الانعكاسات المحتملة لـ “جولة” ولي العهد السعودي في دول الخليج

انتهت زيارة ولى العهد السعودي لدول الخليج، التي وصفها العديد من المراقبين بالناجحة والتي ربما تنعكس وفقاً لتقديراتهم بقوة على مستقبل العلاقات الخليجية- الخليجية. وبناءاً على ما تطرقت له لقاءات ولى العهد السعودى مع أشقاءه من زعماء وملوك دول الخليج، وتبنيه قضايا هامة كانت بنودها بمثابة نقاط اتفاق أولية سبقت قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، التي تنعقد غدا وفقا للمراقبين في ظل تحديات متصاعدة على الصعيد الإقليمي وأبرزها التهديدات الإيرانية، وكذلك ما تشهد المنطقة في المقابل حراكا إقليميا ودوليا يهدف لبناء تفاهمات قد لا تخدم بالضرورة مصالح الطرف الخليجي.

وتأسيسا على ما تقدم؛ يتناول التحليل مضامين جولة ولي العهد السعودي لدول الخليج، وانعكاساتها على مخرجات القمة الخليجية وتطورات الوضع الإقليمي، بالتزامن مع زيارات متبادلة بين دول خليجية وعدد من القوى الإقليمية والدولية.

يذكر أن.. ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، استبق الدورة الـ42 لاجتماع المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في الرابع عشر من ديسمبر الجاري، بجولة خليجية تضمنت بياناتها الختامية مجمل الملفات المطروحة على جدول أعمال القمة الخليجية.

العلاقات الثانئية:

انطلقت جولة ولي العهد من سلطنة عُمان حيث جرى افتتاح منفذ الربع الخالي كأول منفذ بري مباشر بين الجانبين بطول 725 كم، لتسهيل حركة التجارة ونقل البضائع بين الجانبين وإيجاد طريق لصادرات المملكة النفطية وغير النفطية عبر موانئ السلطنة، ووقع الجانبان 13 اتفاقية بقيمة إجمالية تقدر بـ30 مليار دولار في مجالات الطاقة والمياه والبتروكيماويات والخدمات اللوجستية، كما تضمنت إقامة منطقة صناعية سعودية في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم.

وتطرقت زيارة الأمير محمد بن سلمان لدولة الإمارات يومي السابع والثامن من ديسمبر تشديد الجانبين على تطوير علاقات الشراكة الاستراتيجية وتعميق التكامل الاقتصادي بينهما، حيث شهدت تلك العلاقات تطورا لافتا منذ تأسيس مجلس التنسيق المشترك في 2016، وصولا لتدشين استراتيجية العزم في 2018 والتي شملت 44 مشروعا استراتيجيا بين البلدين وقد بات كلا الجانبان أبرز الشركاء تجاريا واستثماريا وهو ما انعكس في طبيعة العلاقات السياسية بين الجانبين وما تشهده من توافق في جُل القضايا الإقليمية والدولية والالتزام المتبادل بأمن واستقرار بلديهما.

وخلال زيارة لدولة قطر يومي الثامن والتاسع من ديسمبر الجاري، التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أمير قطر وأكدا على أهمية تطوير أوجه التعاون الثنائي والتجارة البينية والاستفادة من الفرص الاقتصادية في مجالات البنى التحتية والخدمات اللوجستية التي توفرها استضافة قطر لكأس العالم لكرة القدم 2022. وكان لافتا لقاء ولي العهد بالأمير السابق الشيخ حمد بن خليفة في الديوان الأميري لتأكيد نهج الرياض في إصلاح العلاقات مع الدوحة من جذورها وفتح صفحة جديدة لخدمة مصالح البلدين خصوصا وإزالة شوائب الخلافات داخل مجلس التعاون عموما عبر تدعيم النهج المؤسسي الخليجي.

واختتم الأمير محمد بن سلمان جولته بزيارة مملكة البحرين ودولة الكويت في التاسع والعاشر من ديسمبر الجاري والتقى بزعيمي البلدين، وترأس مع نظيريه البحريني الأمير سلمان بن حمد آل خليفة والكويتي الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح مجلسي التنسيق السعودي البحريني والسعودي الكويتي، وعكس اللقاءان حجم التطابق في وجهات النظر.

 المواقف والرؤى:

مهدت الجولة الخليجية للأمير محمد بن سلمان لبناء توافق سياسي في عديد الملفات الإقليمية التي تمثل اختبار لتماسك مجلس التعاون بعد توقيع بيان المصالحة في قمة العلا يناير الماضي، خاصة إزاء الالتزام الذي قطعه الأعضاء بتنفيذ رؤية الملك سلمان بن عبد العزيز، التي أقرها المجلس الأعلى ضمن أعمال الدورة السادسة والثلاثين في ديسمبر 2015، بشأن استكمال مقومات الوحدة الاقتصادية والمنظومتين الأمنية والدفاعية وأخيرا بلورة سياسة خارجية موحدة تدعم وتعزز مكانة مجلس التعاون ودوره إقليميا ودوليا.

فعلى الصعيد الاقتصادي حقق المجلس نجاحا ملحوظا في مجال التفاوض مع الدول والتكتلات والمنظمات الدولية بصيغة موحدة، كما تلتزم دوله بتطوير التعاون الاقتصادي فيما بينها لتعظيم المصالح المشتركة وصولا لتحقيق المواطنة الاقتصادية الكاملة وتشجيع الربط البري وتطوير منظومة النقل السككي، فضلا عن مجابهة تحديات الأمن الغذائي والمائي، وهو ما يساهم على الجانب الآخر في إيجاد بيئة صحية للتنافس على الفرص الاقتصادية وتقليل الاعتماد على النفط.

وعلى الصعيد الأمني والعسكري، افتتح نائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان ووزراء دفاع دول مجلس التعاون الأخرى، القيادة العسكرية الموحدة في الثاني والعشرين من نوفمبر الماضي في الرياض تنفيذا لهذا البند الوارد في قمة العلا يناير الماضي، وتعزز القيادة الجديدة تكامل العمل الأمني والعسكري لقوة موحدة من مختلف أفرع ووحدات القوات المسلحة الخليجية وتؤكد الالتزام بالأمن الجماعي للخليج ضد أي عدائيات تستهدف أمن واستقرار دوله أو تنال من مقدراتها.

وتعبر الدول الخليجية بشكل عام عن ارتياحها لتطوير العلاقات الخليجية على مختلف الأصعدة على الرغم من تفاوت مستوياتها وتباين الرؤى حيال مسألة الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد، إلا أن ملف السياسة الخارجية يعد أحد أبرز التحديات في تنفيذ وبلورة سياسة خارجية موحدة تدفع إليها المملكة العربية السعودية في ضوء توليها رئاسة الدورة الـ42.

بيان خليجي مصغر:

انصبت مباحثات ولي العهد السعودي مع زعماء الدول الخليجية حول تعزيز الدور الإقليمي لمجلس التعاون إزاء التطورات في المنطقة وهو ما يمكن ملاحظته في صياغة البيانات الختامية الخمس، والتي كان أبرزها “التعامل بشكل جدي وفعال مع الملف النووي والصاروخي لإيران بجميع مكوناته وتداعياته بما يسهم في تحقيق الأمن والسلم الإقليمي والدولي”، ومطالبة الدول المعنية (أطراف مفاوضات فيينا) بـ”مراعاة مصالح دول المنطقة”.

وكان حاضرا كذلك تأكيد دول الخليج على مبادئ حسن الجوار واحترام قرارات الشرعية الدولية وتجنيب المنطقة جميع الأنشطة والتدخلات المزعزعة للاستقرار، ويندرج تحت هذا البند تحركات إيران ووكلائها الإقليميين بجانب ما قد يرشح عن لغة التصعيد المتبادلة بين إيران وإسرائيل.

وفي الشأن اللبناني برز الاختلاف في البيان الختامي مع قطر والذي تجنب وصف ميليشيا “حزب الله” وأنشطتها بـ”الإرهابية فيما توافقت جميع الدول الخليجية على إجراء إصلاحات شاملة بالبلاد ومنع تحويل لبنان منطلقا لأي أعمال تهدد أمن واستقرار المنطقة أو ممرا لتجارة المخدرات.

وفي اليمن وليبيا وسوريا، توافق الأطراف على ضرورة الحل السياسي لتلك الأزمات وفق مقررات الشرعية الدولية والجهود الأممية، بجانب التشديد على مبادرة المملكة العربية السعودية لإنهاء الأزمة اليمنية الصادرة في مارس 2021 كجزء أصيل من مسار الحل السياسي، فيما أدانت البيانات الاعتداءات على المنشآت والأعيان المدنية في المملكة مع عدم تطرق البيانين القطري والعُماني بالإدانة لميليشيا “أنصار الله” في ضوء استضافة مسقط للمفاوضات بين مختلف الأطراف باليمن بالتعاون مع المبعوث الأممي. كما أكدت الدول الخليجية التزامها الثابت بدعم حقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة بحدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وفي الشأن الأفغاني شددت الدول الخليجية على عدم السماح بتحول أفغانستان ملاذا آمنا للإرهاب، واستهجان أي أعمال لتجنيد اللاجئين الأفغان في مناطق الصراعات، وهو ما يمس الجانب الإيراني بالأخص، على غرار نشاط ميليشيا زينبيون الأفغانية التابعة لطهران ودورها في الأزمة السورية مع وجود عدد كبير من اللاجئين الأفغان على الأراضي الإيرانية.

وفي إطار تفعيل دور مجلس التعاون كفاعل مؤثر في صنع القرارات الإقليمية، دشن وزراء خارجية المجلس في الرياض يوم الأحد 12 ديسمبر الجاري، آلية التشاور السياسي مع الجانب المصري بحضور وزير الخارجية سامح شكري ترسيخا لمخرجات قمة العلا ودعما لتحقيق الانتقالة المأمولة في العمل المؤسسي، وهو ما سيفرز في المرحلة المقبلة تضافر جهود كلا الجانبين وتطويرها مؤسسيا في مجالات مختلفة وتوفير الدعم المتبادل في مواجهة التحديات التي تواجه الأمن القومي العربي.

ختاما؛ حققت الجولة الخليجية لولي العهد السعودي جانبا كبيرا من أهدافها والتي ستنعكس بكل تأكيد على قمة مجلس التعاون بحضور قادة وزعماء الدول، وتحديها الأبرز يتمثل في العلاقات مع إيران في ظل الإشارات المتضاربة من أطراف مفاوضات فيينا، كما تركز المملكة على مواجهة أي أنشطة إقليمية تزعزع استقرار المنطقة مما يعزز تحرك التكتل الخليجي مع أطراف عربية فاعلة في ضوء ضبابية التزامات القوى الدولية حيال مواجهة التحديات والتهديدات الإقليمية.

ولن تمنع تلك الرؤية للعمل المؤسسي الخليجي من استقلالية السياسة الخارجية لدوله، وإنما ستعزز من وحدة الصف لردء أي عدائيات تستهدف أمن أي من أعضاء المجلس وفي حدها الأدنى ستمنع تحول اختلاف وجهات النظر في بعض الملفات إلى سياسات متعارضة.

 يذكر أن……………………………………………………………………………………….

منطقة الخليج تشهد خلال الشهرين الماضيين زخما كبيرا في العلاقات الثنائية بين دولها وكذلك علاقاتها الإقليمية، في إطار صياغة سياسة مرنة للتأقلم مع التحولات الجارية في المنطقة والتوترات المتصاعدة في الإقليم تزامنا مع استئناف المفاوضات النووية مع إيران والتهديدات الإسرائيلية المتواترة بشأن استهداف المنشآت النووية الإيرانية للضغط على حلفائها الغربيين المشاركين في مفاوضات فيينا.

(*) قمم خليجية ثنائية: كانت البداية بزيارة ولي عهد البحرين الأمير سلمان بن حمد آل خليفة لدولة الإمارات في 9 نوفمبر الماضي، حيث وقع على هامشها الجانبان عددا من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مختلف المجالات واتفقا على تطوير شامل لعلاقات البلدين، وتستمر اللقاءات الودية بين قادة البلدين في مناسبات عدة.

كما شهد الثاني والعشرين من الشهر ذاته زيارة سلطان عُمان السلطان هيثم بن طارق إلى الدوحة حيث التقى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد، وأبرم الجانبان 6 اتفاقيات في مجالات التعاون الاقتصادي العسكري والأمني وبحثا تعزيز الاستثمارات والتبادل التجاري.

(*) تحركات إماراتية نشطة: وسعت دولة الإمارات العربية المتحدة نطاق تحركاتها الإقليمية وفتحت خطوط اتصال دبلوماسية وأمنية مع أطرافها، لصقل دورها كفاعل إقليمي يساهم في إعادة ترتيب أوراق المنطقة ويعزز الاستفادة من تحولاتها، والبداية كانت بزيارة وزير الخارجية والتعاون الدولي الشيخ عبدالله بن زايد لدمشق ولقائه الرئيس السوري بشار الأسد في 9 نوفمبر الماضي لتسريع خطوات تطبيع العلاقات العربية مع النظام السوري.

ومثل لقاء ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد بالرئيس التركي إردوغان في الرابع والعشرين من نوفمبر الماضي، أبرز مؤشر على توجهات السياسة الخارجية الإماراتية في المرحلة المقبلة التي تراهن على البعد الاقتصادي في سبيل تخفيف حدة التوترات وبناء علاقات إيجابية مع القوى الإقليمية، بما يخدم أمن واستقرار المنطقة.

واستكمل مستشار الأمن الوطني الشيخ طحنون بن زايد مساره لمد جسور العلاقات مع القوى الإقليمية بزيادة الأخيرة إلى طهران ولقائه الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، وذلك تلبية لدعوة أمين عام مجلس الأمن القومي في إيران على شمخاني في السادس من ديسمبر الجاري، تخللها دعوة رئيسي لزيارة أبوظبي. وقد عكست الزيارة حرص القيادة الإماراتية على تعزيز العلاقات وإبراز رسائل مفادها أن التطبيع مع إسرائيل ليس موجها ضد إيران وأن أبوظبي تشدد على مبادئ حسن الجوار والتعايش السلمي وترفض أي تصعيد يهدد أمن المنطقة ودولها.

(*) زيارات خارجية: أجرى مطلع الشهر الجاري الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جولة خليجية شملت الإمارات وقطر والسعودية، تصدرتها الأجندة الاقتصادية والتباحث حول الشأنين الإيراني واللبناني في إطار التسويق لباريس كبديل محتمل أو مساند للنفوذ الأمريكي في المنطقة الممتدة من البحر المتوسط وحتى الخليج العربي برز منذ قمة بغداد للتعاون الإقليمي في أغسطس الماضي، كما دللت الجولة على دافع شخصي لماكرون للخروج باتفاقات اقتصادية وصفقات تسليح ضخمة تعزز من فرصه للفوز بولاية جديدة في الانتخابات الرئاسية المقبلة 2022.

وفي يومي السادس والسابع من ديسمبر استقبل أمير قطر الشيخ تميم بن حمد، الرئيس التركي إردوغان في الدوحة، ووقع الجانبان عددا من الاتفاقيات على هامش انعقاد الدورة السابعة للجنة الاستراتيجية العليا بين البلدين. وسعى إردوغان للاستفادة من زخم التقارب مع دولة الإمارات في تأكيد رغبة بلاده الانفتاح على كل دول الخليج، في إشارة إلى المملكة العربية السعودية، حيث تزامنت تلك الزيارة مع جولة ولي العهد السعودي واحتمالية أن تلعب قطر دورا في التقريب بين الرياض وأنقرة، غير أن وزير الخارجية القطري أشار إلى أن ذلك التزامن هو محض صدفة.

وفي أول زيارة لرئيس وزراء إسرائيلي لأبوظبي التقى الشيخ محمد بن زايد، نفتالي بينت خلال زيارته للعاصمة الإماراتية يومي 12 و13 ديسمبر، وتناول اللقاء التباحث حول العلاقات الثنائية وسبل تعزيز التعاون الاقتصادي في مجالات الزراعة والتكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة، وأكدا أهمية العمل المشترك في إطار اتفاق السلام بين الجانبين.

 

ضياء نوح

باحث بوحدة دراسات الأمن الإقليمي ، حاصل علي بكالوريوس العلوم السياسية ، وباحث ماجستير في ذات التخصص ، له العديد من الدراسات والأبحاث المنشورة في مراكز الفكر والمجلات العلمية ، متخصص في شئون الخليج وإيران .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى