هندسة استراتيجية: ما هي انعكاسات محاولات تفكيك اليمن على البحر الأحمر؟

قراءة استراتيجية معمقة في مشروع انفصال اليمن الجنوبي والمطامع الإسرائيلية في القرن الأفريقي وباب المندب
يأتي هذا التحليل في توقيت بالغ الحساسية، تشهد فيه منطقة جنوب الجزيرة العربية والقرن الأفريقي تحولات متسارعة تتجاوز حدود الأزمات المحلية لتدخل نطاق إعادة تشكيل النظام الإقليمي للبحر الأحمر.
فالدعوات المتزايدة لانفصال اليمن الجنوبي، بالتوازي مع الاعتراف الإسرائيلي بما يُسمّى (أرض الصومال)، لا يمكن التعامل معها باعتبارها تطورات منفصلة، بل تمثل – وفق منظور الدراسات الاستراتيجية – ملامح مشروع جيوسياسي متكامل يستهدف السيطرة على الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق باب المندب. وينطلق هذا التقرير من منهج تقدير الموقف الاستراتيجي •• لا من سرد الوقائع، واضعًا في اعتباره تداخل المصالح الدولية، وتغيّر طبيعة الصراعات، وتحول الجغرافيا إلى أداة ضغط ومساومة.
اليمن في معادلة السياسة والجغرافيا والقوة العالمية:
يمكن قراءة وضع دولة اليمن في معادلة السياسة والجغرافيا والقوة العالمية على النحو التالي:
(*) اليمن عقدة جغرافية لا يمكن تجاوزها: يشكل اليمن أحد أهم المفاتيح السياسية والجغرافية والقوة في النظام الدولي المعاصر لكونه:
١- يتحكم في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
٢- يشرف على أحد أخطر الممرات البحرية العالمية.
٣. يربط بين العمق العربي والقرن الأفريقي.
هذا الموقع الاستثنائي جعل من اليمن دولة ذات قيمة استراتيجية عالية، حتى في لحظات ضعفه، وهو ما يفسر حجم التدخلات الإقليمية والدولية في شؤونه خلال العقد الأخير.
(*) من دولة مركزية إلى ساحة صراع مفتوحة: نتج عن الحرب تفكيك تدريجي لمؤسسات الدولة، وتحويل الجغرافيا اليمنية إلى:
١. مسرح صراع بالوكالة.
٢. نقطة التقاء لمصالح متعارضة.
٣. نموذج عملي لإدارة الأزمات لا حلّها.
وفي هذا السياق برز مشروع انفصال الجنوب كأحد السيناريوهات المُدارة حاليًا، وهي لا تُعد حلولًا وطنية.
القضية الجنوبية بين المشروعية الوطنية والتوظيف الخارجي:
قراءة وضع القضية الجنوبية بين المشروعية الوطنية والتوظيف، يمكن تناوله كالتالي:
(-) مظالم حقيقية ومسار منحرف: لا ينكر هذا التقرير وجود مظالم تاريخية في جنوب اليمن، إلا أن الإشكالية الجوهرية تكمن في:
١- إخراج القضية من سياقها الوطني.
٢- تدويلها سياسيًا وأمنيًا.
٣- توظيفها ضمن صراعات إقليمية ودولية.
(-) من مطالب مشروعة إلى مشروع كيان وظيفي: التحول في الخطاب الجنوبي من إصلاح الدولة إلى الانفصال الكامل، دون توافر مقومات سيادة وإدارة، ولا بنية اقتصادية مستقلة، ولا إجماع اجتماعي شامل.
ما سبق، يفتح الباب أمام نشوء دولة غير مكتملة المقومات، لتكون دولة ذات سيادة.
انفصال الجنوب.. هل يخدم مصلحة اليمن؟
هناك مجموعة من المخاطر قد تنتج عن انفصال الجنوب اليمني، يمكن تناولها كالتالي:
(*) دولة بلا عمق استراتيجي: تشير التقديرات إلى أن الدولة الجنوبية في حال قيامها ستكون:
١- معتمدة على الخارج اقتصاديًا.
٢- خاضعة للترتيبات الأمنية الدولية.
٣- ضعيفة القرار السيادي.
ما سبق طرحه، يعيد إنتاج الأزمة في كيان أصغر وأكثر هشاشة.
(*) تفكك داخلي محتمل، فالجنوب ذاته يعاني من الآتي:
١. تعددية مراكز القوة.
٢. تناقضات قبلية ونفوذ إقليمي.
٣. غياب مشروع وطني جامع.
ما سبق ذكره، قد يجعل الاستقرار الداخلي تحديًا وجوديًا.
تداعيات الانفصال على الأمن القومي العربي:
يمثل اليمن أحد الأعمدة الجغرافية للأمن القومي العربي، وتفكيكه يعني:
١- كشف الجبهة الجنوبية للأمن العربي.
٢- فتح البحر الأحمر أمام قوى غير عربية.
٣- إضعاف منظومة الردع الإقليمي.
كما يشكل الانفصال سابقة خطيرة تعزز منطق تفكيك الدول الوطنية.
الأمن القومي المصري وباب المندب:
ثمة تداعيات قد يحدث في حالة تهديد مضيق باب المندب، يمكن التطرف لها على النحو التالي:
(-) البحر الأحمر امتداد للأمن المصري. وعلبه لا ينفصل أمن قناة السويس عن الآتي:
١. استقرار باب المندب.
٢. توازن القوى في جنوب البحر الأحمر.
على ما سبق، يمكن القول إن أي تهديد لهذا المضيق ينعكس مباشرة على الاقتصاد المصري، وحركة التجارة العالمية، والدور المصري الإقليمي.
(-) مصر والقرن الأفريقي.. معركة وعي استراتيجي: تدرك الدولة المصرية أن القرن الأفريقي لم يعد ساحة هامشية، بل أصبح خط تماس مباشرًا مع أمنها القومي.
القرن الأفريقي وسيطرة الجغرافيا:
تشهد المنطقة الآتي:
١. سباق قواعد عسكرية.
٢. تدخلات في الموانئ.
٣. تنافسًا دوليًا محمومًا.
وفي قلب هذا المشهد تبرز (أرض الصومال) كنقطة ارتكاز جديدة.
المطامع الإسرائيلية.. ما وراء الاعتراف:
(-) استراتيجية إسرائيل في البحر الأحمر: تقوم الاستراتيجية الإسرائيلية على الآتي:
١- كسر الطوق الجغرافي.
٢- مراقبة الملاحة الدولية.
٣- تأمين خطوط التجارة العالمية.
(-) الاعتراف بأرض الصومال.. دلالات استراتيجية. فلا يمكن قراءة الاعتراف الإسرائيلي بمعزل عن:
١. باب المندب.
٢. جنوب اليمن.
٣. إعادة تشكيل أمن البحر الأحمر.
إنه اعتراف استراتيجي لا بكيان سياسي.
(-) جنوب اليمن في الحسابات الإسرائيلية: يمثل جنوب اليمن في حال انفصاله بيئة محتملة قد تُستغل في إطار حسابات أمنية إقليمية معقدة لتنفيذ الآتي:
١. اختراق أمني غير مباشر.
٢. توسيع النفوذ البحري.
٣. إضعاف الدور العربي في البحر الأحمر.
من المستفيد من التفكيك؟
١. القوى الكبرى لإدارة الممرات الحيوية ومنع الهيمنة المنفردة.
٢. إسرائيل للتغلغل في جذور الأمن القومي العربي.
٣. بعض القوى الإقليمية لتوسيع النفوذ عبر كيانات ضعيفة.
السيناريوهات المتوقعة:
١- دولة جنوبية بلا سيادة حقيقية
٢- نفوذ وقوى إقليمية متزايدة في باب المندب
٣- تراجع الدور العربي
٤- تصاعد الصراع الدولي في البحر الأحمر
توصيات مركز رع للدراسات الاستراتيجية:
١- رفض مشاريع التفكيك كحلول للأزمات
٢- دعم تسوية يمنية شاملة تحفظ وحدة الدولة
٣- إطلاق إطار عربي جماعي لأمن البحر الأحمر
٤- تعزيز الحضور المصري في القرن الأفريقي
٥- مواجهة التغلغل الإسرائيلي برؤية استراتيجية شاملة
في النهاية، يمكن القول إن ما يجري في جنوب اليمن، وما رافقه من اعتراف إسرائيلي بأرض الصومال، يفرض على صانع القرار العربي قراءة المشهد خارج الإطار التقليدي. نحن أمام إعادة هندسة استراتيجية للبحر الأحمر، تُستخدم فيها الأزمات كأدوات، والكيانات الضعيفة كبوابات نفوذ.
يأتي هذا التقرير في إطار الدراسات التحليلية الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث، ويعبر عن قراءة تقديرية للاتجاهات الجيوسياسية المحتملة، ولا يتضمن تبنيًا لمواقف سياسية رسمية أو اتهامات قانونية لأي دولة أو جهة، كما لا يستند إلى معلومات سرية أو غير متاحة للجمهور، وإنما إلى تحليل مفتوح للمشهد الإقليمي وفق أدوات البحث العلمي ••
ويبقى السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا التحليل، هو: هل يتحرك العرب لحماية بوابتهم الجنوبية أم يُترك باب المندب ليُدار من خارج الإقليم؟
أبدعت فأحسنت النشر معالي الباشا