عوامل ضاغطة: لماذا تراجع الدور الأوروبي في حرب إيران من “الفاعل” إلى “المراقب”؟

شهد محمود- باحثة في وحدة الدراسات الدولية.
لطالما شكّلت القارة الأوروبية رقماً صعباً في معادلة التوازنات الدولية والقضايا الإقليمية، إلا أن التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل في الثامن والعشرين من فبراير وضع الثقل السياسي الأوروبي تحت مجهر الاختبار. ورغم ضخامة الحدث، اتسم الموقف الأوروبي بنوع من الانكفاء، وظهرت ردود الأفعال في إطار من المحدودية التي تفتقر إلى الفاعلية المعهودة. وهذا يضعنا أمام تساؤل جوهري: هل يعكس هذا الرد سقفاً جديداً للدور الأوروبي في الشرق الأوسط؟ وما الذي يمنع القوى الأوروبية الكبرى من التحول من دور “المراقب القلق” إلى “الفاعل المؤثر”؟
الوسطاء الأوروبيون في ظل التصعيد:
تجسدت محدودية الرد الأوروبي في الاكتفاء بـالمناشدة، حيث انحصرت تصريحات المفوضية الأوروبية في قوالب جاهزة تدعو لـ “ضبط النفس” و”القلق العميق”، وهي عبارات تعكس عجزاً بنيوياً أكثر مما تعكس موقفاً سياسياً. وبينما كان المتوقع من الثلاثي الأوروبي، فرنسا وألمانيا وبريطانيا، القيام بدور الوسيط التاريخي، اختاروا التواري خلف جدار التنسيق الوثيق مع واشنطن وتل أبيب، مكتفين بإدانات تقليدية لبرنامج إيران النووي وصواريخها الباليستية، دون تقديم مبادرة دبلوماسية واحدة قادرة على جمع الأطراف المتصارعة على طاولة المفاوضات. لقد بدا المشهد وكأن القارة العجوز قد استقالت من دورها كمدير للأزمات لتتحول إلى مراقب سلبي يرقب الأحداث من بعيد، متجنبةً اتخاذ مواقف حازمة قد تمنحها ثقلاً في ميزان القوى.
أما السمة الأبرز لهذا الرد، فهي غياب الاستقلال الاستراتيجي، إذ ظهر الموقف الأوروبي كصدى للمصالح الأمريكية وليس كقطب دولي موازي. فقد تحركت العواصم الأوروبية في المساحات الضيقة التي سمحت بها الإدارة الأمريكية، مما حول دورها من وسيط مستقل إلى طرف تكميلي يسعى لتجنب الصدام المباشر. ويتضح هذا الارتباك في مسارعة الدول الأوروبية للنأي بنفسها عن الضربات العسكرية، ليس رغبةً في التهدئة بقدر ما هو محاولة لتجنب الغضب الإيراني وحماية مصالحها. إن هذا التماشي مع الأجندة الأمريكية أفقد أوروبا قدرتها على المناورة وجعل موقفها من تحريك الصراع محكوماً بسقف التفاهمات الأمريكية الإسرائيلية، مما جعل وجودها السياسي في هذه الأزمة باهتًا، تابعًا، ومحدود الأثر.
عوامل مؤثرة:
لم يكن الانكفاء الأوروبي وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تقاطع جملة من القيود التي كبلت القارة العجوز، ويمكن بلورتها في النقاط التالية:
(*) الجزرة المفقودة: تفتقر أوروبا في هذا الصراع إلى “الجزرة” أو الحوافز المقنعة التي يمكن تقديمها للأطراف، وتحديداً لإيران. فالتاريخ القريب يشهد على فشل المبادرات الأوروبية في تقديم ضمانات اقتصادية ملموسة؛ وخير مثال على ذلك هو عجز آلية “إنستكس” (INSTEX) التي استحدثتها أوروبا للالتفاف على العقوبات الأمريكية بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي (JCPOA) عام 2018. هذا الفشل حوّل أوروبا في نظر طهران من “ضامن للاتفاقات” إلى “طرف عاجز” لا يملك سلطة تنفيذ وعوده أمام الهيمنة المالية الأمريكية، مما أفقد الوسيط الأوروبي أهم أدواته وهي القدرة على المكافأة.
(*) التصدع في وحدة الموقف: خلف قناع البيانات الموحدة للمفوضية الأوروبية، تكمن تباينات حادة، ففي ألمانيا، المحكومة بعقدة المسؤولية التاريخية تجاه إسرائيل، تتبنى موقفاً يتماشى بشكل شبه كامل مع تل أبيب، مما يضعف صورتها كوسيط محايد. على الكافة الأخرى توجد اسبانيا، التي تمثل تياراً أكثر نقداً، حيث رفض رئيس وزرائها بيدرو سانشيز العمل العسكري الأحادي محذراً من تبعات التصعيد على السلم الدولي.
(*) ميزان المصالح: تعاني السياسة الأوروبية من حالة شلل ناتجة عن تضارب المصالح، فهي من جهة لا تستطيع المغامرة بعلاقتها الاستراتيجية مع واشنطن، ومن جهة أخرى تخشى بشدة من فاتورة الصراع الإقليمي. حيث يعني الصراع تهديدًا صريحًا لأمن الطاقة، إضافة الى موجات لجوء غير مسبوقة، وهو الملف الأكثر حساسية وتفجيراً للمجتمعات الأوروبية داخلياً.
(*) الاستزاف في الجبهة الشرقية: لا يمكن قراءة المحدودية الأوروبية بمعزل عن الصراع المحتدم على حدودها الشرقية، فانشغال الدول الأوروبية بالملف الروسي الأوكراني، إلى جانب الضغوط الاقتصادية واعتبارات الأمن الداخلي،، دفعها إلى تبني مقاربة أكثر تحفظًا. فالحرب الروسية الأوكرانية فرضت على القارة حالة من الإنهاك الدبلوماسي والعسكري، حيث استنزفت كييف مخازن السلاح الأوروبية والجهد المالي والسياسي لبروكسل.
في الختام، يبدو أن أوروبا اختارت الوقوف في منطقة “المراقب الحذر” الذي يرقب موازين القوى دون الغرق في رمال الصراع المتحركة. وبينما تتركز الهواجس الأوروبية بالدرجة الأولى على كبح الطموح النووي الإيراني عبر القنوات الدبلوماسية، تظهر الفجوة واضحة مع التوجهات الأمريكية التي قد تذهب بعيداً نحو استهداف بنية النظام الإيراني بالكامل؛ وهو سيناريو تخشى أوروبا تداعياته الكارثية على أمنها القومي.
إن هذا الانكفاء الأوروبي ليس مجرد خيار سياسي، بل هو اعتراف واقعي بمحدودية القدرة؛ فالوجود العسكري الأوروبي لن يشكل إضافة نوعية للترسانة الأمريكية الضخمة، كما أن الرفض البريطاني الأخير لاستخدام قواعدها في توجيه ضربات لإيران يبعث برسالة مفادها عدم وجود رغبة في التورط العسكري المباشر. ومع ذلك، يظل هذا الصبر الاستراتيجي الأوروبي مرهوناً بعدم تجاوز الخطوط الحمراء للمصالح الحيوية؛ ففي حال خرج التصعيد عن السيطرة ووصل إلى مرحلة تهديد الملاحة في مضيق هرمز، قد تضطر أوروبا للتدخل، ولكن ليس كطرف عسكري، بل كقوة ضغط تهدف لفرض التهدئة وحماية تدفقات الطاقة. وبناءً عليه، ستبقى أوروبا “لاعباً تكميلياً” يتحرك في الهوامش التي تضمن بقاءها بعيداً عن نيران الحرب.