ماذا هدفت “تركيا” من إغلاق مضائقها أمام روسيا؟

خلال الساعات الماضية، تحول الموقف التركي من العدوان الروسي على أوكرانيا بشكل ملحوظ من وصفه في البداية كونه ” هجوم غير مقبول ”  إلى ” حرب “، الأمر الذي يخولها تطبيق اتفاقية مونترو على الفور، وعليه اضطرت لإغلاق مضيقي البسفور والدردنيل أمام السفن الحربية الروسية، وقامت السلطات التركية بإخطار موسكو بذلك رسميا، وطالبت الدول المطلة وغير المطلة على البحر الأسود بعدم إبحار سفنها الحربية عبر أي من المضيقين، لتفادي المزيد من التصعيد في المنطقة. وأرجع البعض الموقف التركي للضغط  الكبير الذي مارسته واشنطن على أوروبا وتركيا على مدار الأيام الماضية، خاصة بعد الانتقادات الحادة والمحرجة التي وجهتها أنقرة للناتو باعتبارها عضوة في الحلف.

وكان قد سبق أن ناشدت الحكومة الأوكرانية تركيا بإغلاق المضايق والمجال الجوي أمام روسيا، بعدما أطلقت روسيا هجومها على الشاطئ الجنوبي لأوكرانيا، إلا أن أنقرة لم تلب رغبة كييف في ذلك الوقت، حتى أعلن أردوغان الجمعة الماضية أن بلاده عازمة على تطبيق اتفاقية مونترو لمنع تفاقم الأزمة الروسية الأوكرانية، كما أكد وزير الخارجية التركي أنه سيتم تطبيق اتفاقية مونترو بمنتهى الشفافية، بعد أن تحولت الأوضاع في أوكرانيا إلى حرب، كما أعلن أنه تم إبلاغ الدول الغير مطلة على البحر الأسود بألا ترسل سفنها الحربية للمرور عبر مضيقي البسفور والدردنيل. وهو تصريح حاولت أنقرة أن يكون عاما، وغير مختص بروسيا، حتى لا يثير أي حساسية في علاقاتها بموسكو.

إلا أن قرار أنقرة إغلاق المضايق يطرح مجموعة من التساؤلات حول الهدف من القرار التركي، وتوقيت القرار، وما إذا كان هناك إمكانية لتأثر العلاقات التركية الروسية جراءه.

اتفاقية مونترو:

وقعت اتفاقية مونترو في سويسرا في ١٩٣٦، بين تركيا وبريطانيا وفرنسا ورومانيا وبلغاريا واليابان وأستراليا والاتحاد السوفييتي، لتنظيم مرور السفن في أوقات السلم والحرب عبر مضيقي البسفور والدردنيل في البحر الأسود، وتسمح المعاهدة للدول المطلة على البحر الأسود بمرور سفنها الحربية دون شروط من قبل أنقرة، أما السفن الحربية التابعة للدول الغير مطلة على البحر الأسود يشترط لمرورها حمولة معينة لا تتجاوز ١٥ ألف طن، ولا يزيد عدد السفن المارة عبر المضيق عن ٩ سفن في آن واحد، وألا تزيد فترة رسو السفينة عن ٢١ يوما، وإلا عدانتهاك تتحمله الدولة المسئولة عنه.

في أوقات السلم، يمكن للسفن الحربية المرور عبر المضايق بعد إخطار دبلوماسي للجهات المعنية التركية. أما في أوقات الحرب، يمكن لتركيا أن تمنع السفن الحربية للأطراف المتحاربة من العبور إذا كانت طرفا في الحرب أو مهددة منها، ولحفظ أمن المنطقة عامة حال هددتها الحرب،وبالتالي وفقا لهذا القرار يمنع مرور السفن الحربية الروسية إلى أوكرانيا عبر المضايق المذكورة، إلا أن هذا القرار لا يمنع روسيا من استعمال حقها في إعادة أسطولها إلى قاعدتها في البحر الأسود.

ما الهدف من القرار التركي؟:

قد يعبر الموقف التركي عن رغبة أنقرة في إثبات حضورها واتخاذ موقفا إيجابيا وعمليا تجاه أوكرانيا، والسير على خطى حلفائها الغربيين في الوقت ذاته، بعد أن فرضوا عقوبات على موسكو، فمنهم من اكتفي بفرض عقوبات اقتصادية على روسيا ومسئولين روس، كما طالت العقوبات شخصيات مهمة على رأسها بوتين نفسه ووزير الخارجية والدفاع، وبعض البنوك الروسية، كما فرضت مجموعة أخرى حظر على الطيران الروسي في أجوائها، فضلا عن الجهود الحالية الرامية إلى إخراج روسيا من نظام سويفت، وتأسيسا على تلك الموقف أتى الموقف التركي ليؤكد حضور تركيا كطرف وفاعل مؤثر في الأزمة.

وجدير بالذكر أيضا، أن أردوغان أراد أن يثبت وجود اتفاقية مونترو تجنبا لتجاهلها أو تناسيها في أي صراعات في المستقبل،بالتالي ستفقد تركيا ميزتها في هذا الشأن، وحتى لا تكون هناك استثناءات، لذا أعلنت تركيا أن القرار سيطبق بشفافية وسيشمل الدول المطلة وغير المطلة على البحر الأسود، وبالتالي قد يشمل أوكرانيا. كما قد تعتبرها أنقرة فرصة لتفادي الملاحة غير المقيدة، في ظل اهتمام واشنطن وتأييدها لفكرة الملاحة غير المقيدة عبر المضائق التركية، كما هو الحال بالنسبة للممرات الأخرى مثل قناة بنما والسويس. فضلا عن أن التخاذل في تطبيق الاتفاقية من شأنه أن يمثل ذريعة مشروعة للتشكيك في قدرة تركيا كمسئول عن تطبيق الاتفاقية وكحارس للمضايق، لذا فمن مصلحة أنقرة أن تفعل ذلك لأن الاتفاقية تدعم تركيا في أوقات الحرب، وأن أي استثناء لإرضاء روسيا يمكن أن يعرض مصداقية الاتفاقية للخطر على المدى الطويل.

لماذا الآن؟:

بالنظر إلى توقيت القرار، فهو يعبر عن برجماتية كبيرة في الموقف التركي، بعد أن سبقته مناشدات متكررة من قبل كييف، لأنه في هذا التوقيت ستكون تركيا قد أصابت أكثر من هدف في آن واحد، على رأسها الموازنة بين كلا المعسكرين،وهو ما أعلنه الرئيس أردوغان بنفسه بأنه ” لن يتخلى عن روسيا أو أوكرانيا “، وبالتالي تجنب التحيز لطرف على حساب الآخر _ على الأقل في الوقت الحالي _، لأن القرار جاء بعد رفضها في وقت سابق لإغلاق المضايق أمام السفن الحربية الروسية، وبعد موجة من الانتقادات اللاذعة للدول الغربية عن تقاعسها في دعم كييف واكتفائها بمجموعة شعارات أو عقوبات عادية اعتادت عليها روسيا، فقد سبق وأن صرح أردوغان بأنه ” كان ينبغي على حلف شمال الأطلسي اتخاذ تدابير أكثر حزماً، أوروبا تفتقر إلى التصميم في نهجها، كل ما يفعلونه هو إعطاء نصائح لأوكرانيا، ويجب ألا تكون هذه الإدانات والنصائح مجرد استعراض “. ولكن رغم أن قرار إغلاق المضايق جاء لإضفاء نوع من التوازن في الموقف التركي، إلا أنه مؤشر على وجهة تركيا النهائية حال امتدت الحرب.

كما أن القرار جاء بعد أن ضمن أنه لن يؤثر بشكل كبير في علاقاته بروسيا، خاصة وأن البلدين تجمعهم مصالح جمة، من منطلق أن القرار لن يضر أصلا بالمصالح الروسية بشكل كبير، فتركيا لم تتخذ القرار منذ البداية لأنها لم تعترف بالعمليات العسكرية في أوكرانيا بأنها حرب، وبالتالي فهي غير ملزمة بإغلاق المضايق وفقا للمعاهدة، كما أن مجلس الأمن نفسه لم يعرف العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا على أنها حرب وفقا للقانون الدولي، وعلى الجانب الآخر، ضمنت روسيا استفادتها المطلوبة من المضيق، فالخطوة التركية بالتأكيد متوقعة من قبل روسيا، إذ عملت مسبقا على نقل السفن التي تحتاجها منذ البداية قبل الحرب، فقد عبرت حوالي ٦ سفن حربية روسية في وقت سابق في إطار الاستعدادات للعملية العسكرية، وأثناء إجراء المناورات، لذا لن يؤثر القرار التركي في مسار الحرب أو الاستعدادات الروسية، حتى الآن على الأقل.

إلا أن ذلك لا يعنى أن روسيا لن تحتاج المضيق أبدا، فقد تريد الاستعانة به في الخدمات اللوجستية، لأنه الوسيلة الأسرع والأقل تكلفة بالمقارنة بغيرها من الطرق، لذا سيتبين موقف موسكو بشكل واضح في الفترة القادمة حال تصاعد الصراع وأمتد لفترة أطول.

وفي الوقت ذاته، يعتبر القرار دعما عمليا لأوكرانيا، واستجابة لمطالبها السابقة بغلق المضائق التركية، حفاظا على علاقاتها ومصالحها أيضا بأوكرانيا، التي صنفت سوقا جديدا للأسلحة التركية مؤخرا، وفي سبيل ذلك بررت أنقرها تريثها في الرد على مطالبات الحكومة الأوكرانية مرده إلى أن الخبراء القانونيين يدرسون ما إذا كانت الحرب قائمة من وجهة نظر قانونية أم لا بما يتيح لها تفعيل امتيازاتها بموجب الاتفاقية.

ولكن رغم ذلك، لا يسعنا الوقت الراهن للحكم على تأثير قرار تركيا بإغلاق المضايق على العلاقات الخارجية لتركيا، وبالأخص من جانب روسيا بشكل مؤكد، لأن الأمر يتوقف في هذه الحالة على الموقف الروسي ورد فعله إزاء القرار التركي، حول ما إذا كان سيعتبره تحيز من أنقرة لأوكرانيا والغرب وتخلي عن موسكو، أم أنها مناكفة عادية ومحاولة مشروعة لإثبات وجودها أو كما أعلنت أنقرة من خلال مسئوليها أنها خطوة لتجنب المزيد من التصعيد العسكري في أوكرانيا، خاصة وأنه لن يؤثر على الخطط الروسية بشكل جوهري. أما على الجانب الآخر، سيحظى القرار التركي بإشادة واستحسان الغرب، كانت بدايته إعلان وزير الخارجية الأمريكي عن تقديره لتركيا بعد القرار.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى