الأزمة العاصفة: هل تتجه الأوضاع في الصومال إلى مزيد من التصعيد بسبب تنظيم الانتخابات؟

لا تزال الأوضاع الداخلية في الصومال تهيمن عليها حالة من اللبس والغموض في ظل استمرارية الخلافات بين القوى المختلفة بشأن إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي كان من المفترض بدايتها في ديسمبر 2020، بيد أن العملية تعطلت وسط خلافات بين الحكومة المركزية المدعومة من قبل أطراف خارجية على رأسها تركيا، والولايات الإقليمية وبقية قوى المعارضة التي ترى أن الرئيس “عبد الله فيرماجو” يسعى بكافة السبل إلى إعادة انتخابه لفترة رئاسية جديدة؛ وهو ما دفع الأمم المتحدة في 27 يناير الجاري للتحذير من أن الصومال باتت تمثل منطقة لا يمكن التنبؤ بها في ظل تصاعد إحتمالات الدخول في مسار الحرب الأهلية.

نحو مصير مجهول:

أعلن المبعوث الأممي إلى الصومال “جيمس أسوان” أنه لا يمكن توقع اجراء الانتخابات الصومالية في موعدها، ومن ثم بات التركيز منصباً في الوقت الراهن على محاولة كسر الجمود السياسي والتوصل إلى توافقات بين القوى المختلفة للحيلولة دون مزيد من عدم الاستقرار في الصومال.

ويتمسك الرئيس الصومال “عبد الله فرماجو” بإجراء الانتخابات بشكل أحادي وجزئي بدون أي توافق مع بقية القوى السياسية، في ظل غياب ولايتي “جوبلاند” و”بونتلاند”، وهو ما يحمل مؤشرات خطيرة بشأن الوضع السياسي والأمني في الداخل الصومالي.

وقد بدأت مؤشرات فراغاً دستورياً محتملاً في الصومال؛ في ظل استمرارية أزمة الاستحقاق الإنتخابي، حيث أنتهت المدة القانونية للبرلمان الفيدرالي في 27 ديسمبر 2020، ومن المفترض أن تنتهي ولاية رئيس الجمهورية في 8 فبراير المقبل، الأمر الذي يحمل مؤشرات خطيرة للتصعيد، قد تنتج عن فقدان شرعية الرئيس الصومالي حال عدم اجراء انتخابات قبل موعد نهاية ولايته، أو حدوث توافقات وتفاهمات بين الحكومة وقوى المعارضة.

وعلى الرغم من محاولات متعددة للوساطة بين أطراف الصراع في الداخل الصومالي، بيد أن جميعها بائت بالفشل، ما دفع الحكومة للإعلان في 8 يناير الجاري عن الاستعداد لإجراء الانتخابات البرلمانية بدون أي توافق مع بقية القوى السياسية، وفي ظل غياب ولايتي “جوبلاند” و”بونتلاند”.

إشكالية قانونية:

أعتمد الصومال منذ عام 2000 نظاماً خاصاً للإنتخابات غير المباشر والذي يسمى نظام ( 4.5) حيث تم تقسيم القبائل إلى أربعة كتل عشائرية كبيرة ( در، دارود، هوية، دغل ومرفلي)، وتحصل هذه الكتل على حصص متساوية من المقاعد داخل مجلس النواب ( والمكون من 275 مقعداً)، حيث تحصل كل كتلة على 61 مقعداً ( 61 × 4= 244) بينما تحصل بقية القبائل الصغيرة مجتمعة على نصف حصة (31 مقعداً)، وتقوم القبائل بإختيار 30 ألف ناخب من بينهم لكي يقوم هؤلاء بدورهم بإنتخاب أعضاء مجلس النواب. أما بالنسبة مجلس الشيوخ (المكون من51 عضوا)، فيتم إنتخابه من قبل برلمانات الولايات الخمس عبر 11 مركز اقتراع على مستوى البلاد، فيما يختار أعضاء المجلسين ( النواب والشيوخ) بدورهم رئيس البلاد الذي يقود الصومال لمدة أربع سنوات.

وفي ظل الضغط الدولي الدافع نحو تحديد نظام إنتخابي جديد وعقد الانتخابات في موعدها، فقد تعهد الرئيس الصومالي “عبد الله فيرماجو” بتنظيم أول انتخابات عبر الاقتراع العام المباشر منذ 1969، بدلا من نظام غير مباشر معقد يختار فيه مندوبون النواب الذين يختارون بدورهم الرئيس، ومن ثم تم تطوير مسودة قانون جديد للإنتخابات من قبل وزارة الداخلية الصومالية، وتم تمريره من قبل مجلس الوزراء والبرلمان بغرفتيه وصادق عليه الرئيس في فبراير 2020.

لكن، تمخض هذا القانون الجديد عن عدة مواد جدلية أدت إلى خلافات حادة بين الحكومة والمعارضة، مع إتهام الأخيرة لحكومة الرئيس فيرماجو بمحاولته الإلتفاف على الانتخابات وتمديد ولايته في ظل تراجع شعبية فرماجو في كثير من الولايات الإقليمية، فضلاً عن توتر علاقة فرماجو مع القبائل ومن ثم حاول الرئيس الصومال تجاوز النظام القبلي القائم لتعزيز فرص إنتخابه مرة أخرى، وبعد سلسلة من المؤتمرات بين الحكومة وقوى المعارضة، تم التوصل في سبتمبر 2020 إلى إتفاق بين الأطراف نص على عقد الانتخابات وفقا لنظام (4.5) مع التأكيد على اجراء الانتخابات الترشيعية قبل نهاية العام 2020 على أن تكون الانتخابات الرئاسية في مطلع فبراير 2021.

وتضمن هذا الاتفاق توسيع قاعدة المشاركة للحيلولة دون عمليات شراء الأصوات والولاءات القبلية، حيث باتت قاعدة الناخبين تضم 90 ألف ( بدلاً من 30 ألف) منوط بهم انتخاب أعضاء مجلس النواب، وانشاء لجنة مستقلة مسئولة عن إدارة العملية الانتخابية تتشكل من قبل الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات.

تنصل فيرماجو والتمسك بالبقاء:

لم يلبث الرئيس الصومالي كثيراً حتى بدأ عملية التنصل من الإتفاقية التي تم التوصل إليها مع قوى المعارضة، حيث أعلنت الحكومة الفيدرالية بأنها الجهة المسئولة بمفردها عن تنظيم العملية الانتخابية وتشكيل اللجنة المنوط بها الإشراف على العملية الانتخابية، وهو ما أدى إلى حالة من الغضب الشديد لدى حكومات الولايات، وطالبوا بحل اللجنة التي شكلتها حكومة فيرماجو والتي رأت المعارضة أنها تضم شخصيات مقربة من الرئيس الصومالي وآخرين يعملون في الأجهزة الأمنية للحكومة الفيدرالية.

كذلك أعلن “منتدى المرشحين للرئاسة الصومالية” – وهو تحالف يتألف من 14 مرشحاً للإنتخابات الرئاسية المقبلة ويضم رؤساء ومسئولين حكوميين سابقين- رفضهم لإنتهاكات الحكومة الفيدرالية بشأن تشكيل لجنة الإشراف على الانتخابات بشكل يتناقض مع الاتفاق المبرم بين الحكومة وقوى المعارضة، وبدأت الأخيرة في تنظيم احتجاجات واسعة تنديداً بتحركات حكومة الرئيس فيرماجو.

ولجأ الرئيس الصومالي فيرماجو إلى تبني عدة سياسات تستهدف التضييق على المعارضة الصومالية، منها حظر دخول الأسلحة التي يحملها الحراس المرافقين للرؤساء السابقيين ومرشحي الرئاسة إلى مطار مقديشيو، فضلاً عن التصعيد – غير المبرر في الوقت الراهن- مع كينيا واتهامها بالتدخل في الشئون الصومالية الداخلية؛ وهو ما يبدو بمثابة محاولة من قبل الحكومة الفيدرالية الصومالية للضغط على ولاية جوبالاند ( المعارضة للرئيس فيرماجو والقريبة من كينيا) وبالتالي تبرير أي قرار من قبل الحكومة الصومالية باستبعاد الولاية من الانتخابات المقبلة أو شرعنة أي تدخل منها في منطقة جدو الواقعة في أقليم جوبالاند.

وبالتالي، فقد باتت الحكومة الصومالية تعمد إلى الضغط على قوى المعارضة من ناحية، ومن ناحية أخرى تحاول خلق واقعاً غير ملائم لإجراء انتخابات بصورة طبيعية تتضمن كافة الولايات الصومالية، وذلك عبر التصعيد مع كينيا فضلاً عن التليوح بورقة الإرهاب وتصاعد نشاط حركة الشباب خاصةً مع قرار الولايات المتحدة سحب قواتها الموجودة في الصومال، مما يسهل من تنفيذ سيناريو اجراء انتخابات برلمانية جزئية في الولايات الإقليمية التي يضمن فرماجو ولائها لها، ومن ثم يتم الإعتماد على نتائج هذه الانتخابات في إنتخاب رئيس الجمهورية، الأمر الذي يعني إعادة انتخاب فرماجو لولاية جديدة.

 

في النهاية، يمكن التأكيد على أن كثير من الدراسات – خلال الأشهر الأخيرة- وضع عدد من السيناريوهات الخاصة بمستقبل السلطة في الصومال في ظل المعطيات والصراعات الداخلية، وقد خلصت هذه الدراسات إلى ترجيح ثلاثة سيناريوهات رئيسية، يتمثل السيناريو الأول في نجاح جهود الوساطة ومحاولات التسوية في التوصل إلى حدوث توافق بين الأطراف المختلفة ومن ثم إنعقاد الانتخابات في موعدها، أما السيناريو الثاني، فكان يتمثل في استمرارية سياسات الحكومة الصومالية في التضييق على قوى المعارضة واجراء انتخابات جزئية في الولايات التي يضمن الرئيس فيرماجو السيطرة عليها ( وهي ولاية جنوب غرب الصومال؛ وولاية جيلمدغ؛ وولاية هيرشبيلي)، أما السيناريو الثالث، فقد كان يتمثل في استمرار الوضع الراهن لحين إنتهاء مدة حكم الرئيس فيرماجو في 8 فبراير 2021، ومن ثم فتح الباب أمام مستقبل مجهول للصومال.

وبناء على المعطيات الراهنة، فقد تجاوزت الأحداث احتمالية حدوث السيناريو الأول، أما بالنسبة للسيناريو الثاني، فعلى الرغم من محاولة الحكومة الفيدرالية الدفع باتجاه هذا المسار، لكن يبدو أن هناك رفضاً دولياً لهذا السيناريو بإعتبار أنه قد يدفع بإتجاه إندلاع حرباً أهلية جديدة في الصومال، وهو ما عكسته تصريحات المبعوث الأممي في الصومال”جيمس أسوان” والذي أشار إلى أن المجتمع الدولي يعارض أي آلية موازية أو بديلة خارج ما تم الاتفاق عليه في 17 سبتمبر2020، مؤكداً بذل كل الجهود لإجراء حوار بين القوى المختلفة.

وبالتالي، يبدو أن الأوضاع في الصومال تتجه لمزيد من التصعيد؛ إذ أن الخلافات العميقة بين القوى المختلفة في الصومال يمكن أن تدخل البلاد في نفق مظلم حال عدم التوصل إلى اتفاق قبل نهاية فترة ولاية الرئيس “عبد الله فرماجو”، الأمر الذي قد يدفع إلى تدخل البعثة الأممية في الصومال لفرض خارطة طريق جديدة.

 

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى