ارتدادات “أزمة قرداحي” على العلاقات السعودية اللبنانية

أثار حديث تلفزيوني لوزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي حول الأزمة اليمنية وموقفه من دول التحالف العربي موجة سخط كبيرة من قبل المملكة العربية السعودية ودول خليجية ليعزز بذلك من تأزم العلاقات بين الجانبين اتصالا بدور ميليشيا “حزب الله” والقوى الداعمة والمتحالفة معه في توجيه القرار الحكومي لخدمة أهداف الحزب، مما دفع السعودية لإعلان سحب سفيرها في بيروت في التاسع والعشرين من أكتوبر 2021 وإمهال السفير اللبناني بالرياض 48 ساعة لمغادرة أراضي المملكة.

وتأسيسا على ما سبق؛ يسعى هذا التحليل لإلقاء الضوء على خلفيات القرار السعودي ومبرراته وتداعيات ذلك على كل من العلاقات الخليجية اللبنانية والأوضاع الداخلية بالجمهورية اللبنانية.

أبعاد متشابكة:

على مدى عقود امتلكت المملكة العربية السعودية، ولا تزال، دورا مؤثرا في لبنان منذ توقيع اتفاق الطائف، إلى أن دخلت قوى أخرى على مشهد التقاطعات الطائفية والسياسية وأدت في المحصلة لتمكين ميليشيا “حزب الله” وعبر حلفائه، من تعطيل المعادلة السياسية ما لم تلبي تطلعاته وتحد من دور خصومه، وسط انقسام الموقف الدولي من النشاط المسلح للحزب ودوره في الصراعات الإقليمية.

وفي أعقاب الحركة الاحتجاجية أكتوبر (تشرين) 2019 ضد الطبقة السياسية، وما تلاها من أزمات ألقت بظلالها على تشكيل الحكومة، أحجمت الرياض عن دعم أي إجراءات من شأنها شرعنة تأثير الحزب على الحكومة، وكان للتوتر الحالي مقدماته خلال الأشهر الماضية:

(*) تصريحات استفزازية: ازداد توتر العلاقات بين السعودية والحكومة اللبنانية في الفترة الأخيرة على خلفية بعض التصريحات لمسئولين رفيعي المستوى من بينها تصريحات شربل وهبة وزير الخارجية السابق والمحسوب على التيار الوطني حليف ميليشيا “حزب الله”، تجاه دول الخليج في مايو الماضي بعبرات عنصرية واتهام بعضها بدعم تنظيم داعش الإرهابي، ما أدى إلى إدانات خليجية وعربية انتهت باستقالة وهبة.

وفي ذات السياق، أظهرت تصريحات تلفزيونية مسجلة مسبقا، لوزير الإعلام اللبناني بالحكومة الحالية جورج قرداحي دعما لميليشيا “أنصار الله” واصفا ما يقوم به تحالف دعم الحكومة الشرعية باليمن بقيادة المملكة العربية السعودية بـ”الحرب العبثية”، رافضا الاعتذار ومعللا موقفه بالحرص على مصالح السعودية والإمارات، فيما كانت ردود رئيس الوزراء نجيب ميقاتي ورئيس الجمهورية ميشال عون بأن التصريحات تعبر عن رأي شخصي لـ “قرداحي” وصدرت قبل اختياره وزيرا بحكومة ميقاتي، وهو ما لم يمثل موقفا مرضيا بنظر الرياض.

(*) دور ميليشيا”حزب الله”: كان واضحا من بيان الخارجية السعودية تحميل ميليشيا “حزب الله” مسئولية ما آلت إليه العلاقات بين الرياض وبيروت بصورة أساسية بدءا بتهريب كميات كبيرة من مخدر الكبتاغون إلى الأراضي السعودية عبر صادرات الحاصلات الزراعية، وهو ما أرجعته المملكة إلى سيطرة الحزب على كافة منافذ الدولة، في ظل عدم اتخاذ السلطات اللبنانية إجراءات رادعة تمنع تكرار تلك الحوادث كما لم تسلم المسئولين عنها إلى السعودية وفق اتفاق الرياض للتعاون القضائي، حسبما ذكر البيان.

كما أضاف البيان أن توالي التصريحات والمواقف المسيئة لدول الخليج والمملكة العربية السعودية حصرا يعبر عن هيمنة الحزب على قرار الدولة ويدفعها لتحقيق أجندة إيران وذلك بالإشارة لقيام ميليشيا “حزب الله” بدعم ميليشيا “أنصار الله” في اليمن بالتدريب والسلاح والعناصر المقاتلة والتي كشف عنها مؤخرا إعلان وزير الإعلام اليمني مقتل القيادي بالحزب مصطفى الغراوي في 25 مايو الماضي في غارة جوية للتحالف بمأرب.

إجراءات سعودية:

خلال العام الجاري، اتخذت المملكة العربية السعودية عددا من الإجراءات ردا على ما تقدم ذكره وصولا لقرارها الأخير، وتتمثل الإجراءات في التالي:

(&) وقف الواردات من لبنان: بعد ضبط شحنة رمان تحتوي كميات من مخدر الكبتاغون، أعلنت السعودية في الرابع والعشرين من أبريل الماضي وقف استيراد الخضروات والفواكه من لبنان، ومنعها من عبور أراضيها لحين اتخاذ السلطات اللبنانية إجراءات لمنع تكرار تلك الحوادث، وفي بيانها الجمعة 29 أكتوبر، عممت الرياض القرار على كافة الواردات من لبنان وذلك لـ”حماية أمن المملكة وشعبها”.

(&) تصنيف “القرض الحسن” كيانا إرهابيا: صنفت رئاسة أمن الدولة في الثامن والعشرين من أكتوبر جمعية “القرض الحسن” المصرفية التابعة لميليشيا “حزب الله” كيانا إرهابيا وتجميد أصوله داخل المملكة، وذلك نظرا لتورطها في تمويل أنشطة الحزب وأغراضه العسكرية.

(&) استدعاء السفير: قررت الرياض في بيان وزارة الخارجية بتاريخ التاسع والعشرين من أكتوبر استدعاء سفيرها في لبنان للتشاور وإمهال السفير اللبناني 48 ساعة لمغادرة الأراضي السعودية، على خلفية التطورات الأخيرة ومع التأكيد على الترحيب بالجالية اللبنانية في السعودية وعدم تأثرها بتلك الإجراءات.

تداعيات متعددة:

أفادت وسائل إعلامية مختلفة بوجود مساندة من ميليشيا “حزب الله” للوزير قرداحي وموقفه برفض الاعتذار ودعمت كذلك عدم تقدمه باستقالته، وهو ما يتسق مع موقف الحزب تجاه المملكة العربية السعودية الساعي لتقليص دورها في لبنان لصالح ترسيخ وجوده على الساحة السياسية، ودعم مصالح إيران بالداخل اللبناني، في مقابل سخط سعودي من توسع نشاط الحزب إقليميا وخاصة على الساحة اليمنية، وبالتالي تظل هناك حاجة لاستنهاض موقف دولي يردع أبرز فصيل موالٍ لطهران في المنطقة إذا كانت هناك مساع جدية لإنهاء الصراع في اليمن.

(*) الداخل اللبناني: هذه الضغوط دفعت الحكومة لتشكيل خلية حكومية لحل الأزمة ورأب الصدع خوفا من عودة حالة الانسداد في المشهد السياسي إلى المربع الأول السابق على تشكيل الحكومة يضاف إليه التعطيل المتعمد لمسار التحقيق في قضية انفجار مرفأ بيروت على خلفية اتهام وزراء وشخصيات محسوبة على الحزب وحركة أمل أوجدت سجالا جديدا بين الطرفين من جهة وحزب القوات من جهة أخرى في أحداث الطيونة.

وسيؤثر الموقف السعودي وبدون شك، في أي خطط تمويل منتظرة لدعم الإصلاحات في لبنان، إلى جانب الوقف المحتمل لتحويلات اللبنانيين العاملين في بعض دول الخليج العربي وأكبرهم عددا القاطنين في السعودية وهو ما سيؤثر على الاقتصاد اللبناني عموما واقتصاديات أسر هؤلاء العاملين بصورة مباشرة في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية صعبة.

(*) العلاقات اللبنانية الخليجية: وعلى صعيد مسار العلاقات الخليجية اللبنانية، اتخذت كل من مملكة البحرين ودولة الكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة موقفا مماثلا لموقف السعودية بسحب سفرائهم ودعوة السفير أو القائم بالأعمال اللبناني لمغادرة البلاد تضامنا مع الرياض، فيما أحجمت كل من عُمان وقطر عن اتخاذ هذا الإجراء حتى اللحظة، اتساقا مع توجه الوساطة في حل الأزمات بالنسبة لمسقط والدوحة خصوصا مع تدخل الأخيرة سابقا وبدعم عربي في أزمة 2008 بفعل علاقتها مع كل الأطراف والتي أدت لاتفاق الدوحة،وفي كل الأحوال لن تتخذ أي دولة خليجية موقفا متباعدا عن الرياض.

(*) المباحثات السعودية الإيرانية: وعلى صعيد إقليمي، سيكون لذلك التصعيد صدى في المحادثات السعودية الإيرانية الجارية والمستمرة على الرغم من سخونة المشهد الميداني في اليمن وقد برزت تصريحات متفائلة وأخرى حذرة بشأن سير تلك العملية، إلا أن التصدي لدور ميليشيا “حزب الله” خاصة في الجارة الجنوبية ربما يفوق أي أهمية لحضور المملكة في الساحة اللبنانية أو أي تهديد للتقارب الصعب مع إيران.

وختاما؛ تراهن المملكة على نفوذها في لبنان والذي لم تستطع أي قوة أخرى ملئه، ناهيك عن تجاوزه في صياغة المعادلة السياسية، لذلك ستسعى الحكومة بكل الوسائل المتاحة للتواصل مع الرياض، إلا أن تصاعد الانتقادات من المجتمع الدولي خاصة الولايات المتحدة ضد دور ونفوذ “حزب الله” قد تعقد من تلك المساعي، إذ لم يعد تغير الموقف السعودي متوقفا على إقالة الوزير وإنما يتطلب وجود حكومة متحررة من ضغوط الحزب وتأثيراته في صنع القرار الحكومي ولن يتحقق ذلك سوى بتبدل موازين القوى بالداخل اللبناني.

ضياء نوح

باحث بوحدة دراسات الأمن الإقليمي ، حاصل علي بكالوريوس العلوم السياسية ، وباحث ماجستير في ذات التخصص ، له العديد من الدراسات والأبحاث المنشورة في مراكز الفكر والمجلات العلمية ، متخصص في شئون الخليج وإيران .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى