التسوية المنتظرة: ما هي احتمالات نجاح الحلول المؤقتة في ليبيا؟

يعكس التقدم السريع والملحوظ بشأن المسار السياسي الذي تشرف عليه البعثة الأممية، بالإضافة إلى مشاركة الدولة المصرية عن وجود ترتيبات دولية وإقليمية تستهدف تحقيق تسوية للملف الليبي في الفترة المقبلة، وربما يأتي موافقة مجلس الأمن على تعيين مبعوث أممي جديد في ليبيا – بعد أشهر من الخلاف بشأن تسمية مبعوث أممي جديد بعد استقالة المبعوث السابق غسان سلامة في مارس 2020- كمحاولة من قبل الأمم المتحدة ضمان تحقيق أكبر قدر من التوافق بين الفواعل الإقليمية والدولية بشأن التسوية الراهنة للأزمة الليبية، لاسيما في ظل وجود رفضاً من قبل بعض الأطراف الفاعلة – منها روسيا- لاستمرار وجود “ستيفاني ويليامز” الدبلوماسية الأمريكية على رأس البعثة الأممية. 

ومع تحديد موعد الانتخابات – المفترضة- في نهاية ديسمبر 2021، فإن السلطة التنفيذية الجديدة التي تسعى البعثة الأممية إلى تشكيلها ويراد لها أن تشرف على هذه الانتخابات يفترض أنها لن تستمر في منصبها سوى عدة أشهر، بيد أن الخبرة العملية في الملف الليبي منذ سقوط نظام القذافي أثبتت أنه ” كل ما هو مؤقت” مرجح أن يصبح دائماً في ظل محاولة كل سلطة مؤقتة التلاعب بعنصر الزمن والحيلولة دون فقدانها لمناصبها، ومن ثم التمديد وإطالة مدة الحكم، فعلى سبيل المثال، فقد كان من المفترض أن تنتهي مهمة حكومة الوفاق قبل 3 سنوات.

إعادة فك وتركيب:

وفي إطار السياق الداخل الراهن والذي تعكسه خريطة القوى المحلية على الأرض في الداخل الليبي، فإنها تؤشر لمرحلة جديدة من عمليات إعادة فك وتركيب أنماط التحالفات الراهنة لمحاولة السيطرة على مناصب السلطة التنفيذية المقبلة، ومن ثم فبعدما ظلت خريطة القوى الليبية تنقسم بشكل رئيسي إلى قوتين رئيسين خلال السنوات الماضية بين الشرق والغرب الليبي، بدأت إرهاصات تحالفات جديدة في التبلور خلال الفترة الأخيرة، فبالنسبة لشرق ليبيا، فهناك تنافسا حاداً على منصب رئيس المجلس الرئاسي الجديد، وعلى الرغم من تصاعد فرص “عقيلة صالح” رئيس مجلس النواب للفوز بهذا المنصب، بيد أن هذا الأمر لم يحسم بعد في ظل بروز شخصيات أخرى في الشرق تتنافس على هذا المنصب، فضلاً عن الخلافات التي شهدتها العلاقات بين “صالح” قائد الجيش الليبي “حفتر” في الأشهر الأخيرة، والتي تعود لاختلاف الرجلين منذ مفاوضات موسكو حين كانت قوات الجيش الوطني على تخوم العاصمة طرابلس.

ويبدو الأمر أكثر تعقيداً في غرب ليبيا، في ظل حالة تشابك وتعدد الأطراف المتنافسة، خاصة على منصب رئيس الحكومة المقبلة، وتتمثل أبرز هذه الأطراف في وزير الداخلية بحكومة الوفاق ” فتحي باشاغا”، ووزير الدفاع ” صلاح النمروش” وآمر المنطقة الغربية ” أسامة الجويلي” ونائب رئيس حكومة الوفاق ” احمد معتيقة”، وتزداد حدة هذا التنافس في ظل كثرة المليشيات العسكرية في الغرب الليبي وانقسامها بين الأطراف المتنافسة، الأمر الذي يعني احتمالات أن تدفع تصاعد وتيرة التنافس إلى حدوث مواجهات مسلحة مباشرة بين هذه المليشيات، وهو ما شهدته غرب ليبيا بالفعل عدة مرات خلال السنوات الأخيرة من صدامات عسكرية بين المليشيات المتناثرة هناك.

وتجدر الإشارة إلى أن إعلان “فتحي باشاغا” وزير الداخلية بحكومة الوفاق، في 10 يناير2021 عن الاستعداد لبدء إطلاق عملية تحمل اسم “صيد الأفاعي”، تستهدف القضاء على مهربي البشر والوقود والمسلحين المتطرفين وتجار المخدرات، جاءت ليمثل فصل جديد من فصول الخلافات بين مؤسسات الوفاق تخفي وراءها تنافسا على القوة، وهو ما عكسته ردود الأفعال من قبل قوى غرب ليبيا عن هذا الإعلان والتي تمثلت بالأساس في إعلان وزير الدفاع “صلاح الدين النمروش” وآمر غرفة العمليات المشتركة “أسامة جويلي” عدم علمهم بهذه العملية، مع التأكيد على ضرورة التنسيق معهم قبل بدء هذه العملية.

تفاهمات محتملة:

وقد حاولت تركيا – التي تمثل الفاعل الداعم الرئيسي لغرب ليبيا- ردع الصدع والانقسامات الحادة بين القوى المختلفة في غرب ليبيا، لضمان حماية مصالحها وعدم حدوث صدامات عسكرية بين حلفائها في ليبيا، وهو ما دفعها مؤخرا في 10 يناير 2021 من استدعاء وزير دفاع حكومة الوفاق “صلاح الدين النمروش” لإجراء مباحثات في أنقرة، وذلك بالتزامن مع تواجد 16 من قادة المليشيات المسلحة، في أنقرة، لعقد اجتماع موسع مع قيادات تركية. وهو ما عكس محاولة تركيا تشكيل جبهة موحدة في غرب ليبيا والقضاء على كافة المليشات المناوئة لها، فضلاً عن “شرعنة” وجودها في غرب ليبيا، ومن ثم ضمان مصالحها من خلال تعزيز موقفها في أي تسوية مقبلة.

وفي إطار هذا التنافس والصراع الراهن بين عناصر الطرف القوة الواحد، بدأت مؤشرات عن محاولات تشكيل تفاهمات بين عناصر من الشرق والغرب لتشكيل ائتلاف قادر على الفوز بالمناصب المقبلة، ويمثل أبرز هذه التفاهمات المحتملة بين ” عقيلة صالح” و ” فتحي باشاغا”. حيث بات ” صالح يواجه” محاولات من قبل أعضاء في مجلس النواب لتنحيته عن رئاسة البرلمان وهو ما يعني استبعاده عن المشهد السياسي ككل، وهو ما فرض على صالح إعادة التفاهم مع ” حفتر” والذي يخشى أيضاً من تشكيل سلطة تنفيذية جديدة تستبعده من قيادة الجيش الليبي، ومن ناحية أخرى، يبدو أن ” فتحي باشاغا” وزير داخلية حكومة الوفاق –وبدعم تركي وأمريكي- بات يقدم نفسه باعتباره القوة الرئيسية في غرب ليبيا والتي لا يمكن تجاوزها، ومن ثم تعد فرصة “صالح” و”باشاغا” برئاسة المجلس الرئاسي والحكومة قائمة وكبيرة.

تقدم هش:

على الرغم من الاختراقات التي شهدتها المسارات المختلفة في الملف الليبي، بيد أن هناك العديد من الخطوات التي ينبغي إنجازها قبل أن تتحقق بالفعل مهمة الوصول إلى حكومة ليبية موحدة، إذ أن الاتفاق على آلية لاختيار السلطة التنفيذية – على الرغم من أهميته- لا يعني بالضرورة تحقق هذا الهدف، حيث أن عملية التصويت المعقدة من شانها إثارة المزيد من النزاعات، خاصةً في ظل حالة السيولة الأمنية وتعدد الفصائل والمليشيات المتنافسة في الداخل والتي باتت جميعها تخشى من خسارتها للمزايا الاقتصادية والاجتماعية التي تحظى بها في ظل الظروف الراهنة، ولدى هذه الفصائل الآليات التي قد تمكنها من تعطيل مسار التسوية.

ومن ناحية أخرى، يبدو طرح فكرة توحيد ليبيا في ظل حكومة موحدة سيناريو غير مفضل بالنسبة للعديد من الأطراف الخارجية المهتمة بالملف الليبي، خاصةً في ظل احتمالات أن يؤدي الوصول لحكومة موحدة إلى عدم اعتماد هذه الحكومة علي دعمهم ومن ثم تقويض نفوذهم وتعرض تواجد هذه الأطراف المادي في ليبيا للخطر. أما بالنسبة للقوى الأوروبية، فيرتكز اهتمام غالبيتهم على ملف مكافحة الإرهاب ومعالجة تدفقات الهجرة فضلاً عن ملف الوصول للطاقة، بيد أن هناك غياب واضح لإستراتيجية أوروبية موحدة تجاه ليبيا في ظل الانقسامات بين الرؤى ما دفع هذه الدول إلى تبني مناهج مختلفة وأحيانا متنافسة.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فمع رحيل إدارة ترامب ووصول إدارة بايدن فثمة حالة من الترقب من قبل الفواعل المختلفة في ليبيا لمعرفة رؤية إدارة الرئيس بايدن تجاه الملف الليبي، وقد طرح مركز ” Brookings” ثلاثة خيارات رئيسية يمكن لواشنطن تبنيها خلال الفترة المقبلة، تتمثل هذه الخيارات فيما يلي:

‌أ. المحافظة على سياسة ترامب تجاه الملف الليبي، والمتمثلة بالأساس في انخراط محدود في ليبيا يعتمد بالأساس على ضربات جوية ضد معاقل الجماعات الإرهابية، وترك المجال أكبر لحلفاء واشنطن لتولي إدارة هذا الملف. بيد أن هذا الخيار يبدو مستبعداً نظراً لما يعنيه من ترك المجال أكبر أمام العديد من القوى الدولية والإقليمية لتعزيز نفوذها في ليبيا خاصةً روسيا، في الوقت الذي ستحاول فيه إدارة بايدن أن تعيد ترسيخ النموذج الأمريكي كقائد للنظام الدولي مع الانخراط بشكل أكثر فعالية في الملفات الدولية الهامة، فضلاً عن محاولتها تحجيم الدور الروسي وعدم ترك المجال أمام مزيد من النفوذ الروسي والتركي.

‌ب. تبني سياسة إشرافية على الأطراف الفاعلة في الملف الليبي، مع تقسيم مهام حفظ الأمن والاستقرار بين مصر وتركيا، حيث تتولي القاهرة مهام الأمن في برقة بينما تتولي أنقرة نفس المهام في الغرب، وربما تقترن هذه الترتيبات بوجود مراقبين دوليين وموظفي الأمم المتحدة لضمان تحقق المهام والاستقرار. وينطوي هذا الخيار على احتمالات اعتراض روسيا عليها، غير أنه من الممكن تحويل ليبيا – بطريقة ما- إلى أرضية مشتركة بين روسيا والولايات المتحدة، وربما بدرجة أقل الصين التي كانت تمتلك استثمارات بقيمة تبلغ 20 مليار دولار قبل 2011، ومن ثم يمكن لبكين أن تضغط لطرح نفسها كفاعل رئيسي في مرحلة أعمار ليبيا.

‌ج. يمكن لإدارة بايدن زيادة مشاركتها الدبلوماسية في الملف الليبي بدرجة تتجاوز مجرد الضربات الجوية لمكافحة الإرهاب، وذلك في إطار النهج الأمريكي الراهن ” أمريكا عادت”، ومن ثم ربما تدعم واشنطن الترتيبات الأمنية الانتقالية لتقليل الصراع والتحرك التدريجي نحو مزيد من الاستقرار. لكن يجب الأخذ في الاعتبار أهمية أن يكون هذا الدفع حذراً وبشكل تدريجي نظراً لخطورة ملف نذع سلاح المليشيات العسكرية في الداخل الليبي، وفي هذا الإطار يمكن الدفع بقوة أممية تعزز الأمن والاستقرار الداخلي وتأمين المنشئات الحيوية، وينطوي هذا الخيار على محاولة الولايات المتحدة إعادة تهدئة التوترات الأوروبية الداخلية حول الملف الليبي.

سيناريوهات محتملة:

تعتمد السيناريوهات المحتملة على عدة محددات هامة، تتعلق أبرزها بمدى أولوية الملف الليبي لدى الإدارة الأمريكية الجديدة خلال الأشهر الأولى من رئاسته، فضلاً عن الاستراتيجية التي ستعتمدها هذه الإدارة إزاء التعامل مع هذا الملف، كما ترتبط السيناريوهات المحتملة بإمكانية تقديم واشنطن من مزايا لموسكو لضمان دعمها للترتيبات الجديدة، إضافة إلى مستوى التماسك الداخلي بين الفصائل المتباينة داخل كل معسكر، وأخيراً فرص التوصل إلى تفاهمات بشأن إدارة وتوزيع عائدات النفط.

وتدور السيناريوهات المحملة حول مسارات التسوية الليبية بين عدة مسارات رئيسية، يرتبط المسار الأول بنجاح التوصل إلى حكومة ليبية موحدة واستمرار الهدنة الراهنة وهو ما يرتبط بقدرة القوى الدولية والإقليمية الراغبة في تسوية الملف الليبي في الضغط على الأطراف الداخلية، بيد أن هذا السيناريو ينطوي على العديد من التحديات التي ترتبط بالأساس في رفض القوى الخارجية والداخلية التي سيؤدي تحقيق هذا السيناريو إلى تهديد مصالحها ومن ثم محاولتها تعطيله بكافة الأدوات. أما السيناريو الثاني يتمثل في استمرار التقدم الجزئي الخاص بمسارات التسوية الليبية دون الوصول إلى حكومة موحدة مع استغراق ذلك مدة أطول لكن دون انهيار الهدنة. ويرتبط هذا السيناريو بالسيناريو الثالث، والذي ينطوي على فشل التوافق بين الأطراف وانهيار الهدنة واستئناف الصراع المسلح.

لا ينصب اهتمام الأطراف الخارجية المعنية بالملف الليبي على كيفية اختيار كبار المسئولين، إنما يهتم غالبتهم فعلياً بمن ينبغي أن يتسلم زمام الأمور وهو ما يفرز صعوبة بالغة في تشكيل الإجماع بشأن هذه النقطة، وهو ما عكسته تفضيلات أعضاء ملتقى الحوار الليبي الذين يسعون إلى تأمين المناصب العليا للمرشحين الذين يدعمونهم. وتعكس المؤشرات عن احتمالات لجوء الفصائل السياسية المختلفة في الداخل الليبي إلى تشكيل تكتلات جديدة تعزز فرص استمراريتها في المرحلة المقبلة أو تدفع لإحباط أي تسوية تمثل تهديداً لمصالحها، ومن ثم تتراوح الأدوات المتاحة بين ممارسة النفوذ وتحصين الوضع الراهن.

في النهاية يمكن القول، إن تسود حالة من التأرجح بين احتمالات التصعيد العسكري وإمكانية تحقق تسوية وتوافقات جديدة على المشهد الليبي، وهي الصبغة التي باتت سائدة منذ انتهاء حرب طرابلس، ويأتي وصول إدارة أمريكية جديدة ليمثل عاملاً ضاغطاً في اتجاهين متباينين، فمن ناحية تحاول كافة الأطراف الداخلية والخارجية فرض أمر واقع يضمن مصالحها قبل انخراط الإدارة الأمريكية الجديدة في الملف الليبي، ومن ناحية أخرى تحاول هذه الأطراف التنصل من تحمل مسئولية إفشال أي محاولة للتسوية. وعلى الرغم من صعوبة مرحلة اختيار أعضاء السلطة التنفيذية المقبلة، بيد أن الاختراق الأخير الذي شهدته مسارات التسوية الليبية يمثل خطوة هامة يمكن البناء عليها لاحقاً. وتبقى التوترات العسكرية المحتملة خلال المرحلة المقبلة ترتكز بالأساس على منطقة الجنوب الليبي فضلاً عن احتمالات اندلاع صدامات بين أعضاء المعسكر الواحد.

 

 

 

 

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى