ماذا ينتظر إفريقيا في 2023؟

تحظى القارة الإفريقية بصفة عامة بأهمية متزايدة لدى مختلف القوى الإقليمية والدولية المتصارعة على النفوذ والموارد، والتي تسعى إلى السيطرة على مسار العلاقات السياسية والتفاعلات الاقتصادية والعسكرية في القارة السمراء، حيث تُشير المؤتمرات والمنتديات التي تحرص القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين واليابان، والقوى الإقليمية مثل تركيا وإسرائيل على عقدها؛ لتعزيز التعاون مع مختلف الدول الإفريقية إلى الأولوية التي تحتلها القارة على جدول أعمال السياسة الخارجية لتلك الدول.

وتواجه القارة الإفريقية بأقاليمها الخمسة العديد من التحديات التي تُلقي بظلالها على التفاعلات التي يُتوقع أن تشهدها إفريقيا خلال العام الجديد 2023، خاصة في ظل تدهور الأوضاع السياسية وصراع النفوذ في مختلف تلك الأقاليم بصفة عامة، وفي منطقة الساحل والصحراء بصفة خاصة، الأمر الذي يستدعي بحث أبرز التحديات والملفات التي يجب أن تتم مراقبتها في إفريقيا خلال عام 2023.

إفريقيا
إفريقيا

الصراع النفوذ:

بحلول عام 2025، سيمثل عدد سكان إفريقيا ربع عدد سكان العالم، كما أن الدول الإفريقية تمتلك مخزونًا كبيرًا من المعادن والعناصر التي تُستخدم في الإنتاج التكنولوجي، بالإضافة إلى توفير العمالة الإفريقية اللازمة للعمل في مثل تلك الصناعات، وبالتالي تزايد التنافس الدولي على التعاون مع الدول الإفريقية مما يدعو للتساؤل حول قدرة تلك الدول على الاستفادة من ذلك التنافس، وما إذا كانت ستختار إطار التعاون الصيني عبر مبادرة الحزام والطريق، مقابل التعاون مع الولايات المتحدة، أو الالتزام بأجندة الاتحاد الإفريقي 2063، أم ستؤدي التهديدات والتحديات الأمنية إلى زيادة وتعزيز التعاون مع الجانب الروسي بعيدًا عن الفلك الأوروأمريكي للحصول على مزيد من منظومات التسليح الحديثة.

تقرير جديد يكشف عن تزايد مخاطر تغير المناخ في جميع أنحاء أفريقيا | أخبار الأمم المتحدة

تحديات المناخ:

على الرغم من أن التقارير الدولية تؤكد أن إفريقيا ساهمت بحوالي 2 – 3 % فقط من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري وتغير المناخ، إلا أن دول القارة تُعاني بشدة من الأثار المترتبة على تلك الظاهرة؛ حيث زادت درجات الحرارة في دول القارة بنسبة أكبر من المعدلات العالمية، بالإضافة إلى ارتفاع مستويات سطح البحر بنسب أكبر من المتوسط العالمي، وعدم انتظام هطول الأمطار، وجفاف أهم البحيرات، وبالتالي فإن تهديد الأمن المائي يعني تزايد الصراعات للحصول على الغذاء والماء.

في المقابل، طورت حوالي 40 دولة إفريقية خططها الوطنية لمواجهة الأثار المترتبة على ظاهرة تغير المناخ مع زيادة الالتزامات المفروضة على تلك الدول لتعزيز أساليب الإنذار المبكر، والتعاون مع الدول المحيطة، وتبادل المعلومات والبيانات، وبالتالي فإن القيادة الإفريقية لمواجهة تغير المناخ، والدعم المالي الدولي لمساعدة الدول الإفريقية على تحقيق التنمية الاقتصادية ومواجهة تغير المناخ ستحدد المسار الذي ستتخذه دول القارة خلال عام 2023.

الصراع في إثيوبيا قد يتحول إلى حرب عصابات

اتفاق ناجح:

تمكن الاتحاد الإفريقي في نوفمبر 2022 من النجاح في التوسط بين طرفي الصراع في إثيوبيا والتوصل إلى اتفاق يأمل الجميع في أن يُنهي الصراع الذي استمر نحو عامين، وأودى بحياة الآلاف، إلى جانب تشريد حوالي مليوني شخص، ودفع بحوالي 9 ملايين إلى مشارف المجاعة.

يعتبر ذلك الاتفاق الخطوة الأولى على مسار التسوية السلمية الذي يعتمد على الحوار الوطني بين أطراف الصراع بشأن تقاسم السلطة بين الحكومة الفيدرالية والمناطق ذات الانتماءات الإثنية المختلفة، تمهيدًا لبدء عملية شاملة لبناء السلام وإعادة الإعمار والتنمية بعد الصراع، وتحديد مصير من يتم نزع سلاحهم وكيفية التعامل مع من ارتكبوا جرائم حرب، مع الوضع في الاعتبار احتمالية نشوب الصراع مرة أخرى مما يُهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية الحالية، ويؤثر سلبًا على علاقات إثيوبيا الإقليمية والدولية[i].

أداء الاقتصاد الأفريقي .. تطور مؤشراته وتوقعات النمو (دراسة) - مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية

التهديدات التنمية:

تأثر التعافي الاقتصادي الإفريقي سلبًا خلال عام 2022 بسبب مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية: مثل تداعيات ظاهرة تغير المناخ، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع الطلب من قِبَل الأسواق المستوردة، وارتفاع تكلفة خدمة الدين، ويُتوقع أن يستمر تأثير تلك العوامل خلال عام 2023، إلا أنه لن يؤدى إلى مزيد من التراجع؛ حيث يُتوقع أن تتجه الاقتصادات الإفريقية نحو الاستقرار من خلال تحقيق كل من شمال إفريقيا، وإفريقيا جنوب الصحراء، معدل نمو حوالي 3.2% خلال العام الجديد.

تتمثل أهم العوامل التي قد تؤثر سلبًا على معدلات النمو الاقتصادي في القارة الإفريقية خلال عام 2023، فيما يلي[ii]:

  • تزايد الأثار المترتبة على تغير المناخ من حيث تزايد حالات الجفاف، وتراجع معدلات سقوط الأمطار، والفيضانات غير المتوقعة، مما يزيد من تهديد الأمن الغذائي، وحالات النزوح، وزيادة الاضطرابات والصراعات خاصة في منطقتي الساحل والقرن الإفريقي.
  • تفاقم الصراعات الإقليمية في كل من مالي، وبوركينا فاسو، وإثيوبيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وشمال موزمبيق، وبالتالي زيادة الضغط على الاقتصادات المحلية، وزيادة تدخلات الأطراف الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى جذب القوات المرتزقة.
  • النزاعات بشأن الانتخابات الوطنية: كما هو الحال في كل من مالي وليبيا، ونيجيريا، والكونغو الديمقراطية، وتشاد، الأمر الذي يُزيد من احتمالات نشوب التظاهرات والاحتجاجات، وتراجع معدلات الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
  • زيادة حالة الاستقطاب الناتجة عن الصراع بين كل من الولايات المتحدة والصين، والتي تتفاقم إثر تطورات الحرب الأوكرانية الروسية، والتنازع بشأن تايوان، بالإضافة إلى النزاع التجاري بين القوتين، الأمر الذي يُمثل مزيدًا من الضغط على الدول الإفريقية بشأن الجانب الذي ستختار الانحياز إليه، وما سيترتب على قرارها من أثار سياسية واقتصادية.
  • ظهور وانتشار طفرات جديدة من فيروس كورونا سواء في دول القارة الإفريقية أو لدى أبرز الشركاء التجاريين؛ بما يزيد التهديدات التي تُعاني منها سلاسل الإمداد، وبما يُزيد من الضغوط الاقتصادية والتجارية على الدول الإفريقية، ويؤثر سلبًا على عمليات التنمية.
  • الأثار السلبية المترتبة على توجه الحرب الروسية الأوكرانية نحو مزيد من التفاقم، وزيادة حدة الصراع الأوروبي الروسي حول إفريقيا، وتهديد سلاسل الإمداد.3

في النهاية، يتضح من الاستعراض السابق للتهديدات والتحديات التي تنتظر القارة الإفريقية خلال عام 2023 اتصال تلك التحديات ببعضها البعض في حلقة يصعب تحديد بدايتها ونهايتها؛ حيث التأثير المتبادل بين تلك العوامل السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والمناخية، الأمر الذي يستدعي تعزيز التعاون الإقليمي سواء على المستوى الثنائي، أو متعدد الأطراف، وعلى مستوى المنظمات الإقليمية.

من المتوقع أن تؤدي تلك التحديات إلى مزيد من تنافس وتصارع القوى الإقليمية والدولية على النفوذ في الدول الإفريقية؛ إذ أن مصالح تلك القوى الاقتصادية والسياسية تقتضي وجود حد أدنى من الاستقرار في الدول المهددة بحيث لا تتأثر مصالح تلك القوى سلبًا وهو أحد الدروس المستفادة من امتداد الصراع في ليبيا منذ حوالي 12 عام، وما ترتب على ذلك من تهديد المصالح الأوروبية وزيادة الضغط على دول شمال المتوسط من خلال زيادة معدلات الهجرة غير المشروعة من ليبيا ومن عدد من الدول الإفريقية الهشة نتيجة حالة السيولة التي تعاني منها الحدود بين تلك الدول.

تظل مصر إحدى أكثر الاقتصادات استقرارًا ويُتوقع أن تنجح في جذب العديد من الاستثمارات خلال الفترة المقبلة في ضوء الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي اتخذتها الحكومة المصرية مؤخرًا، كما تتمتع مصر بعلاقات متميزة مع معظم إن لم يكن كافة الدول الإفريقية، الأمر الذي يؤهل مصر لقيادة دور الوساطة في عديد من النزاعات، بالإضافة إلى ديبلوماسية نقل الخبرات في مجالات الزراعة والصناعة والتحول الرقمي وتطوير البُنى التحتية والخدمات التي تُقدم للمواطنين الأكثر فقرًا، والقضاء على العشوائيات، إلى جانب تعزيز جهود الاستفادة من اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية لتعزيز التجارة البينية والاستفادة من الميزات التنافسية الزراعية والصناعية التي تمتلكها الدول الإفريقية.

من ناحية أخرى، يتوجب على الاتحاد الإفريقي اتخاذ مزيد من الخطوات الجادة التي تساعد الحكومة الصومالية والشعب الصومالي بصفة خاصة، وحكومات وشعوب الدول التي تُعاني من تراجع معدلات سقوط الأمطار، وزيادة معدلات الجفاف والتداعيات الإنسانية المترتبة عليه بصفة عامة على مواجهة تلك التحديات التي تعتبر أحد العوامل التي تساعد على زيادة توجه الشباب نحو الانضمام إلى التنظيمات المسلحة والجماعات المتطرفة.


[i] Nancy J. Walker, Hannah Akuiyibo& Terence McNamee, “On the Horizon 2023 | Africa”, Wilson Center, accessed January 8th, 2023: https://www.wilsoncenter.org/article/horizon-2023-africa.

[ii]“Things to Watch in Africa in 2023”, Economist Intelligence Unit, accessed January 8th, 2023: https://country.eiu.com/article.aspx?articleid=1952522378&Country=Nigeria&topic=Economy&subtopic=Outlook&subsubtopic=Overview#:~:text=Major%20concerns%20surround%20the%20heavy,conflict%20and%20adverse%20weather%20conditions..

رضوى صقر

رضوى صقر باحثة ببرنامج الدراسات الإفريقية بالمركز، مهتمة بالشئون الإقليمية والإفريقية ودراسات بناء السلام، حاصلة على درجة الماجستير في العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وخريجة البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى