الإرباك المركب: كيف يؤثر استهداف الوقود على صمود أطراف الحرب؟

ريهام السادات- باحثة بوحدة الدراسات الدولية.

في ٩ مارس الجاري أعلنت وزارة الدفاع الكويتية، أن خزانات الوقود بمطار الكويت الدولي، تم استهدافها من قبل طائرات مسيرة، اسفرت عن أضرار مادية فقط. وعليه، يطرح السؤال ما حدود استخدام الوقود في الحرب الأمريكية الإسرائيلية في مواجهة إيران، وما الانعكاسات المحتملة لاستهدافه؟

في سياق النزاعات المسلحة الحديثة، يبرز استهداف البنية التحتية للوقود كأحد العناصر الاستراتيجية الحاسمة ذات الانعكاسات المباشرة على القدرة العسكرية والاقتصادية للدول المتصارعة. وتزداد أهمية هذا الموضوع في ضوء التصعيد الأخير في الشرق الأوسط خلال مارس 2026، حين شنت إسرائيل هجمات مركّزة على خزانات النفط الإيرانية، ما أدى إلى تعطّل جزئي لشبكة التوزيع واندلاع حرائق.

بالتالي، يحاول هذا التحليل، توضيح كيف يحدد الوقود مسار النزاعات المسلحة ويؤثر في التوازن بين القدرة التشغيلية للقوات والقدرة الاقتصادية للدول، بما يجعل إدراك هذا البُعد أمرًا جوهريًا لصياغة السياسات الاستراتيجية والأمنية في المنطقة، ولتفسير ديناميكيات الأمن الإقليمي والدولي في ظل التحولات الراهنة.

حدود الاستهداف:

شهدت الساحة الإقليمية في مارس 2026 تصعيدًا غير مسبوق، حين نفّذ الجيش الإسرائيلي أول عملية استهداف مباشر للبنية التحتية النفطية الإيرانية، مركّزًا ضرباته على خزانات نفطية في طهران وضواحيها، وذلك عقب سلسلة من الهجمات الصاروخية الإيرانية. ووفقًا لهيئة البث الإسرائيلية، جاءت هذه الضربات ضمن استراتيجية تهدف إلى ضرب ما وصفته بعصب النظام، بينما أكدت المصادر الإيرانية أن الحرس الثوري ردّ باستهداف منشآت نفطية إسرائيلية في حيفا باستخدام صواريخ خيبر شكن، في خطوة متبادلة أعادت تعريف طبيعة النزاع وأبرزت انتقاله إلى مستوى جديد من المواجهة.

وقد خلّفت هذه الضربات آثارًا مباشرة على الداخل الإيراني؛ إذ اندلعت حرائق هائلة في أربعة مستودعات نفطية ومركز لوجستي لتوزيع المنتجات البترولية، وأدى ذلك إلى توقف جزئي لشبكة توزيع الوقود وتعطّل الحياة اليومية للسكان، فضلًا عن مخاطر صحية ناجمة عن انبعاث الغازات السامة مثل أكاسيد الكبريت والنيتروجين. وهكذا، يكشف تعطّل شبكة الوقود عن هشاشة الاعتماد على هذه البنى التحتية في الصمود العسكري، مما يسلّط الضوء على الترابط الحاسم بين البعد المدني والعسكري في النزاع.

وفي سياق متصل، امتد التصعيد إلى دول الخليج، حيث استُهدفت خزانات الوقود في مطار الكويت الدولي بطائرات مسيّرة، إلى جانب حوادث محدودة في منشآت نفطية بالسعودية والبحرين وقطر. وقد انعكس هذا التوسع الجغرافي مباشرة على الإمدادات النفطية العالمية، إذ ارتفعت أسعار النفط بنسبة 24% خلال أسبوع واحد متجاوزة 90 دولارا للبرميل، في ظل إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، الشريان الرئيس لتجارة الطاقة الدولية، إذ تعبره يوميًا ما بين 17 و20 مليون برميل من النفط والمكثفات النفطية، أي ما يقارب 20 بالمئة من الاستهلاك العالمي، وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرا. ومن ثمّ، يتضح أن الاستهداف تجاوز الأبعاد العسكرية المباشرة ليطال الاقتصاد الإقليمي والعالمي، بما يزيد من التعقيدات السياسية ويضاعف احتمالات اتساع النزاع.

وعليه، يظهر الوقود كعنصر حيوي لتشغيل البنى التحتية العسكرية والمدنية، ويؤكد امتداد الهجمات جغرافيًا إلى إيران ودول الخليج مستوى التصعيد غير المسبوق، والاستراتيجية التي تعتمد على الضغط المتزامن على الإمدادات الحيوية والقدرات اللوجستية للأطراف المتصارعة.

انعكاسات محتملة:

تُعدّ البنية التحتية للوقود عنصرًا جوهريًا في صمود الدول خلال النزاعات المسلحة، إذ تشمل خزانات التخزين، خطوط الأنابيب، محطات التعبئة والمرافق التوزيعية، وتشكل العمود الفقري لتشغيل القوات البرية والجوية والبحرية، فضلًا عن دعم المرافق المدنية الحيوية كالمستشفيات وشبكات النقل. وفي الحالة الإيرانية، تبرز أهمية هذه البنى بوضوح؛ فإيران تُعد ثالث أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك، بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 3.3 ملايين برميل يوميًا، إضافة إلى 1.3 مليون برميل من المكثفات، بما يمثل قرابة 4.5% من الإمدادات العالمية. كما تبلغ الطاقة الإجمالية لمصافيها 2.6 مليون برميل يوميًا، فيما صدّرت نحو 1.7 مليون برميل يوميًا في عام 2025، مع اعتماد شبه كامل على جزيرة خرج ومضيق هرمز لنقل 90% من النفط الخام، وهو ما يبرز مركزية هذه البنى في الإمدادات الإقليمية والدولية.

ويمكن القول إن استهداف نصف هذه المخزونات كفيل بوقف العمليات الحيوية لعدة أيام، وإحداث نقص حاد إذا لم يتم التعويض، بما يعكس هشاشة القدرة التشغيلية للقوات وتعطل الإمدادات اللوجستية وتأجيل الهجمات، فضلًا عن تأثير مباشر على استراتيجيات الدفاع والهجوم للطرف المستهدف.

وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن أي استهداف للبنية التحتية للوقود يفضي إلى ارتفاع أسعار الطاقة محليًا ودوليًا، ويعرقل النقل المدني والمرافق الحيوية، ويضغط على ميزانيات الدول لتأمين الإمدادات الطارئة أو شراء الوقود من الخارج. وقد ارتفعت أسعار النفط عالميًا بنسبة 24% عقب العمليات العسكرية الأخيرة، بحسب رويترز، رجح بنك جولدمان ساكس أن تتجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل، مع ارتفاع الذهب كملاذ آمن إلى نحو 6000 دولار للأونصة بحلول الربع الأول من 2027.

بالإضافة إلى ذلك، فإن استهداف منشآت تخزين الوقود يخلّف آثارًا متفاوتة تبعًا لحجم البنية التحتية المستهدفة وطبيعة دورها في منظومة الإمداد. ففي الحالة الإيرانية، يتضح أن ضرب مرافق التخزين ذات السعة الكبيرة ينعكس مباشرة على القدرة التشغيلية للدولة؛ إذ يؤدي إلى تراجع ملموس في كفاءة العمليات اللوجستية والعسكرية، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الوقود واضطراب سلاسل الإمداد الداخلية، وهو ما يضعف القدرة على الاستمرار في إدارة العمليات العسكرية بكفاءة أمام الضغوط الاستراتيجية.

أما في الحالة الكويتية، ورغم محدودية حجم المنشآت المستهدفة نسبيًا، فإن طبيعة الموقع المستهدف تجعل التأثير أكثر مباشرة وحساسية؛ فاستهداف خزانات الوقود المرتبطة بالمطارات يفضي إلى تعطّل فوري للعمليات الجوية وتوقف الرحلات، بما يربك منظومة الدعم اللوجستي الجوي ويزيد الضغط على الخدمات المدنية المرتبطة بقطاع النقل والإمدادات. وهنا يظهر أن معيار التأثير لا يُقاس فقط بحجم المخزون المفقود، بل أيضًا بوظيفة المنشأة المستهدفة وموقعها في شبكة الإمدادات الحيوية.

وبذلك يتضح أن البنية التحتية للوقود تمثل نقطة ارتكاز استراتيجية، حيث تتحدد درجة حساسيتها وفقًا لوظيفتها الحيوية داخل المنظومة العسكرية والمدنية، لا وفقًا لحجمها وحده. ومن ثمّ، فإن استهدافها يشكّل أداة ضغط متعددة الأبعاد، قادرة على تعطيل القدرات القتالية واللوجستية، وإرباك الخدمات المدنية، وإحداث أثر مباشر على الاستقرار الداخلي والإقليمي، بما يجعلها محورًا حاسمًا في فهم ديناميات النزاعات المسلحة وإدارة الأزمات في السياقين الإقليمي والدولي.

تأثير العمليات على زمن الحرب:

يمثّل الوقود أحد المرتكزات الأساسية لاستدامة العمليات العسكرية الحديثة، إذ تعتمد عليه منظومات النقل والإمداد، وتحركات القوات البرية، وتشغيل الطائرات والمركبات العسكرية، إضافة إلى تشغيل البنية اللوجستية الداعمة للعمليات. ومن هذا المنطلق، فإن استهداف خزانات الوقود أو مرافق التخزين والتكرير لا يقتصر على إحداث خسائر مادية مباشرة، بل يهدف في جوهره إلى تقويض القدرة التشغيلية للقوات العسكرية عبر إضعاف تدفق الإمدادات الحيوية، ويترتب على ذلك تقليص وتيرة العمليات الهجومية، وإجبار القوات على إعادة توزيع الموارد المتبقية بين الجبهات المختلفة، الأمر الذي يؤدي تدريجيًا إلى إبطاء مسار العمليات العسكرية وإطالة أمد النزاع بدلًا من حسمه سريعًا.

ومع ذلك، فإن تأثير هذه الهجمات ليس حتميًا أو مطلقًا؛ إذ تلجأ الدول المستهدفة عادة إلى استراتيجيات تعويضية مثل الاعتماد على المخزونات الاستراتيجية، أو البحث عن مصادر استيراد بديلة عبر خطوط إمداد جديدة، فضلًا عن إعادة ترتيب أولويات العمليات العسكرية من خلال تقليل الأنشطة العسكرية غير الضرورية والتركيز على الجبهات الأكثر أهمية. وهنا تتشكل معادلة معقّدة بين استنزاف العدو واستنزاف الموارد الذاتية، حيث يسعى الطرف المهاجم إلى إضعاف القدرات اللوجستية لخصمه، بينما يحاول الطرف المستهدف الحفاظ على الحد الأدنى من القدرة التشغيلية لضمان استمرار العمليات.

ويستدل من ذلك أن فقدان نسبة كبيرة من خزانات الوقود الرئيسية يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على قدرة العمليات العسكرية لفترة قد تمتد من عدة أسابيع إلى شهرين، تبعًا لحجم المخزون وسرعة القدرة على التعويض. كما يسهم غالبًا في إبطاء إيقاع العمليات وتقييد حرية الحركة العسكرية، وهو ما يحوّل الصراع إلى حرب أطول وأكثر استنزافًا للطرفين.

وتؤكد الخبرة التاريخية هذا النمط؛ ففي حرب الخليج، أدت الهجمات على منشآت النفط العراقية إلى خسائر اقتصادية جسيمة ورفع تكلفة الحرب، لكنها لم تكن كافية لحسم النزاع بمفردها. وعلى نحو مشابه، فإن استهداف المصافي ومرافق التخزين في الحرب السورية ساهم في تعطيل شبكات الإمداد ورفع تكلفة العمليات، لكنه دفع الأطراف إلى البحث عن بدائل غير رسمية، مما أطال أمد الصراع وزاد من تعقيد مساراته.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن استهداف البنية التحتية للوقود يمثّل أداة ضغط استراتيجية أكثر منه وسيلة حاسمة لإنهاء النزاعات المسلحة؛ فهو يضعف القدرات اللوجستية ويفرض أعباء اقتصادية متزايدة، لكنه غالبًا ما يؤدي إلى تمديد مدة النزاع وتعقيده بدلًا من حسمه بشكل سريع.

واستنتاجًا، يتضح أن استهداف البنية التحتية للوقود لم يعد تكتيكًا عسكريًا محدودًا، بل تحوّل إلى أداة استراتيجية متعددة الأبعاد تؤثر في مسار النزاعات المسلحة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. فالهجمات التي طالت منشآت الوقود في إيران وامتدت تداعياتها إلى بعض مرافق الطاقة في الخليج تعكس انتقال الصراع إلى مستوى جديد يقوم على ضرب الشرايين اللوجستية والاقتصادية التي تُشكّل أساس قدرة الدول على الاستمرار في الحرب؛ فهو يفرض نمطًا من الحروب الممتدة القائمة على الاستنزاف المتبادل، بما يزيد من تعقيداتها السياسية والاقتصادية ويطيل أمدها، ويجعل من الوقود محورًا حاسمًا في فهم ديناميات الأمن الإقليمي والدولي في المرحلة الراهنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى