه التداعيات القانونية لعودة الولايات المتحدة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة قانون مراجعة الاتفاقية النووية الإيرانية (INARA)، بناءً على خطة العمل الشاملة المشتركة يتعين على الرئيس الأمريكي أن يقدم للكونجرس شرحًا دوريًا كل 90 يوماً عن سبب خدمة مثل هذه الصفقة لمصالح الأمن القومي، وإذا فشل الرئيس في القيام بذلك، فإن الكونجرس لديه السلطة لتسريع التشريعات التي يمكن أن تعيد فرض العقوبات الأمريكية التي تم رفعها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة. كما أن القانون ينص أيضاً على أن الرئيس يجب أن يُطلع الكونجرس بشكل كامل على أي مبادرة أو مفاوضات مع إيران فيما يتعلق ببرنامجها النووي، بما في ذلك أي اتفاقية جديدة أو معدلة.

(*) الطبيعة المعقدة للعقوبات التي فرضتها إدارة ترامب: حيث تستهدف البعض أنشطة إيران النووية، التي يمكن للرئيس بايدن رفعها، بينما العقوبات النووية المقترنة بعقوبات الإرهاب وعقوبات انتهاك حقوق الإنسان ستكون بمثابة تحدي لن يمر دون معركة قانونية إذا وافق بايدن على رفعها.

(*) صعوبة بناء دعم محلي: تزيد الهجمات الأخيرة التي شنها وكلاء إيران على القوات الأمريكية في العراق من صعوبة قيام إدارة بايدن ببناء الدعم المحلي لهذه المبادرات الدبلوماسية الجديدة، بينما يعتقد بعض المسؤولين والمحللين الأمريكيين أن على بايدن تأجيل التعامل مع إيران، والتركيز على أجندته المحلية بدلاً من ذلك، يعتقد البعض الاخر أن التوترات شديدة لدرجة أنه قد لا يكون من الممكن المزيد من التأخير، لان بدون اتفاق يقيد البرنامج النووي الإيراني، يصبح الخيار هو مشاهدة إيران وهي تقترب من القدرة على صنع قنبلة نووية.

(*) ضغوط من قبل حلفاء واشنطن التقليديون في الشرق الأوسط والخليج: تواصل القوى الإقليمية النظر بعين الشك حول عدم التنسيق لصفقة ثانية، كما كان الحال في عام 2015، على سبيل المثال أعرب كتاب الأعمدة السعوديون هذا الأسبوع عن قلقهم من عدم اتخاذ الدول الغربية موقفا صارما بما يكفي في المحادثات غير المباشرة الهادفة إلى استعادة الاتفاق النووي المبرم عام 2015 مع إيران. فقد كتب طارق الحميد في صحيفة “الشرق الأوسط” قائلاً إن “هناك تخوف خليجي من محادثات فيينا”، بينما على الجانب الأخر كشف الهجوم الأخير على منشأة نطنز النووية الإيرانية عن دور إسرائيل ورغبتها في تعطيل المحادثات الأميركية الإيرانية غير المباشرة للعودة إلى الاتفاق النووي لعام 2015 والذي أثار رد فعل غاضب من إيران حيث أعلنت زيادة مستويات تخصيب اليورانيوم لديها إلى 60٪.

خلاصة القول، على الرغم من وصف القوى العالمية المحادثات في فيينا بالبناءة وانتهاء الجلسة الثانية وسط انطباع عام إيجابي، إلا أنه حتى الآن لم تنجح في احداث اختراق حقيقي في موقف واشنطن أو طهران من أجل عودة الجانبين إلى التزاماتهما بالاتفاق النووي لعام2015. ومن المرجح أن يزيد تصعيد إيران الأخير  بشأن خططها للبدء بتخصيب اليورانيوم بنسبة60% من صعوبة سير المحادثات وعرقلة طموحات إدارة بايدن في الوصول إلى اتفاق أكثر شمولية فيما يتعلق بأنشطة إيران النووية ودعمها لوكلائها في المنطقة مما يعني إعطاء دول منطقة الشرق الأوسط المبرر من أجل امتلاك سلاح نووي.

لكن في السياق ذاته يدرك المسؤولون في كلا البلدين أهمية التوصل إلى اتفاق خلال الأسابيع المقبلة، وذلك بالنظر إلى اقتراب موعد إجراء الانتخابات الإيرانية الرئاسية في 18 يونيو، حيث سيسلم روحاني السلطة إلى الحكومة الجديدة في 5 أغسطس وتشير الدلائل إلى أن الانتخابات ستعيد رئيسًا متشددًا على الأرجح عضو سابق في الحرس الثوري الإيراني، وبالتالي في ظل وجود حكومة جديدة متشددة في طهران سيكون حل القضية النووية أكثر صعوبة.

 

سلمى العليمي

باحثة متخصصة بالشؤون الأمريكية، الرئيس السابق لبرنامج الدراسات الأمريكية، باحث ماجستير في العلوم السياسية، حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، ودبلومة في الدراسات العربية، دبلومة من الجامعة الأمريكية في إدارة الموارد البشرية، نشرت العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة في الشأن الأمريكي والعلاقات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى