الحسم المؤجل: لماذا قد تتحول الحرب مع إيران إلى استنزاف لواشنطن؟

تشهد الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإيران تحولًا نوعيًا يجعل من الصعب قراءتها بوصفها مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين طرفين غير متكافئين في القوة. فمنذ انطلاق عملية Epic Fury في 28 فبراير 2026، اتضح أن الصراع يتجاوز منطق الضربات العقابية المحدودة أو الردع التكتيكي، ليتحول إلى اختبار أوسع لحدود القوة الأمريكية نفسها. ويطرح الوضع الحالي سؤالًا جوهريًا: إلى أي مدى يمكن للتفوق الجوي والاستخباراتي أن يحقق حسمًا سياسيًا واستراتيجيًا ضد دولة كبيرة، لامركزية نسبيًا، تمتلك عمقًا جغرافيًا، وشبكات رد غير متماثلة، وقدرة على نقل الحرب من المجال العسكري المباشر إلى المجالين الاقتصادي والإقليمي؟

ويزداد هذا السؤال إلحاحًا مع اعتراف مسؤولين أمريكيين بأن العملية باتت أكبر تدخل عسكري أمريكي منذ غزو العراق عام 2003، في وقت لا تزال فيه أهداف الحرب النهائية وتعريف النصر غير محسومين بوضوح في الخطاب الأمريكي نفسه.

قياس المردود:

في ظاهر المشهد الحالي للحرب، تبدو الحملة الجوية الأمريكية ناجحة من حيث الكثافة والقدرة التدميرية. فقد استهدفت الضربات مراكز قيادة ومنشآت عسكرية وقواعد جوية وبنى تحتية مرتبطة بالقدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية، بينما أعلنت واشنطن أنها باتت على الطريق للسيطرة على المجال الجوي الإيراني. لكن القراءة الاستراتيجية الأعمق تقتضي التمييز بين النجاح التكتيكي والنجاح الاستراتيجي. فالتدمير المادي للأهداف لا يعني تلقائيًا انهيار قدرة الخصم على القتال، ولا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق الغاية السياسية للحرب. وهذه مشكلة تاريخية متكررة في الحروب الجوية الحديثة؛ إذ قد تُظهر القوة المهاجمة قدرة عالية على الضرب والتعطيل، من دون أن يترجم ذلك إلى تغيير حاسم في سلوك الخصم أو في تماسكه السياسي والعسكري.

وهنا تبرز خصوصية الحالة الإيرانية. فإيران لا تدير الحرب بمنطق الجيوش المركزية الكلاسيكية التي يمكن شلها عبر ضربة رأسية واحدة على القيادة العليا، بل تعتمد بدرجات متفاوتة على بنية لامركزية وتوزيع للقدرات يسمح باستمرار الرد حتى تحت ضغط ناري شديد. كما أن امتدادها الجغرافي الكبير، وتضاريسها المعقدة، ومنشآتها المتوزعة، تمنحها ما يُعرف في الدراسات الاستراتيجية بالعمق الاستراتيجي، أي القدرة على امتصاص جزء من الضربات من دون انهيار فوري في الوظيفة القتالية للدولة. ولهذا، ورغم كثافة الحملة الجوية، استمرت إيران في الرد بالصواريخ والطائرات المسيّرة، كما استمرت الحرب في توليد مخاطر متصاعدة على القوات الأمريكية وحلفائها في المنطقة. وبذلك يتضح أن المشكلة الأساسية لا تكمن في قدرة واشنطن على تدمير الأهداف، بل في صعوبة تحويل هذا التدمير إلى حسم سياسي سريع.

انعكاسات الرد الإيراني:

كما أن المعضلة لا تقتصر على الداخل الإيراني، بل تمتد إلى طبيعة الرد الإيراني نفسه. فبدل أن يظل الصراع محصورًا في إطار المواجهة العسكرية المباشرة، أخذ يتجه بوضوح نحو التصعيد الأفقي، أي توسيع نطاق الحرب إلى مجالات أخرى أكثر حساسية للنظام الإقليمي والدولي. فقد تضررت حركة الشحن في محيط مضيق هرمز بصورة حادة، وألغت شركات تأمين بحري كبرى تغطية مخاطر الحرب لبعض السفن، بينما ارتفعت أقساط التأمين وأسعار النقل البحري. كما أفادت وكالة رويترز بأن عشرات السفن والناقلات تعطلت أو تضررت، وبأن تدفقات الطاقة عبر الخليج تعرضت لاضطراب خطير، مع تراجع الإنتاج العراقي بصورة حادة بسبب تعذر التصدير عبر المضيق. ويمثل هرمز نقطة اختناق استراتيجية بالغة الأهمية، إذ يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا، ما يعني أن أي تعطيل مستمر له لا يبقى مسألة إقليمية، بل يتحول إلى أزمة بنيوية تمس الاقتصاد العالمي مباشرة.

ومن هنا تكتسب الحرب بعدًا جديدًا؛ فهي لم تعد صراعًا على تدمير منصات وصواريخ فقط، بل أصبحت صراعًا على القدرة على إرباك الأنظمة. فإيران، حتى إن عجزت عن تحقيق تفوق عسكري مباشر، تستطيع رفع تكلفة الحرب على خصومها عبر تهديد الطاقة والملاحة والتأمين وسلاسل الإمداد. وهذا يعني أن الحرب لم تعد تُقاس فقط بعدد الأهداف المدمرة داخل إيران، بل أيضًا بمدى قدرة طهران على تحويل موقعها الجغرافي وشبكاتها الإقليمية إلى أدوات ضغط غير متماثلة. وفي هذا السياق، يصبح استهداف الاقتصاد الإقليمي والعالمي جزءًا من معادلة الردع، لا مجرد أثر جانبي للصراع. لذلك فإن محدودية الحسم الأمريكي لا تنتج فقط من صلابة البنية الإيرانية الداخلية، بل أيضًا من قدرة إيران على توسيع ساحات التأثير خارج حدودها.

اتساع جغرافيا الحرب:

غير أن البعد الأهم في هذه الحرب يتمثل في أنها لم تعد تُقرأ فقط كحرب أمريكية–إسرائيلية–إيرانية، بل كساحة متصلة بتنافس دولي أوسع. فالتقارير الأخيرة تشير إلى أن روسيا زودت إيران بمعلومات استخباراتية عن مواقع سفن وطائرات أمريكية في الشرق الأوسط. وهذا يعني أن الوضع يتجاوز مجرد المساندة التكتيكية؛ إذ يصبح الصراع ساحة تستخدم فيها موسكو قدراتها الاستخباراتية لرفع كلفة الانخراط الأمريكي، من دون أن تدخل هي نفسها في مواجهة مباشرة. وبمعنى آخر، فإن روسيا لا يبدو أن نيتها إنقاذ إيران عسكريًا بقدر ما هي منع الولايات المتحدة من ترجمة تفوقها الجوي إلى سيطرة آمنة وفعالة على مسرح العمليات.

أما الصين فتتحرك بطريقتها البراغماتية المعتادة. فمن جهة، دعت بكين منذ بداية الحرب إلى وقف إطلاق النار، وأعلنت إرسال المبعوث الخاص تشاي جون إلى الشرق الأوسط، كما أجرى وزير الخارجية وانغ يي اتصالات مكثفة مع إيران وروسيا وعمان وفرنسا وإسرائيل والسعودية والإمارات. ومن جهة أخرى، فإن الصين هي المشتري الأكبر للنفط الإيراني، وتعتمد بصورة كبيرة على واردات الطاقة من الشرق الأوسط، ما يجعلها معنية مباشرة بمنع انهيار كامل للوظيفة الاقتصادية لإيران أو انفلات شامل في مضيق هرمز. كما تشير المؤشرات الداخلية في الصين إلى أنها اتخذت إجراءات مرتبطة بأمن الطاقة، منها الطلب إلى بعض المصافي تعليق صادرات الوقود، في ظل تصاعد القلق من اضطراب الإمدادات. وهذا النهج لا يدل على حياد كامل، بل على محاولة لإدارة التوازن بين الوساطة الدبلوماسية، وحماية المصالح الاقتصادية، ومنع الوصول إلى لحظة فوضى قد تُفقد بكين إحدى أهم ساحات نفوذها الطاقوي والإقليمي.

وبذلك، فإن الحرب مع إيران تكشف عن نمط أوسع من الصراعات المعاصرة. لم تعد المواجهة تدور فقط بين الفاعلين المباشرين، بل داخل بيئة دولية تتزايد فيها أشكال تقاسم الأدوار غير المباشر. روسيا يمكن أن توفر طبقة استخباراتية وخبرة في إدارة الاستنزاف، بينما توظف الصين ثقلها الاقتصادي والدبلوماسي للحفاظ على الحد الأدنى من بقاء إيران كفاعل إقليمي وعدم انهيارها الكامل. وهذا لا يعني بالضرورة وجود تحالف حرب متكامل بالمعنى الحقيقي، بل يعني أن الولايات المتحدة لا تواجه إيران وحدها، بل تواجه حربًا تقع داخل بنية دولية تسمح لخصومها أو منافسيها بتقليل احتمالات الحسم السريع، ورفع كلفة النصر، وتحويل الحرب إلى ساحة استنزاف ممتدة.

حدود الحسم الجوي: 

ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل تستطيع الولايات المتحدة تدمير المزيد من الأهداف داخل إيران؟ بل أيضًا: هل تستطيع تحويل تفوقها العسكري إلى نتيجة سياسية مستقرة قبل أن يتحول الصراع إلى عبء إقليمي ودولي مفتوح؟ فكلما طال أمد الحرب، ازداد خطر سوء التقدير الاستراتيجي، وارتفعت احتمالات اتساعها عبر الوكلاء والبنية التحتية والأسواق، وتراجعت قدرة واشنطن على احتكار مسار التصعيد. وتُظهر الحرب حتى الآن أن أكبر نقاط قوة الولايات المتحدة، وهي التفوق الجوي والدقة النارية وكثافة الاستهداف، لا تلغي بالضرورة أكبر نقاط ضعفها في هذا النوع من النزاعات، وهي صعوبة فرض نهاية سياسية سريعة على خصم يستطيع الصمود وتدوير الرد ونقل المعركة إلى ساحات لا تكفي فيها الطائرات وحدها.

في المحصلة، تكشف الحرب مع إيران حدود فكرة الحسم الجوي عندما تواجه قوة عظمى خصمًا يراهن على الاستنزاف واللامركزية والتصعيد الأفقي داخل بيئة دولية لم تعد تسمح بعزل الصراعات الإقليمية عن التنافس بين القوى الكبرى. فالضربات الجوية قد تدمر، لكنها لا تحسم دائمًا. والتفوق العسكري قد يفتح الحرب، لكنه لا يضمن إغلاقها بالشروط السياسية نفسها التي بدأها بها. ولهذا فإن الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في اتساع الدمار، بل في أن تتحول الحرب إلى نموذج جديد للصراع المركب، أو بمعنى آخر: حرب لا تُقاس بنتائج الأسبوع الأول من القصف، بل بقدرة الأطراف المختلفة على الصمود وإدارة الترابط بين الجبهة العسكرية وسوق الطاقة والممرات البحرية وشبكات الدعم الدولي. وعند هذه النقطة تحديدًا، تصبح الحرب مع إيران أكثر من مجرد أزمة للأمن الإقليمي في منطقتنا العربية، بل اختبارًا عمليًا لحدود القوة الأمريكية في نظام دولي يزداد تشابكًا وتنافسًا وتكلفة للحسم.

د. هند المحلى سلطان

رئيس برنامج الدراسات الآسيوية، باحثة زائرة بمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة فودان وجامعة شنغهاي للدراسات الدولية. حاصلة على درجتي الماجستير والدكتوراه في العلاقات الدولية تخصص شؤون صينية من جامعة شنغهاي للدراسات الدولية وجامعة شاندونغ. ترجمت العديد من الكتب والتقارير الرسمية للحكومة الصينية من اللغة الصينية إلى اللغة العربية في مجال السياسة والاقتصاد، ونشرت بعض الأبحاث الأكاديمية المتعلقة بالسياسة الخارجية للصين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى