انعكاسات واضحة: كيف ساهمت وثيقة الأخوة الإنسانية في تعزيز صورة الإمارات الدولية؟

لم يكن حرص الإمارات على إقرار وثيقة الأخوة الإنسانية، إلا تأكيدا على أن العرب قادرون على اتباع ممارسات جادة وفاعلة، نحو التعايش وترسيخ قيم التسامح ونشر السلام.

فقد جاء توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية، بدولة الإمارات العربية، يوم الإثنين، 04 فبراير 2019م، والتي تهدف لتعزيز العلاقات الإنسانية وبناء السلام والتآلف بين الأمم والشعوب، خطوة مهمة في سبيل تفكيك الصورة النمطية المغلوطة عن العرب والمسلمين، والتي يتاجر بها كثيرون.

خطوات منهجية للتغيير:

ثمة خطوات منهجية اتبعتها الإمارات في سبيل تأكيد صورتها كدولة محبة للسلام، يأتي من أهمها ما يلي:

اتباع مجموعة من السياسيات التي تعمل على نقل المفاهيم المرتبطة بالتسامح ونشر السلام، من إطارها الفكري إلى مبادرات وخطط تنفيذية ضمن تأطير مؤسسي شامل، يسير وفق آليات واستراتيجيات، تسعى لتحقيق أهداف محددة.

الاستخدام الفعال والمؤثر للفعل السياسي المرتبط بالقيم الإنسانية، والداعم لفرص التحاور والتقارب مع الآخر، والمرسخ لأسس التعايش بين أتباع كل الأديان.

دعوة القادة والمرجعيات الدينية، وكبار الشخصيات العالمية، لحضور المناسبات، التي تدعم القيم الإنسانية المشتركة، مثلما تمت دعوة شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان لزيارة الإمارات، للتوقيع على وثيقة الأخوة الإنسانية، العام الماضي، وقد حظيت هذه الزيارة، باهتمام عالمي كبير، باعتبارها أولى زيارات أحد باباوات الفاتيكان إلى شبه الجزيرة العربية، وجمعت بينه وبين شيخ الأزهر الشريف، بما يتمتع به من مكانة عالمية، باعتبار الأزهر الشريف، أكبر مرجعية دينية في العالم الإسلامي، والمؤسسة الأكثر تعبيرا عن سماحة الإسلام وتعاليمه الوسطية المعتدلة.

وضع تشريعات، واستحداث مؤسسات، وإطلاق مبادرات، لإرساء قيم التعايش ونشر وتشجيع الحوار بين مختلفي الثقافات والأديان، مما يساعد على إبراز الصورة الحقيقية للإسلام، فضلا عن تأسيس مجلس علماء المسلمين، ودعم الخطاب الديني المعتدل، وتأسيس ملتقى تحالف الاديان، وإقامة المؤتمر الدولي للأخوة الانسانية.

ترسيخ مكانة الإمارات كعاصمة عالمية للإنسانية: ليس من خلال المبادارات، وحدها، بل من خلال الإدارة الذكية، التي تنتهجها الإمارات في التعامل مع أكثر من 200 جنسية، من مختلف أنحاء العالم، يعيشون على أرضها، ومتنوعي الأعراق والثقافات والديانات، وسمحت لهم بإنشاء دور العبادة، التي تمكنهم من ممارسة شعائرهم الدينية، دون المساس بأصالة العادات والتقاليد الإماراتية المنبثقة عن تعاليم الدين الإسلامي الحنيف.

تأسيسا على ما سبق، يمكن القول إن وثيقة الأخوة الإنسانية، حملت معها الرؤية الإماراتية لما يجب أن تكون عليه العلاقات بين البشر، مهما كانوا مختلفين- دينيا وثقافيا وأيدلوجيا- وأهمية نبذ العنف، ودفع الأعداء نحو التحول إلى أصدقاء، بالاتجاه إلى إقرار السلام، وبناء مستقبل أكثر أمنا، لا يشهد كل هذه الصراعات، ولا نرى فيه إزهاقا للمزيد من أرواح الأبرياء، وعلى الجميع تحمل كامل المسؤولية، للنهوض بهذا العالم مما يعانيه من أزمات.

مواقف لفتت أنظار العالم:

لقد انعكس إقرار وثيقة الأخوة الإنسانية، في بوادر تغيير النظرة السلبية للعرب والإسلام، باعتبارها تجسيدا للتعايش والبحث عن الخير المشترك لأتباع كل الأديان، مما أدى إلى زيادة الرغبة لدى قطاعات ليست بالقليلة في الغرب، للتعرف على الإسلام، سواء على مستوى طلاب العلم، أو على مستوى الجمهور العام.

إن الممارسات والمبادرات الإنسانية الإماراتية، شكلت تعبيراً بالأفعال لا الأقول، وجسدت المساعي الصادقة لتغيير الواقع، مهما كان سيئاً، فاتجهت إلى بناء الجسور مع الآخر، بدلا من مساعي هدم الجدران، وواجهت الصورة المشوهة، بدلاً من محاولة إخفائها، مما جعلها تسمو بأفعالها ومواقفها، والتي تمكنت من خلالها من لفت أنظار العالم إليها، وهو مما انعكس على صورتها الدولية الإيجابية، التي تجسدت في توافد عشرات الملايين من الأجانب، لزيادرة الإمارات سنويا، مما يعد من أقوى عوامل تكوين الانطباعات الذاتية، واكتساب الخبرة المباشرة، والتي تتخطى في تأثيرها ما تروج له وسائل الإعلام.

لقد استطاعت الإمارات، رغم التوترات التي تشهدها المنطقة، أنه بالإمكان صنع وبناء السلام، وتحويل التعارض والخلاف، إلى التحاور والتشارك، والقبول بالعيش الإنساني المشترك، كآلية مهمة للتواصل والتفاعل وبناء العلاقات بين البشر، خاصة إذا كانت الغاية المساعدة في تجاوز المحن والأزمات.

وختاما، مثلت الإمارات نموذجا عربيا متسامحا بامتياز، وتمكنت من صناعة الكثير، لتعزيز صورتها الإيجابية الدولية، لكن لا يزال هناك الكثير مما يجب فعله -فرديا وجماعيا- من كل الدول العربية، لتغيير صورة العرب السلبية، التي تتطلب تنقية الواقع العربي، وتدارك ما به من أخطاء، فلن يتأتى تغيير الصورة أو حتى تعديلها، دون أن نسعى جادين نحو تغيير ذلك الواقع، من خلال ممارسات إيجابية نشاهدها متجسدة على الأرض، فرؤية الحقائق ظاهرة، كفيلة بتغيير القناعات الخاطئة.

في النهاية يمكن القول، إن فعاليات العيد الثاني لوثيقة الأخوة الإنسانية، وترتيبات دولة الإمارات العربية للاحتفال بهذا اليوم، ودعوتها للعديد من المؤسسات الإعلامية والبحثية والصحفية، وشمول المؤتمر لجلسات وورش عمل تناقش منطلقات الأخوة الإنسانية، الداعية إلى إرساء ثقافة السلم، وترسيخ مفهوم المواطنة، ومواجهة التطرف الدينى- سيؤدى إلى ترميم ما ارتكبته جماعة الإخوان الإرهابية من جرائم تسببت في تشويه صورة الإسلام والمسلمين في مختلف بلاد العالم الأجنبي.

 

 

 

د. عبد الناصر سعيد

رئيس وحدة دراسات الأمن الإقليمي حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية , حاصل على في ماجستير الإعلام ,حاصل على ماجستير في العلوم السياسة , باحث مشارك في عدد من المراكز البحثية السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى