توازنات الحرب: ما موقع اليمن في الحسابات الإقليمية الجديدة؟

علاء توفيق- باحث سياسي يمنى.

تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة تصعيد عسكري وسياسي متسارع على خلفية المواجهة مع إيران وما تعرضت له من ضربات إسرائيلية، وما تبع ذلك من ردود فعل عسكرية وتحركات دبلوماسية تعكس دخول المنطقة مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية. هذه التحركات لا تقتصر آثارها على أطراف الصراع المباشرين، بل تمتد إلى الدوائر الجغرافية الأوسع المرتبطة بحركة التجارة والطاقة وأمن الملاحة الدولية.

حسابات منطقية:

وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من المناطق ذات الحساسية الاستراتيجية التي قد تتأثر بشكل مباشر بتداعيات هذه المواجهة، وفي مقدمتها اليمن بحكم موقعه الجغرافي المطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. فالتطورات المرتبطة بالمواجهة مع إيران لا تتعلق فقط بمسار الصراع العسكري، بل ترتبط أيضاً بإعادة تشكيل التوازنات في محيط الخليج والبحر الأحمر، وهو ما يجعل قراءة المخاطر المحتملة ضرورة لفهم انعكاسات هذه التحولات على اليمن وأمن الملاحة الدولية في المنطقة.

من منظور تقييم المخاطر، لا يقتصر التحدي على احتمالات اتساع الحرب، وإنما يشمل أيضاً شكل التوازنات التي قد تفرزها هذه المواجهة. ففي الحسابات الجيوسياسية المعقدة، لا يؤدي إضعاف الخصم دائماً إلى مكسب صافي للطرف الآخر؛ إذ إن انهياره الكامل قد يفتح الباب أحياناً أمام فراغ استراتيجي تتقدم قوى أخرى لملئه. وهذا ما يفسر جانباً مهماً من الحذر الذي يطبع مقاربات بعض الدول الإقليمية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.

خلال السنوات الأخيرة دخلت الرياض مرحلة إعادة تعريف لدورها الإقليمي والدولي. وقد ارتبط هذا التحول بمشروع اقتصادي وسياسي يسعى إلى نقل المنطقة إلى مرحلة من الاستقرار الاقتصادي طويل الأمد، القادر على جذب استثمارات عالمية كبيرة. نجاح هذا المسار يتطلب بيئة إقليمية أقل توتراً وأكثر قابلية للتنبؤ، وهو ما دفع المملكة إلى توسيع علاقاتها الدولية بطريقة تمنحها مساحة حركة أوسع داخل النظام الدولي.

فالمملكة تحتفظ بتحالفها الأمني مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه طورت شراكات اقتصادية متقدمة مع الصين، وأبقت قنوات الحوار مفتوحة مع روسيا. هذه المعادلة توفر للرياض قدرة أكبر على المناورة في بيئة دولية تتجه تدريجياً نحو تعددية في مراكز القوة.

وفي هذا الإطار، لا يبدو انهيار الدولة الإيرانية خياراً مفضلاً لدى صناع القرار في الرياض. فإضعاف طهران قد يحد من مصادر التهديد المباشر، غير أن تفككها الكامل قد يخلق فراغاً جيوسياسياً واسعاً. مثل هذا الفراغ قد يسمح بظهور ترتيبات أمنية جديدة تقودها إسرائيل بدعم أمريكي، وهو ما قد يعيد تشكيل علاقة الخليج بالغرب وفق معادلة الحماية مقابل الامتيازات السياسية والاقتصادية.

ومن زاوية تقييم المخاطر، تميل هذه القراءة إلى سيناريو يوازن بين هدفين: الأول تقليص قدرة إيران على التأثير في أمن المنطقة، والثاني تجنب انهيار الدولة الإيرانية بما قد يحمله ذلك من تداعيات غير محسوبة على التوازنات الإقليمية. فوجود إيران كدولة داخل نظام إقليمي مستقر يبقى أقل كلفة من فراغ استراتيجي قد يعيد المنطقة إلى أنماط الهيمنة التقليدية.

هذا التقدير يفسر أيضاً جانباً من الحذر في التعامل مع حلفاء طهران في المنطقة. فرغم الصراع المباشر مع هذه القوى، فإن إزاحتها بالكامل في لحظة إقليمية شديدة الحساسية قد يفتح المجال أمام تمدد قوى أخرى تسعى إلى تثبيت نفوذها بعد تحييد إيران.

وتدرك العواصم الإقليمية أن إسرائيل تعمل منذ سنوات على ترسيخ موقعها كمركز إقليمي تتحرك حوله بقية اقتصادات الدول في المنطقة. وفي هذا السياق يصبح المشروع الاقتصادي السعودي، الذي يسعى إلى تحويل المنطقة إلى مركز استثمار عالمي، منافساً مباشراً لهذا التوجه. وقد أشار ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى رؤية تقوم على تحويل الشرق الأوسط إلى منطقة مزدهرة قادرة على جذب الاستثمارات العالمية.

تحقيق هذا الهدف يتطلب استقراراً طويل الأمد، لأن رأس المال العالمي يتجنب البيئات التي تتسم بتقلبات عسكرية متكررة أو أزمات سياسية دائمة. ومن هنا يمكن فهم ميل الرياض إلى تهدئة بؤر التوتر الإقليمي متى ما كان ذلك ممكناً. هذه المقاربة لا تعكس تراجعاً في القدرة أو الإرادة السياسية، بقدر ما تعكس قراءة مختلفة لطبيعة النفوذ في المرحلة القادمة، حيث يرتبط معيار القوة الاقتصادية بالاستقرار أكثر مما يرتبط بالصراع المفتوح.

موقع اليمن في الحرب:

غير أن التصعيد المرتبط بإيران يتجاوز توازنات الدول الكبرى ليصل تأثيره إلى مناطق جغرافية حساسة في محيط الخليج والبحر الأحمر. ويأتي اليمن في مقدمة هذه المناطق بحكم موقعه على الممر البحري الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي عبر باب المندب وخليج عدن. هذا الموقع يجعل التطورات الإقليمية تنعكس بشكل مباشر على التوازنات اليمنية.

ويأتي اجتماع مجلس القيادة الرئاسي برئاسة الرئيس رشاد محمد العليمي لمناقشة تداعيات التصعيد الإقليمي حاملاً رسالة واضحة إلى المليشيات الحوثية بضرورة تجنب الانخراط في المواجهة المرتبطة بإيران.

هذا التحذير يعكس إدراكاً بأن انخراط الحوثيين في التصعيد قد يؤدي إلى فتح جبهة إضافية في البحر الأحمر، وهو ما قد يهدد الملاحة الدولية ويضاعف المخاطر على أمن الخليج. لذلك تبدو الأولوية الحالية لدى الرياض والحكومة الشرعية مركزة على منع تحول اليمن إلى مسرح إضافي للمواجهة الإقليمية.

كما تشير مؤشرات إدارة الصراعات إلى أن الضربات العسكرية التي تستهدف قيادة تنظيم أو قدراته لا تؤدي بالضرورة إلى انهياره الكامل. فالمواجهة الطويلة بين إسرائيل وحزب الله اللبناني تقدم مثالاً واضحاً؛ فعلى الرغم من العمليات العسكرية المتكررة، ظلت تهديدات الحزب جزءاً من المعادلة الأمنية في المنطقة.

والقياس على الحالة الإيرانية يقود إلى استنتاج مشابه؛ فإضعاف القدرات العسكرية أو القيادية للنظام الإيراني قد يقلص نفوذه، لكنه لا يعني بالضرورة سقوطه أو تفكك حلفائه. في مثل هذه الحالات يتحرك الحلفاء لإعادة ترتيب مواقعهم، بينما تسعى القوى المنافسة إلى تعزيز حضورها في المناطق ذات القيمة الاستراتيجية.

اليمن يدخل ضمن هذه الحسابات بحكم تأثيره المباشر على أمن الخليج والممرات البحرية. ولهذا فإن أي تحول في وضع إيران سينعكس على التوازنات داخل اليمن، سواء في مناطق سيطرة الحوثيين في الشمال أو في المحافظات الجنوبية التي تمثل جزءاً أساسياً من الجغرافيا البحرية للدولة اليمنية.

في المرحلة الحالية تبدو الحسابات السعودية مركزة على هدف أساسي يتمثل في منع تحول اليمن إلى جبهة إضافية في المواجهة مع إيران. وهذا الهدف يفسر التركيز على تحذير الحوثيين من أي تصعيد قد يستهدف الأراضي السعودية أو الملاحة في البحر الأحمر.

غير أن تركيز الجهد الإقليمي على احتواء أي تحركات حوثية قد يفتح المجال لتحركات سياسية في ملفات أخرى داخل اليمن، ومن بينها الترتيبات السياسية والأمنية في المحافظات الجنوبية التي تمثل موقعاً مهماً في منظومة الأمن البحري للدولة اليمنية وفي التوازنات الداخلية للبلاد.

فخلال السنوات الماضية بنت دولة الإمارات علاقات سياسية وعسكرية مع عدد من القوى المحلية في تلك المحافظات، وهو ما منحها القدرة على التأثير في بعض التوازنات. ومع اقتراب المنطقة من مرحلة إعادة ترتيب النفوذ، قد تسعى أبوظبي إلى الحفاظ على هذا الحضور أو تعزيزه في أي ترتيبات إقليمية قادمة.

وفي هذا السياق يبرز مسار الحوار بين المكونات السياسية في المحافظات الجنوبية، برعاية المملكة العربية السعودية، كأحد الملفات التي قد تتحول إلى أداة تأثير سياسي. هذا الحوار يهدف في الأصل إلى تنظيم العلاقة بين هذه القوى ضمن إطار الدولة اليمنية، إلا أن استمرار هذا المسار دون نتائج واضحة قد يفتح المجال أمام استخدامه كورقة ضغط في لحظة إقليمية حساسة.

بعض التقديرات السياسية تشير إلى احتمال الدفع نحو إطالة هذا المسار أو إبقائه في حالة عدم حسم عبر قوى مرتبطة بأطراف إقليمية مختلفة. إبقاء الملف مفتوحاً قد يسمح بإعادة التفكير في تغيير الجهة الراعية للحوار في مرحلة لاحقة.

هذا الاحتمال يكتسب أهمية أكبر إذا أدت التطورات المرتبطة بإيران إلى توسيع التحالفات الأمنية والاقتصادية التي تتشكل في المنطقة. ففي مثل هذا السياق قد تسعى بعض الدول إلى تعزيز حضورها في المواقع الجغرافية الأكثر أهمية، ومن بينها السواحل اليمنية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن.

ضمن هذه البيئة قد تظهر دعوات داخل بعض الأوساط السياسية في المحافظات الجنوبية تطالب بنقل رعاية الحوار من الرياض إلى عاصمة إقليمية أخرى، مستندة إلى أحداث ميدانية أو خلافات سياسية لتبرير هذا التحول.

إن حساسية هذا التطور لا تتعلق فقط بالتوازنات المحلية، بقدر ارتباطها بلحظة إقليمية يعاد خلالها توزيع النفوذ في البحر الأحمر وخليج عدن. انتقال إدارة هذا الملف إلى أطراف إقليمية أخرى قد يفتح الباب أمام تعقيدات إضافية في المشهد اليمني.

المخاطر المحتملة:

لهذا يبرز عامل الوقت بوصفه عنصراً مهماً في إدارة هذا المسار. تسريع استكمال الحوار بين المكونات السياسية في المحافظات الجنوبية برعاية المملكة العربية السعودية قد يقلل من فرص تسييس هذا الملف ضمن الصراع الإقليمي، ويحافظ عليه داخل الإطار الذي يربط اليمن بشركائه الإقليميين.

وفي ضوء هذه المعطيات يمكن تلخيص المخاطر الرئيسية في ثلاثة مسارات مترابطة: الأول احتمال توسع المواجهة الإقليمية، والثاني تحول اليمن إلى ساحة ضغط غير مباشر بين القوى الإقليمية، أما الثالث فيتعلق بإمكانية استغلال الانقسامات السياسية الداخلية في بعض المناطق الساحلية المهمة.

التعامل المبكر مع هذه المخاطر، عبر تسريع المسارات السياسية الداخلية وتعزيز التنسيق مع الشركاء الإقليميين، قد يحد من تداعياتها ويحافظ على موقع اليمن ضمن التوازنات الإقليمية التي تتشكل في هذه المرحلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى