رهانات الداخل: هل يهدد المستقلون احتكار الحزبين في الانتخابات النصفية الأمريكية؟

شهد محمود-باحثة مساعدة
لعقود مضت، ظل المشهد السياسي الأمريكي محصورًا داخل حلبة ثنائية القطب، حيث يتقاسم الديمقراطيون والجمهوريون ولاءات الشارع. ورغم هذا الانقسام التقليدي، برزت دائمًا فئة في المنتصف تُعرف بـ “الناخبين المستقلين”. لكن ما كان يُعتبر مجرد استثناء، بات اليوم ظاهرةً تفرض نفسها بقوة؛ إذ تشير الإحصاءات إلى تحول دراماتيكي في الولاءات السياسية، خاصة لدى الأجيال الشابة.
ففي حين ينقسم جيل زد (Gen Z) بوضوح عن القوالب الحزبية الجامدة، نجد أن نحو56% منهم يرفضون التبعية لأي من القطبين، مفضلين الاستقلال السياسي، مقابل نسب ضئيلة تميل للجمهوريين (17%) أو الديمقراطيين (27%). هذا الصعود المتسارع للمستقلين يطرح تساؤلًا جوهريًا قد يعيد رسم خارطة القوة في واشنطن: هل يمتلك هؤلاء المستقلون القدرة على كسر احتكار الحزبين وتهديد وجودهما التقليدي في السنوات المقبلة؟ ومع تصاعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يبرز تساؤل آخر: كيف تحولت الحرب إلى وقود يغذي نفور المستقلين من الحزبين؟
من الميل الحزبي إلى النفور السياسي
لا يُعرف المستقلون في العرف السياسي الأمريكي بالضرورة ككتلة أيديولوجية جامدة، بل هم الناخبين الذين يرفضون القيد الحزبي، مفضلين صياغة قناعاتهم بناءًا على مواقف المرشحين تجاه قضايا بعينها. وتتنوع هذه الفئة بين “مستقلين مائلين” يضمرون ولاءًا خفيًا لأحد القطبين، وآخرين تتغير بوصلتهم مع كل دورة انتخابية وفقًا للظروف الاقتصادية، وصولًا إلى أنصار “الطرف الثالث” الباحثين عن بدائل خارج الصندوق التقليدي.
وتكشف بيانات مؤسسة “جالوب” الممتدة منذ عام 1988 أن هؤلاء ليسوا مجرد ظاهرة طارئة، بل هم الكتلة الكبرى تاريخيًا في المشهد الأمريكي. إلا أن الزخم الحقيقي انطلق عام 2011، حين قفزت نسبتهم لتتجاوز حاجز الـ 40% بشكل دائم، وصولًا إلى ذروة قياسية بلغت 45% في عام 2025؛ وهو ما يعكس اتساعًا غير مسبوق في الفجوة بين تطلعات الشارع والمؤسسات الحزبية التقليدية.
وخلافًا للنمط التقليدي الذي كان يرى في المستقلين مجرد ناخبين مترددين يميلون في النهاية لأحد القطبين عند صناديق الاقتراع، تكشف معطيات عام 2025 عن تحول بنيوي أعمق؛ إذ استبدل الجيل الجديد المرونة السياسية بنوع من “النفور الصريح”. ووفقًا لبيانات جامعة شيكاغو (نوفمبر 2025)، فإن الهوة اتسعت بشكل صادم، حيث يحمل 56% من جيلي الألفية و”زد” نظرة سلبية تجاه الديمقراطيين، وتتفاقم هذه النسبة لتصل إلى 62% تجاه الجمهوريين.
حرب إيران في ميزان الناخبين المستقلين
لا ينبع نفور المستقلين من فراغ، بل هو نتاج تراكمي لفشل الحزبين في ترتيب “الأولويات الأمريكية”. فبينما يغرق المواطن العادي في دوامة التضخم وعدم الاستقرار المالي والاجتماعي، يرى الشباب الأمريكي أن واشنطن لا تزال وفية لسياسة “الإقحام العسكري” في صراعات خارجية، بدءًا من غزة وصولًا إلى إيران، متجاهلةً الأزمات المعيشية المتفاقمة في الداخل.
وتكمن المفارقة الصارخة في المشهد السياسي لعام 2026؛ في أنه رغم عودة الجمهوريين للحكم، وخوض الرئيس دونالد ترامب حملته الانتخابية تحت شعار إنهاء “الحروب الأبدية” لم يتغير النهج كثيرًا. كما أن وتيرة الضربات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران وضعت هذه الوعود على المحك، وكشفت عن تورط جديد في صراع إقليمي يستنزف الموارد على حساب الأولويات الداخلية.
هذا الوضع ترجمته لغة الأرقام بوضوح، فوفقًا لاستطلاع أجرته وكالة “رويترز”، عبّر 44% من المستقلين عن معارضتهم الصريحة لهذه الضربات، مقابل تأييد ضئيل لا يتجاوز 19%. وفي ذات السياق، كشف استطلاع لصحيفة “واشنطن بوست” أن 51% من الكتلة المستقلة تطالب بوقف العمليات العسكرية فورًا. هذه البيانات لا تعكس مجرد موقف سياسي عابر، بل تؤكد أن “الناخب المستقل” بات يرى في آلة الحرب، التي يستخدمها الحزبان، عائقًا حقيقيًا أمام تحقيق “الأمان الاقتصادي” الذي وُعد به ولم يجده.
محددات التأثير
في الواقعِ، يَواجه هذا التهديد عددًا من العوائق لصالح النظام الحزبي الثنائي، تتمثل في الآتي:
هيكلية النظام الانتخابي الأمريكي: يُعد النظام الانتخابي في الولايات المتحدة أحد أبرز العوامل التي تجعل المنافسة صعبة أمام المرشحين المستقلين. فالانتخابات تقوم على نظام الأغلبية البسيطة (First-Past-The-Post) وعلى الدوائر الفردية، حيث يفوز المرشح الذي يحصل على أعلى عدد من الأصوات حتى لو لم يحقق الأغلبية المطلقة، فمثلًا، إذا حصل مرشح ديمقراطي على 40% من الأصوات، ومرشح جمهوري على 39%، ومرشح مستقل على 21%، فإن الفوز يذهب للمرشح الديمقراطي رغم أن أغلبية الناخبين لم تصوت له. في مثل هذا النظام يخشى كثير من الناخبين دعم المرشح المستقل الذي يفضلونه، ويميل كثيرٌ منهم إلى التصويت لما يرونه “الخيار الأقل سوءًا” بين الحزبين الكبيرين، وهو ما يحدّ من فرص المرشحين المستقلين في تحقيق نتائج مؤثرة.
نظام الانتخابات التمهيدية: تمثل مرحلة أساسية في العملية الانتخابية الأمريكية، إلا أن طبيعتها في بعض الولايات تشكل عائقًا إضافيًا أمام المستقلين. ففي عدد من الولايات تُجرى الانتخابات التمهيدية بنظام مغلق، بحيث يقتصر التصويت فيها على الأعضاء المسجلين داخل الحزب فقط. ونتيجة لذلك يُستبعد الناخبون المستقلون من المشاركة في هذه المرحلة المهمة، رغم أن نتائجها تحدد المرشحين الذين سيخوضون الانتخابات العامة. وتشير تقديرات لمنظمات مدنية أمريكية مثل open primariesإلى أن نحو 16.6 مليون ناخب مستقل في 16 ولاية لا يُسمح لهم بالتصويت في الانتخابات التمهيدية، الأمر الذي يعكس مدى محدودية تأثيرهم داخل العملية السياسية.
التلاعب بالدوائر الانتخابية: بعد كل تعداد سكاني يُجرى كل عشر سنوات، يُعاد رسم حدود الدوائر الانتخابية بهدف تحقيق توازن في عدد السكان، إلا أن هذه العملية غالبًا ما تكون بيد الحزب الحاكم في الولاية، وهو ما يمنحه القدرة على رسم الدوائر بطريقة تخدم مصالحه الانتخابية. ويتم ذلك من خلال توزيع أو تجميع ناخبي الحزب المنافس داخل دوائر محددة بما يقلل من تأثير أصواتهم ويزيد من فرص فوز مرشحي الحزب المسيطر. ونتيجة لذلك تصبح المنافسة أكثر صعوبة أمام المرشحين المستقلين الذين لا يمتلكون نفس القدر من النفوذ داخل المؤسسات السياسية.
قوانين الوصول إلى بطاقات الاقتراع: يحصل مرشحو الحزبين الرئيسيين عادةً على إدراج شبه تلقائي في بطاقة الاقتراع اعتمادًا على وضعهما كأحزاب كبرى ونتائجهما السابقة في الانتخابات، كما يتم اختيار مرشحيهما من خلال الانتخابات التمهيدية دون الحاجة إلى إجراءات إضافية معقدة. في المقابل، يُطلب من المرشحين المستقلين والأحزاب الصغيرة في كثير من الولايات جمع عدد كبير من التوقيعات من ناخبين مسجلين حتى يتمكنوا من الظهور على بطاقة الاقتراع، وغالبًا ما يكون ذلك خلال فترة زمنية محدودة ومع شروط أخرى تُعد معقدة بالنسبة لهم.
التمويل الانتخابي: إلى جانب ذلك، يصطدم المستقلون والأحزاب الثالثة بجدار التمويل، حيث يفتقرون للقدرة المالية اللازمة لإطلاق حملات دعائية عابرة للولايات تضاهي الحزبين الكبيرين. وفي ظل نظام سياسي يعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الخاص، تتجه تبرعات الشركات الكبرى وكبار المانحين غالبًا نحو الديمقراطيين والجمهوريين باعتبارهم ‘الخيول الرابحة’ المضمونة في السباق. هذا التحيز التمويلي يخلق حلقة مفرغة؛ فغياب الدعم المالي يحرم الأحزاب الصغيرة من الانتشار الجماهيري، وضعف الانتشار بدوره يجعلها استثمارًا غير آمن في نظر الممولين، مما يكرس الهيمنة الثنائية ويحول دون بزوغ بديل سياسي حقيقي.
وإجمالًا لما سبق، تتبنى الأجيال الجديدة وعيًا راديكاليًا يرفض القوالب الحزبية الجامدة، مدفوعًا بخيبات أمل متراكمة من وعود لم تتحقق، وحروب غير مشروعة، وأزمات معيشية متجاهلة، لكن هذا التحول يصطدم بقدرات مؤسسية قوية تحافظ على استمرار القطبية الثنائية بكل صلابة. صحيح أن نسبة المستقلين في ازدياد مستمر، وأن الولاء الحزبي للحزبين الرئيسيين يتراجع بشكل واضح بين الشباب، إلا أن ذلك لا ينذر بالضرورة بانهيار الحزبين التقليديين على المدى القريب. ما نشهده هو تآكل تدريجي وملموس في الشرعية الشعبية للمؤسسات الحزبية الراسخة.
نتيجة لذلك، يغرق النظام السياسي الأمريكي في جمود هيكلي يحد من قدرته على الاستجابة للتطلعات والأولويات الشعبية المتغيرة. وبالتالي، يبدو أن التحول الجيلي الحالي، على الأقل في الأفق القصير، لن يؤدي إلى ظهور قوة ثالثة قادرة على كسر احتكار الحزبين الكبيرين. لكنه يضع السياسة الأمريكية أمام مفترق حاسم: إما أن يجبر الحزبين على تحول داخلي جذري يستجيب للأولويات الجديدة، في محاولة لاستعادة ثقة الصفوف النافرة وتحسين فرص كل منهما، أو أن يستمر الخلل المنظومة السياسية، حيث تُدار الدولة بمؤسسات تفتقر إلى الحد الأدنى من الثقة الشعبية.