استحقاق مؤجل: هل تعرقل إشكالية الحكومة إجراء الانتخابات في ليبيا؟

تواجه الأزمة الليبية فصلًا جديدًا من الانقسام يعيد للأذهان ذكرى ما يدور طوال الأعوام الماضية بين حكومة شرق ليبيا المدعومة من مجلس النواب والجيش الوطني الليبي، وحكومة الغرب في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة. ويأتي ذلك عقب إعلان المجلس الأعلى للدولة رفضه هيكل المفوضية العليا للانتخابات بشكل إدارتها الحالي، مع التوجه نحو تعيين صلاح الكميشي رئيسًا لها بدلًا من عماد السائح، وهو ما لاقى اعتراضًا شديدًا من مجلس النواب الرافض للمساس بهيكل المفوضية باعتبار ذلك يمثل إعاقة مباشرة لشفافية الانتخابات.

يُنظر إلى الوضع الحالي من زوايا متعددة تنبني بشكل رئيسي على عدم وجود حكومة موحدة قادرة على تخطي الأزمة، في ظل ما تشهده الدولة من تنافس على النفوذ يصاحبه محاولات من البعثة الأممية لحلحلتها من خلال خارطة طريق غير إلزامية، وهو ما سيتم استعراضه في السطور التالية بشئ من التفصيل.

إشكالية الحكومة الموحدة

تعاني ليبيا من انقسام حاد بين حكومتي الشرق والغرب، ينعكس بشكل واضح على رؤى المواطن وقناعاته التي لم تر تجارب كثيرة ناجحة استهدفت الخروج من نفق الانقسام.

(*) طبيعة الخلاف: تعاني الدولة الليبية منذ سقوط حكم الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011 من توترات داخلية مختلفة تتجدد وتتطور بمرور الوقت، حتى تنتقل من درجة تعقيد إلى أخرى. وواجهت الدولة منذ رحيل القذافي موجات انقسام متعددة، منذ عام 2014 وصولًا للمشهد الحالي الذي أفرز وجود سلطتين لهما نفوذ داخل الدولة وهما على الترتيب: حكومة طرابلس التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة، وحكومة بنغازي برئاسة أسامة حماد والمدعومة من المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي ورئيس البرلمان عقيلة صالح.

وكان لذلك الانقسام بالغ الأثر على آلية التعامل مع الموارد داخل الدولة، ولا سيما النفط الذي تزخر به الأراضي الليبية، في ظل رغبة كل طرف في توجيه الموارد لصالح أهدافه. وبالنظر إلى مختلف الأزمات الحالية، ولا سيما التي تحيط بالمفوضية العليا للانتخابات، نجد أن الأزمات الداخلية تتصاعد مع رغبة كل طرف في تحقيق مزيد من المكتسبات على حساب الجانب الأخر، سعيًا لتعزيز النفوذ داخل الشارع الليبي.

(*) التوجه الشعبي: تنقسم آراء المواطنين حول معضلة الانتخابات بشكل واضح في الفترة الحالية، حيث يرى البعض أن أي تدخل أممي غير مجدٍ ولن يعود على الدولة بالنفع في ظل تكرار التدخلات التي لم تفض إلى تغيير الواقع. ومن زاوية أخرى، يرى البعض أن الأنسب في الفترة الحالية هو دعم محاولات البعثة الأممية لتجاوز الأزمة من خلال توفير التأييد الشعبي الذي من الممكن أن يتم الاعتماد عليه للزج بالأطراف نحو الوصول لتسوية، على الرغم من كونها غير ممكنة من وجهة نظر قطاع ثالث يرى أنه لا جدوى لتلك المجهودات إن لم توجد حكومة موحدة قبل أي من ذلك قادرة على بسط نفوذها وتأمين العملية الانتخابية بشكل فعلي.

ومن المؤكد أن للتقسيم الجغرافي الحالي بليبيا أثر بالغ على مدى توافق رؤى المواطنين من عدمه، في ظل سعي قوى الشرق والغرب إلى تسييس صوت الشعب الليبي، المختلفة رؤاه وفقًا لموقعه على الخريطة. في الشرق يميل المواطن نحو خيار الحكومة الموحدة في ظل ما أثبته الجيش من قدرة على بسط النفوذ وتوطين للأمن، بينما يميل المواطنين في غرب ليبيا نحو إجراء الانتخابات قبل توحيد الحكومة في ظل ما يعانيه الغرب من انقسام. وبين هذا وذاك لا تزال الانقسامات بمختلف معانيها تحكم الواقع الحالي.

(*) البلديات كتجربة: واجهت ليبيا معوقات عدة أمام إجراء أي استحقاقات انتخابية. وعلى الرغم من ذلك، أُجريت الانتخابات البلدية بعدما تخطى الطرفين عديد من الأزمات، حيث توقفت العملية الانتخابية بشكل اضطراري في العام 2014 إثر الانقسام الذي عانت منه الدولة. واستؤنفت من جديد في عام 2018 قبل أن تُعرقل في 2019 نتيجة لهجوم قوات الشرق على طرابلس، الذي تبعه نقل مسئولية الانتخابات البلدية من اللجنة المركزية إلى المفوضية الوطنية للانتخابات ثم إجراء استحقاق الانتخابات في 2025.

تميزت تلك الانتخابات بكونها أجريت على مراحل متعددة، تحجيمًا لأثر الانقسامات، حيث قُسمت إلى 3 مراحل مع تعليقها في بعض البلديات في ظل التوتر المحيط بها. إلى جانب ذلك، أفرزت الانتخابات نتائج فعلية على أرض الواقع مثل توجه المجالس المنتخبة نحو تنفيذ مشاريع خدمية اعتمادًا على الهيكل الجديد الذي تم انشاؤه على الرغم مما أحاطه من توترات في بعض المناطق.

وعلى الرغم من ذلك، يمكن إدراك مدى فاعلية الانتخابات البلدية في أن تكون قابلة للتنفيذ فعليًا على أرض الواقع ضمن الإطار الأكبر المتمثل في مدى حيويتها لأطراف الأزمة إن قورنت بالانتخابات التشريعية أو الرئاسية التي يتم النظر إليها باهتمام أكبر، إضافة إلى إدراك مقدار التوترات التي أحاطت بانتخابات البلدية على الرغم من كونها ليست مصدرًا للنزاع بين الطرفين.

صراع النفوذ

يُعد الأساس الفعلي للأزمة الحالية هو الانشقاق بالداخل الليبي بين مختلف مكوناته ورؤاهم حول ما يجب أن تبدو عليه الدولة، وهو ما سيتم إيضاحه في السطور التالية.

(&) استقطاب سياسي: تُعد الأزمة المحورية حاليًا هي وجود حكومتين، مما يعرقل أي خطوات سياسية فاعلة تساهم في لم شمل البيت الليبي، مع توجه كل طرف نحو الحفاظ على مكتسباته الاقتصادية الحاصل عليها من خيرات أراضي الدولة، في ظل التصارع على امتلاك المؤسسات السيادية التي يصاحبها عدم وجود حدود زمنية لتلك الفترة. ونتيجة لذلك، أصبح المستهدف من ربط الانتخابات بتشكيل الحكومة هو الحفاظ على الوضع القائم أو كسب مزيد من التعاطف، مما أفرز حالة من الشلل المؤسسي والإداري داخل ليبيا يعوق إجراء عملية الانتخاب ويمنع استمرارها إن بدأت، وهو ما يجعل الوضع معقدًا.

(&) أزمة تشريعية: يميل مجلس النواب الليبي في الفترة الحالية نحو إجراء انتخابات تسبق تشكيل حكومة موحدة في ظل التعقيد الذي يحيط بالأخيرة على أرض الواقع، وهو ما كان واضحًا من خلال طرحه تشكيل لجنة متخصصة من 7 أفراد تتولى عملية الإشراف على العملية الانتخابية كحل بديل للحكومة. وعلى الجانب الآخر، يبدو موقف المجلس الأعلى للدولة الموجود بالغرب الليبي غامضًا مقارنة بمجلس النواب، حيث أعلن تأييده العملية الانتخابية على الرغم من اعتراضه على رئيس المفوضية العليا للانتخابات، بل وانتخابه صلاح الكميشي كرئيس جديد لها بدلًا من عماد السائح، وهو ما يسهم في خلق انقسام في هيكل المفوضية التي من المفترض أن تلعب دورًا محايدًا ومستقلًا بعيد عن التسييس.

الحكومة والانتخابات في الخارطة الأممية

تقدمت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا هانا تيته بخارطة طريق سياسية لمجلس الأمن في 21 أغسطس 2025، لتجاوز الأزمة الليبية اعتمادًا على محددات رئيسية أتت وفقًا لواقع الأزمة الفعلي. وارتكزت خارطة الطريق على 3 محاور أساسية، وهي على الترتيب إطار انتخابي فني سليم، توحيد المؤسسات، إطلاق الحوار المهيكل. وبالنظر إلى الحوار المهيكل باعتباره محدد أساسي لمدى نجاح تلك الخارطة، نجد أنه أتى تباعًا لعدة تدخلات دولية لم تُخرج حل فعلي للأزمة مثلما هو الحال باتفاق الصخيرات أو مؤتمر برلين أو مؤتمر جنيف، وهو ما ينذر بشكوك واقعية حول مدى فاعليته. ويركز الحوار المهيكل على معالجة قضايا محددة مثل الحوكمة والاقتصاد والمصلحة الوطنية والآمن، إضافة إلى النظر في شكل الدولة ونظام الحكم وتوزيع الموارد اعتمادًا على توسيع قاعدة التشاور، التي تستهدف خلق تفاهمات قادرة على تجاوز الأزمة. وعلى الرغم مما يمكن أن يضيفه ذلك الحوار، إلا أن معظم الليبيين لا يرون فيه إلا محاولة يائسة جديدة في ظل عدم إلزاميته نتيجة لغياب الدعم الدولي الفعلي، إضافة إلى الخلاف حول مختلف النقاط بداخله مثل طبيعة أعضائه ومدى نفوذ أي من أطراف الأزمة عليهم.

يأتي الحوار المهيكل كما تمت الإشارة ضمن خارطة طريق تنبني على 3 محاور، وأبرز ما يميزها هو السعي لاتفاق شامل، عادل، ومرضي لجميع الأفراد، يستند إلى تحقيق مختلف الأهداف بالتوازي دون التركيز في جانب محدد على حساب الآخر. ولذلك تأتي عمليتي تشكيل الحكومة أو إجراء الانتخابات التشريعية كمحطتين ضمن الخارطة الأكبر التي لا يعوق أي استحقاق فيها الآخر، وإنما يأتيان ضمن توافق أوسع يستهدف إعادة توحيد ليبيا وإنهاء الانقسام.

وختامًا، لا يمكن إنكار أن الأزمة الحالية تؤكد صعوبة إجراء أي استحقاقات انتخابية بلا أزمات تعوقها أو تسبب تشوه يجعلها بالضرورة عملية منقوصة، نتيجة للتصادم الدائم بين المعسكرين الغربي والشرقي. ويتلاقى ذلك مع مدى اليأس الذي يعاني منه المواطن غير القادر على رؤية مسار آمن لحلحلة تلك المعضلة، ولا سيما إن كان التدخل الدولي محدود ولا يقدر بما فيه الكفاية على إلزام الأطراف للجلوس على طاولة المفاوضات التي لا تخلو من تجاذبات تتخطى حدود الدولة وتصل لأطراف أخرى خارجية مستفيدة أيضًا من إشكالية الانقسام الحالية. ولذلك ليس من الممكن وفقًا للمعطيات الحالية أن نرى انتخابات قانونية بلا حكومة موحدة تتمتع بمؤسسات قادرة على فرض نفوذها وبسط سيطرتها لإنفاذ القانون.

عبدالرحمن سعدالدين

عبدالرحمن سعد الدين، باحث في وحدة دراسات العالم. الباحث حاصل على بكالوريوس العلوم السياسية من جامعة الإسكندرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى