المسارات الأربعة.. ماذا ينتظر ليبيا في 2026

تشهد ليبيا منذ عام 2011 حالة من عدم الاستقرار السياسي المستمر، نتيجة الانقسامات الداخلية بين الحكومات المتعاقبة والمليشيات المسلحة المتعددة، بالإضافة إلى الصراعات حول الموارد الاقتصادية، وخاصة النفط، الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد الليبي. ومع دخول عام 2026، يستمر المشهد الليبي في التعقيد، حيث تتشابك الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية، مع استمرار الضغوط الدولية والإقليمية لإيجاد حل شامل. تعكس التطورات الأخيرة أن الجمود السياسي لم يتم كسره بعد، وأن الشرائح الشعبية تواصل التعبير عن استيائها من أداء النخب الحاكمة، وهو ما يزيد من صعوبة تحقيق توافق وطني شامل.

تطورات المشهد:

شهدت ليبيا خلال الفترة الأخيرة سلسلة من التطورات المتلاحقة، تتمثل في:

(*) استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي: مع بداية عام 2025، ظل الانقسام بين حكومتي الشرق والغرب قائمًا بلا حل، إذ تُصارع الأطراف الليبية على الشرعية وإدارة الموارد وفي مقدمتها الإيرادات النفطية. هذا الانقسام لم يعد مجرد صراع على المناصب، بل أصبح حجر عثرة أمام أي مسار سياسي جاد، مع تعطيل الانتخابات وعدم القدرة على توحيد مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية. وقد أدى هذا الجمود السياسي إلى ترسيخ حالة من الاستقطاب بين مختلف القوى السياسية، وتعزيز نفوذ الميليشيات التي تستفيد من استمرار الوضع القائم.

(*) تراجُع الثقة الشعبية: شهدت الأشهر من فبراير حتى يونيو 2025 انخفاضًا ملحوظًا في مستوى الثقة الشعبية تجاه النخب السياسية، نتيجة استمرار تدهور الخدمات الأساسية في مجالات الكهرباء والمياه والصحة إلى جانب تفشي الفساد، وتعطيل المسارات الانتخابية. انعكس هذا الانخفاض في الثقة على احتجاجات شعبية متفرقة في طرابلس وبعض المدن الأخرى، ما يشكل ضغطًا إضافيًا على العملية السياسية ويزيد من صعوبة التوصل إلى توافق وطني.

(*) التطورات الأممية والدولية: في 14مايو 2025، أعلنت مصر عن تشكيل غرفة عمليات لمتابعة التطورات في ليبيا في ظل القلق من تصاعد التوترات الأمنية وتأثيرها على الجوار الإقليمي. وفي 28 نوفمبر 2025، دعت عدة دول، منها مصر، السعودية، فرنسا، الولايات المتحدة وتركيا، إلى دعم خارطة الطريق الأممية لتعزيز العملية السياسية وتحقيق انتخابات موحدة، في خطوة تشير إلى استمرار الاهتمام الدولي بمسار الأزمة الليبية. أما في ديسمبر 2025، استمرت جهود بعثة الأمم المتحدة ضمن ما يُعرَف بـ “الحوار المُهَيكَل”؛ لإعادة ترتيب البنية السياسية في البلاد، رغم عدم وضوح الإطار الزمني لتنفيذ هذه المبادرة.

(*) هشاشة الوضع الأمني: في مايو 2025، شهدت طرابلس اشتباكات متقطعة بين قوات حكومية ومجموعات مسلحة متنافسة، ما يعكس هشاشة الوضع الأمني واستمرار الميليشيات كطرف مؤثر في المشهد السياسي والعسكري. وفي أكتوبر 2025، تم الإعلان عن اتفاق بين قائد قوات شرق ليبيا وكتائب مصراتة لتشكيل قوة مشتركة، في محاولة لتقليل الانقسامات العسكرية، لكنه لم يحقق استقرارًا حقيقيًا على الأرض. تُظهِر هذه التطورات أن الأمن في ليبيا لا يزال هشًا، وأن استمرار وجود السلاح خارج سلطة الدولة يمثل أحد أكبر التحديات أمام أي حل سياسي مستدام.

(*) أزمة توزيع الموارد والإيرادات النفطية: في 25 يونيو 2025، اختتم صندوق النقد الدولي مشاورات المادة الرابعة مع ليبيا، مؤكدًا أن استمرار الانقسامات السياسية يعيق الإصلاح المالي وإدارة الإيرادات، خصوصًا النفطية التي تمثل شريان الاقتصاد الليبي. وفي 14 نوفمبر 2025، زار وفد من صندوق النقد الدولي ليبيا لتقييم الوضع الاقتصادي، مؤكدًا أن الإنتاج النفطي ساعد على دعم النمو، لكنه غير كافٍ بدون استقرار سياسي يسمح بتوزيع الإيرادات بشفافية. ويظل الخلاف حول آليات توزيع الموارد مصدرًا رئيسيًا للتوتر بين الشرق والغرب، ويعزز حالة عدم الثقة بين الأطراف مما يضعف فرص التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.

(*) الأحداث الإنسانية وتأثير الأزمة: في 14 سبتمبر 2025، شهدت المياه الليبية حادث احتراق سفينة مهاجرين قبالة السواحل الليبية، أسفر عن وفاة عشرات اللاجئين، ما يسلط الضوء على هشاشة الأمن البحري وتأثير الانقسام السياسي على الأوضاع الإنسانية، ويعكس أيضًا استغلال بعض الميليشيات لأزمة الهجرة لأغراض مالية وسياسية.

(*) الاحتجاجات الشعبية: منذ أوائل يناير 2026، شهدت طرابلس ومدن أخرى مثل مصراتة والزويـة مظاهرات واحتجاجات شعبية ضد حكومة الوحدة الوطنية ورئيسها، مطالبة بإسقاط الحكومة وفتح طريق لإجراء انتخابات وطنية حقيقية. جاءت هذه الاحتجاجات نتيجة تدهور الخدمات الأساسية، وانتشار الفساد، وتعطيل المسارات الانتخابية، ما يعكس سخط المواطنين على الأداء السياسي الحالي.

(*) الدعوات للخيار التأسيسي: دعا ائتلاف حزبي تحت مسمى “الائتلاف من أجل الوطن” في 12 يناير 2026 إلى اعتماد الخيار التأسيسي كحل للأزمة السياسية، معتبرًا أن الأجسام السياسية القائمة لم تعد قادرة على تحقيق توافق وطني. ويعكس هذا التطور ظهور أصوات سياسية تطالب بتغيير جذري للنظام الحالي، والبحث عن مخرج دستوري جديد لإنهاء الجمود السياسي.

(*) الاجتماعات السياسية مع البعثة الأممية: استقبل رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة عبد الله باتيلي في 13 يناير 2026 لمناقشة تطورات المشهد السياسي، خاصة عمل لجنة (6+6) لتطوير القوانين الانتخابية. ويشير اللقاء إلى استمرار الجهود الأممية لتذليل العقبات التشريعية والانتخابية، رغم عدم وجود جدول زمني محدد لإجراء الانتخابات.

(*) النشاط الدبلوماسي الإقليمي: في 11 يناير 2026، ناقش وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي الأوضاع الليبية خلال اجتماعات منظمة التعاون الإسلامي، مؤكدًا دعم الحل السياسي والاستقرار في البلاد. وتم خلال الاجتماعات أيضًا التنسيق مع تونس بشأن الملف الليبي، ما يعكس استمرار متابعة الجوار الإقليمي للمشهد السياسي والأمني في ليبيا. وفي 12 يناير 2026،استقبلت وزيرة العدل بحكومة الوحدة الوطنية سفير المملكة المتحدة لمناقشة تعزيز التعاون القضائي وحقوق الإنسان، وهو مؤشر على الاهتمام بتقوية المؤسسات القانونية ضمن جهود السلم المدني وتعزيز الشرعية القانونية.

(*) الضغوط الاقتصادية والسياسات النقدية: في 13 يناير 2026، أعلن مصرف ليبيا المركزي عن استمرار التحديات في المحافظة على الاستقرار النقدي وسعر الصرف، نتيجة الجمود السياسي والصعوبات في إدارة الإيرادات العامة، ما يعكس استمرار الضغوط الاقتصادية على المواطنين.

سيناريوهات محتملة:

يمكن تصنيف السيناريوهات المحتملة في ليبيا على النحو التالي:

(١) استمرار الجمود والانقسام: يُعد هذا السيناريو الأكثر احتمالًا في المدى القصير، ويعتمد على استمرار الانقسام بين حكومتي الشرق والغرب وتعثر المسار الانتخابي. في هذا الإطار، ستظل المؤسسات الرسمية محدودة الفاعلية، وسيستمر استغلال الميليشيات للسلاح والموارد لتعزيز نفوذها، ما يؤدي إلى استمرار الاحتجاجات الشعبية وارتفاع معدلات الغضب الاجتماعي. اقتصادياً، يبقى الوضع هشًا بسبب الاعتماد على عائدات النفط دون إصلاح هيكلي، بينما يظل الضغط الدولي والإقليمي على الأطراف الليبية مرتفعًا دون أن يُحدث تحولات جذرية. استمرار هذا السيناريو يعني بقاء البلاد في حالة إدارة للأزمة وليس حلًا سياسيًا حقيقيًا، مع خطر التصعيد الأمني في حال حدوث أي شرارة نزاع مسلح محلي.

(٢) الوصول إلى توافُق سياسي جزئي: في هذا السيناريو، قد تتوصل الأطراف الليبية إلى اتفاق جزئي تحت إشراف الأمم المتحدة، يشمل توحيد بعض المؤسسات، مثل مجلس رئاسي مؤقت أو لجنة تشريعية مشتركة، وتحديد إطار زمني محدود لإجراء الانتخابات. يتيح هذا السيناريو فرصة لتخفيف حدة الانقسامات، وتحسين قدرة الدولة على إدارة الإيرادات والموارد النفطية، بالإضافة إلى تحسين الخدمات الأساسية تدريجيًا. لكنه يظل هشًا، إذ أن الاتفاق الجزئي قد يواجه مقاومة من مجموعات مسلحة أو أحزاب سياسية، وقد يضطر إلى إعادة التفاوض في حال ظهور خلافات جديدة، ما يعني أن الاستقرار سيكون مؤقتًا وغير شامل، لكنه خطوة مهمة نحو بناء الثقة بين الفرقاء.

(٣) إجراء انتخابات وطنية ناجحة: يتمثل هذا السيناريو في الوصول إلى انتخابات رئاسية وتشريعية موحدة، مع إشراف أممي ودعم دولي وإقليمي فعال. إذا تم تطبيق هذا السيناريو، فسيشكل تحولًا جذريًا للمشهد السياسي، ويمنح الشرعية لأي حكومة جديدة، ويضع الأساس لإصلاح المؤسسات المالية والأمنية. اقتصاديًا، يتيح هذا الخيار تنفيذ إصلاحات شاملة وإدارة موارد النفط بشفافية، ما يقلل من النزاعات على الإيرادات. ومع ذلك، فإن نجاح هذا السيناريو يتطلب تهيئة البيئة الأمنية والسياسية، وتوافق القوى الدولية والإقليمية، وهو أمر صعب التحقيق في المدى القصير، لكنه يمثل الخيار الأكثر استقرارًا على المدى المتوسط والطويل.

(٤) تصاعُد الصراع المسلح: في حال فشل جميع المسارات السياسية، فإن ليبيا قد تواجه تصعيدًا مسلحًا بين الأطراف المتنافسة، خصوصًا بين الشرق والغرب، أو بين الميليشيات المختلفة. هذا السيناريو سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، وزيادة تدفقات اللاجئين والمهاجرين، وانهيار الاقتصاد، وربما تدخل دولي مباشر أو غير مباشر. على الرغم من كونه الأقل ترجيحًا في الوقت الحالي بسبب الضغوط الدولية، إلا أنه يبقى تهديدًا دائمًا بسبب هشاشة مؤسسات الدولة واعتماد النزاع على منطق القوة. هذا السيناريو سيكون الأكثر كلفة للبنية الاجتماعية والاقتصادية في ليبيا، وقد يعيد البلاد إلى مرحلة مشابهة لما قبل اتفاقيات 2020 – 2021.

ختامًا، يمكن القول إن الاستقرار الليبي طويل الأمد لا يتحقق إلا من خلال حل سياسي شامل يدمج المؤسسات الرسمية، ويوحد الأجهزة الأمنية، ويعيد توزيع الموارد بشكل عادل وشفاف، ويتيح انتخابات حرة ونزيهة. وأي تأخير في معالجة هذه القضايا سيعني استمرار حالة عدم اليقين وارتفاع احتمالات التصعيد، سواء على المستوى الداخلي أو الإقليمي. ومن هنا، يظل تعزيز الحوار بين الأطراف الليبية مع دعم المجتمع الدولي والإقليمي، الطريق الأكثر واقعية نحو تحقيق استقرار تدريجي ومستدام، ما يجعل ليبيا أمام مفترق طرق حاسم بين إدارة الأزمة الحالية وتحقيق تحول سياسي جذري.

ويتمثل الدور الإقليمي والدولي المحتمل خلال ٢٠٢٦ في قيامهما بدور فاعل في فرض توافق سياسي شامل، سواء عبر الوساطة أو الدعم الاقتصادي والتقني، بما يشمل تطبيق خارطة طريق أممية واضحة. إذا تحقق هذا السيناريو، فقد يسهم في توحيد المؤسسات، وتخفيف نفوذ الميليشيات، وتحسين إدارة الموارد، ووضع أسس لإجراء انتخابات عادلة. ومع ذلك، يعتمد نجاحه على التوازن بين المصالح الدولية والإقليمية وقدرة الأطراف الليبية على الالتزام بما يتم الاتفاق عليه

ساجدة السيد

ساجدة السيد- باحث أول بالمركز ، ورئيسة برنامج دراسات البحر الأحمر وإفريقيا فيه. الباحثة خبيرة في وحدة الدراسات الاستراتيجية بقطاع القنوات الإخبارية بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وهي حاصلة على بكالوريوس الاقتصاد والعلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وهي متخصصة في الشأن الأفريقي ودراسات الأمن القومي، وقد شاركت في العديد من مراكز الفكر والدراسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى