“إيفر جرين”: كيف استغلت بعض الدول الأزمة في الترويج لمشروعاتها؟

سبعة أيام من القلق والتوتر عاشها المجتمع الدولي بشكل عام والشعب المصري بشكل خاص إثر جنوح سفينة نقل الحاويات العملاقة “إيفرجرين” واستعراضها في الممر الملاحي لقناة السويس وهو ما أثر بشكل كبير على حركة التجارة العالمية، والتي قدرها البعض بخسائر تصل لـ عشرة مليارات دولار في اليوم الواحد، فضلاً عن تكدس السفن في مدخلي القناة الجنوبي والشمال، وهو ما أثر بالسلب على سلاسل الإمداد في العالم.

وعلى الرغم من حرص الدولة المصرية خلال هذه الأزمة على سرعة إنقاذ العالم وإرضاء دوله وشركاته الكبرى، وخفض معدلات الخسارة- فإن هناك محاولات بُنيت على تقديرات خاطئة بدأت تظهر في الأفق من قبل بعض القوى الدولية والإقليمية للترويج لمشاريع وطرق مختلفة، وهو ما يثير عدة تساؤلات بشأن ماهية تلك المشروعات البديلة؟ وإلى أي مدى يمكن أن تصبح البديل المنافس لقناه السويس؟.

ردود الفعل الدولية أثناء الأزمة:

جاءت ردود الأفعال الدولية على الحادث مختلطة ما بين الخوف من استمرار الأزمة لعدة أسابيع، يصاحبها تأثير سلبي على حركة التجارة العالمية، وما بين الرجاء في إمكانية حل المشكلة خلال فترة قصيرة. فخلال أسبوع الأزمة، عرضت الولايات المتحدة الأمريكية على مصر المساعدة، حيث قال الرئيس الأمريكي جو بايدن إنه “لدى الولايات المتحدة معدات وقدرات لا تملكها معظم دول العالم، ونحن ننظر في كيفية مساعدة مصر بعد جنوح ناقلة حاويات في قناة السويس”.

كما عرضت روسيا المساعدة، حيث أعلن السفير الروسي في القاهرة “جيورجي بوريسينكو”، قائلاً إن “روسيا مستعدة لتقديم المساعدة لمصر في مواجهة أزمة قناة السويس.. مستكملاً، نحن على استعداد لتقديم أي مساعدة ممكنة من طرفنا لأصدقائنا المصريين”.

وفي نفس السياق عرضت دول السعودية، والبحرين، والإمارات المساعدة على المصريين لحل الأزمة. استكملاً لما سبق، يمكن ملاحظة أن أبرز الدول التي عرضت المساعدة، هي أكثر الدول تضرراً من الحادث، حيث وصل عدد السفن وناقلات النفط العالقة إلي أكثر من 400 سفينة وناقلة، وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا التكس للسفن أمام مدخل القناة انتظاراً لحل المشكلة- أكد على ثقة شركات الشحن، وقائدي تلك الناقلات في الدولة المصرية وهيئة قناة السويس على سرعة إنجازها (تصريحات بعض قادة السفن).

مصر تواصل العمل ودول تروج لمشروعاتها:

على الرغم من مواصلة الدولة المصرية العمل لحل أزمة ” إيفر جرين”، فإن هناك بعض الدول بدأت تروج لمشاريع وطرق ظلت في الذاكرة لسنوات ولم تنفذ، وذلك على النحو التالي:

(*) تقديرات روسية خاطئة: ففي الوقت الذي أعلن فيه السفير الروسي عن مساعدة الدولة الروسية في حل الأزمة، حاولت بعض المؤسسات الروسية الترويج لـ “طريق بحر الشمال” أو “سويس-الشمال” في إشارة إلى إمكانية الوصول إلى أوروبا عبر الطريق الملاحي على طول الساحل القطبي الروسي. وبحسب زعم شركة روساتوم الروسية وتقديراتها غير المبررة، فإن “طريق بحر الشمال” ربما يمثل في وجهة نظرها الحل السحري للسفن المتجهة للموانئ الآسيوية، باعتباره –كما زعمت- يعطى مزايا للنقل بين آسيا وأوروبا.

(*) إيران تبحث عن فرصة: على جانب أخر لم تُفوت إيران الحليف الاستراتيجي لروسيا تلك الفرصة للترويج لفكرة الممر التجاري (شمال-جنوب)، حيث دعا السفير الإيراني لدى روسيا كاظم جلالى إلى ضرورة الإسراع وإتمام البنى التحتية وتفعيل ممر “شمال-جنوب” لما له من أهمية على حد قوله، وبحسب ما أفادت به وكالة الأنباء الإيرانية “إيرنا”. وهنا تجد الإشارة إلى أن الطريق الذي تروج له طهران يربط بين الهند حتى روسيا مروراً بأراضيها، حيث يبدأ الخط من الهند وصولا إلى ميناء ‘جابهار’ الواقع جنوب إيران على المحيط الهندي، ثم شحن البضائع براً وصولاً إلى ميناء ‘بندر إنزلي’ شمال إيران على ساحل بحر قزوين ومنه يتم تفريغ الشحنات واستخدام خطوط السكك الحديد إلى شمال روسيا أو الدول الاوروبية.

(*) إسرائيل ومحاولات الترويج بربط البحر المتوسط بالأحمر: منذ تأسيسها لم تكُف اسرائيل عن استهداف مصر، فمنذ تأميم قناه السويس فكرت بعض القوى الاستعمارية الغربية، وحليفتها إسرائيل في حفر قناة بديلة لقناه السويس من خليج العقبة إلى البحر المتوسط، وذلك باستخدام القنابل النووية، إلا أن هذا المشروع لم يتم لعدة ظروف واعتبارات سياسية وجغرافية. وعلى جانب آخر، فخلال فترة حكم الشاه في إيران وبالتحديد عام 1959 فقد دشنت تل ابيب وطهران مشروع ميناء “ايلات –عسقلان” ليكون طريق لنقل الغاز الإيراني إلى أوروبا عبر إسرائيل، إلا أن قيام الثورة الاسلامية في إيران قد حال دون اتمام هذا المشروع. وخلال عام 2011 روجت اسرائيل لمشروعها بإنشاء ممر تجارى اسرائيلي بديل لقناة السويس، وذلك من خلال ربط البحرين الأحمر والأبيض بخط سكة حديد بطول 350 كم فى عمق صحراء النقب بين إيلات وأشدود مما يتيح الفرصة لمرور البضائع التجارية من وإلى موانيء الدول الآسيوية بدلاً من مرورها في قناة السويس، حيث يتضمن هذا المشروع وفقاً لتقديرات إسرائيلية إقامة رصيف بحري تجاري عملاق في  إيلات المطلة على البحر الأحمر وخليج العقبة بنفس قدرات خليج هونج كونج التجاري العالمي. كما أنه بعد توقيع اتفاقات إبراهيم بين بعض دول الخليج وإسرائيل،عادت الرؤى الإسرائيلية للطرح من جديد، وفي مقدمتها مشروع إقامة خط أنابيب لنقل البترول والغاز من الخليج -دبي – إلى ميناء إيلات جنوب إسرائيل ثم ميناء عسقلان على البحر المتوسط.

القدرة على المنافسة:

تأسيساً على ما سبق، يمكن طرح هذا السؤال والإجابة عليه، وهو: إلى أي مدى يمكن لهذه المشاريع المذكورة أن ترى النور، بمعنى آخر ما مدى قدرة هذه المشروعات على منافسة الممر الملاحي لقناة السويس؟. واقعياً، يمكن التأكيد على أن تلك المشاريع تصطدم بعدة معوقات سواء معوقات تخص الجغرافيا أو معوقات سياسية أو معوقات مادية واقتصادية. ففيما يخص المشروع الروسي، يمكن التأكيد على أنه على الرغم من الزعم الروسي بقصر المسافة التي يمكن أن تعبرها السفن العملاقة عبر بحر الشمال الروسي، فإن هذا الطريق يمتلئ فعلياً بالثلوج خاصة في الفترة من يوليو إلى أكتوبر، وهو ما يبطل زعم شركة روساتوم الروسية، المسئولة عن أعمال البنية التحتية في هذا الطريق بإمكانية استخدام أحدث الآلات والمعدات والتكنولوجيا الحديثة، خاصة وأنه يواجه صعوبات كثيرة.

 أما المشروع الذي روجت له إيران عبر سفيرها في موسكو، فيمكن اعتبار المعوقات السياسية من أبرز ما يمكن أن يصطدم به هذا المشروع، فضلاً عن المعوقات الكمية والاقتصادية. وفيما يخص الطرح الإسرائيلي- أياً كان- فعند مقارنته فقط بالعامل الكمي والكيفي –مقدار ما يمكن أن ينقل من حجم التجارة العالمية، وكيفية النقل التي سوف تعتمد على استخدام خطوط السكك الحديد أو براً- فإن قناة السويس تحسم هذا الجدل، حيث يصل إجمالي ما يتم نقلة عبر قناة السويس يصل لعدة 2.3 تريليون من حجم التجارة، وفي هذا الإطار يفسر “د. طارق فهمي” أن أقصى عدد حاويات يمكن نقله عبر السكك الحديدة يتراوح من 45 إلى 50 حاوية في المرة الواحدة، بينما تحمل سفن الحاويات التي تعبر القناة ما بين 13 إلى 14 ألف حاوية على متن السفينة الواحدة في زمن عبور من ( 16 إلى 18 ) ساعة فقط”، وبالطبع فالنقل البحري معروف بعدة مزايا أبرزها قصر المدة، وقلة التكاليف، وحجم الكمية المنقولة، فضلاً عن عامل الأمن والآمان، وهي كلها أمور تحسمها قناه السويس.

واخيراً، وفي إطار الرد على المشروعات المقترحة المنافسة لقناه السويس فقد حسم الرئيس السيسي هذه المسألة خلال احتفاله بنجاح العاملين بقناه السويس في تعويم السفينة وإعادة فتح الممر الملاحي في أقصر وقت، حيث صرح بأن “”قناة السويس ترسخت في أذهان التجارة العالمية.. رب ضارة نافعة.. قناة السويس قادرة وباقية ومنافسة” وستظل قناه السويس شريان الملاحة البحرية الأكثر أهمية دوليا”.

شيماء حسن علي

باحثة مشارك بالمركز، -حاصلة على ماجستير العلوم السياسية. -حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية جامعة قناة السويس. -كاتب وباحث في عدة مراكز دراسات عربية وخليجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى