محاولات جادة: هل ينقذ مشروع “قيس سعيد” للصلح الجزئي الاقتصاد التونسي؟

يأتي إعلان رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيد بعد لقاءه بوزير المالية الأسبق نزار يعيش منذ أيام،  عن قراره بتقديم مشروع للصلح الجزائي، معبراً عن خطوة هامة وسريعة للشروع في إنقاذ الاقتصاد التونسي، خاصة وأن هذا الصلح يخدم ثلاثة اتجاهات مختلفة من المُنتفعين، وهم: رجال الأعمال، وميزانية الدولة، ومصلحة المواطن.

تأسيساً على ما سبق، وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الدولة التونسية، واعتبار إقرار قانون الصلح الجزئي بمثابة محاولة إنقاذ سريعة وفقا لبعض المقربين- يمكن طرح التساؤل التالي، هو: ما هو مضمون مشروع الصلح الجزئي، وما هي انعكاساته على الواقع الاقتصادي التونسي؟.

بوادر مشجعة في انقاذ اقتصاد تونس:

نشير قبل عرض تفاصيل مشروع الصلح الجزائي الذي أعلن عنه الرئيس قيس سعيد، إلى أن الإصلاحات الاقتصادية تكون أكثر نجاعة إذا ما تزامنت كذلك مع إصلاح جبائي عادل كان قد تَحَدَّثَ عنه الوزير الأسبق نزار يعيش في لقاءه بالرئيس التونسي المذكور سابقا. وبالتالي، يجب التأكيد على أنه من الضروري خلال الفترة المقبلة إتباع فلسفة جديدة في التعاطي مع الضرائب، يجبُ إرساؤها بعيدا عن التشفي أو الانتقام أو الابتزاز، فلسفة تؤدي إلى مصالحة المواطن مع الجباية. ولكي تنجح هذه المصالحة لا بد أن تكون هناك إصلاحات عميقة.

تجدر الإشارة إلى أن تونس تزخر بكفاءات متميزة في المجال الاقتصادي والمالي، قادرون على وَضْع حلول عاجلة وآجلة للأزمة الاقتصادية الحالية التي تمر بها تونس. ومثلما تمّ إعلان رئاسة الجمهورية عن إحداث لجنة عليا للتربية والتعليم، يكون من الضروري كذلك إنشاء لجنة عليا قارة للاقتصاد والمالية. والمفروض أن تَصُبّ كل هذه الجهود في تطوير عمل الحكومة، وتحييد عمل هذه اللجان عن التجاذبات السياسية.

إصلاح شامل وعفو جبائي عام:    

نؤكد في البداية على أهمية إصدار عفو جبائي عام يجب أن يسبقه اتفاق على إصلاح شامل لنظام الضرائب بمشاركة الحكومة واتحاد الشغل واتحاد الأعراف وخبراء مختصين من المجتمع المدني. وينطلق هذا الإصلاح من خلال عدة مقترحات، نحددها على النحو التالي:

 (*) توسيع قاعدة الأداء.

 (*) تعميم المُعرّف الجبائي على أقصى ما يُمكن من الشرائح الاجتماعية.

 (*) تخفيف نسبة الضرائب بصفة عامة ولو تدريجيا لتحفيز الجميع على المشاركة في التصريح بدخولهم.

(*) العمل على النزول بنسبة الضرائب التي يدفعها موظفو القطاع العام لأنهم يتحملون العبء الأكبر من مجموع الضرائب المدفوعة، في حين أنهم لا يسيطرون على النسبة الأكبر من الثروة، وذلك من أجل تحقيق العدالة الجبائية.

 (*) التخفيف من نسبة الأداء على القيمة المضافة، ومن نسبة الأداء على توريد تجهيزات تُعْتَبرُ أكثر من مُشطّة مثل السيارات والشاحنات التي تُجبر الموردين سواء كانوا أفرادا أو مجموعات، على انتهاج أساليب ملتوية معلومة لدى الجميع للإفلات من دفع الضريبة الجمركية، وضرورة مزيد تخفيض الأداء على العديد من المواد الأولية التي تحتاج إليها الصناعة والفلاحة التونسية. فإذا تمّ إقرار هذه الإصلاحات من الحكومة والبرلمان يمكن أن نتحدث حينها عن عفو جبائي عام.

وتكمن أهمية العفو الجبائي العام في أنه يسمح بتسوية آلاف الملفات بما يسمح للدولة باسترجاع نسبة لا بأس بها من الأموال. ونشير هنا إلى أن صدور قانون العفو الجبائي العام يجب أن يتزامن مع صدور قانون جديد يتمّ التشديد فيه إلى أقصى حدّ على العقوبات المالية والجزائية لكل مُتهرّب ضريبي في المستقبل، كما هو الشأن في البلدان الأوروبية.

ولضمان نجاح هذه الإصلاحات لا بد من التفكير في إنشاء شرطة الضرائب أو الشرطة المالية على غرار ما يوجد في إيطاليا وبلدان أخرى، تكون لها صلاحيات كبرى في التدخل لدى الهياكل المختصة لجمع المعلومات المتعلقة بالملفات الضريبية، ولها شُرْطتها الخاصة التي تستعملها في الإيقاف والملاحقة، والأهم من كل ذلك لها استقلاليتها الكاملة والفعلية. ونشير كذلك إلى أن نجاح هذه الإصلاحات يستوجب وجود ثقافة جبائية لدى المواطن، تهيئ الأرضية للإصلاحات المذكورة.

 لماذا تحتاج تونس إلى ثقافة جبائية؟:

 يُعتبر نشْرُ الثقافة الجبائية في الداخل التونسي بمثابة حجر الزاوية في كل إصلاح ضريبي، ويتمّ ذلك بالتزامن مع أمْريْن، يمكن تحديدهما كالتالي:

 الأمر الأول: يتمثل في حملة إعلامية تعتمد التبسيط والإلمام بكل الإجراءات المتعلقة بهذا القطاع.

 أما الثاني: يتمثل في اعتمادُ إدارة الضرائب على عملية التدرّج في تطبيق الإصلاحات الجديدة وذلك عبْر توعية المطلوبين للجباية بأنها ستحدد لهم وزارة المالية مدة إمهال تدوم سنتين تخصصها للتنبيه وللتحذير من الخروقات التي يمكن أن تحدث بشكل غير متعمّد فيما يتعلق بالتصريح بدخولهم المالية وتنبيههم إلى المطبّات التي يمكن أن يقعوا فيها نتيجة الأخطاء المتكررة في تصريحاتهم الجبائية، وتخصص لذلك مكاتب تعمل فقط لتوعية المواطن بكيفية التعامل مع التشريعات الجبائية الجديدة وتمكينه من معرفة كاملة لحقوقه وواجباته عند التصريح بدخوله المالية. وبعد انقضاء مهلة السنتين لا يتم أيّ تساهل في تطبيق القانون ولا يتم التسامح مع أي إخلال.

وتكمن أهمية الثقافة الجبائية في خلق مناخ ملائم للتصالح مع الجباية وعدم اعتبارها عقابا أو انتقاما، لأن دافعي الضرائب في الدول المتقدمة بعد أن يقوموا بواجبهم الضريبي، يحاسبون حكوماتهم على ما تُنْفقه من مردود الضرائب. وبعد دخول تطبيق الإصلاحات الضريبية بشكل كامل (بعد مرحلة الإمهال) تُصبح الشرطة المالية التي تَهتمّ بالضرائب هي المؤهلة بمتابعة الإخلالات الجبائية، ولها من النفوذ الواسع ما يسمح لها بإنجاز عملها دون تَدَخُّل أيّ سلطة في ذلك. ولا بد من توفير كل الجوانب اللوجستية والإجراءات القانونية والميزانية المالية الضرورية  للشرطة المالية للقيام بمهامها في أحسن الظروف. وبذلك نكون قد دخلنا طورا جديدا في مكافحة التهرب الضريبي وتكريس مصالحة حقيقية بين المواطن والجباية.

في النهاية، يمكن القول إنه لنجاح مشروع الصلح الجزائي الذي يقصده الرئيس “قيس” في تونس، يكون من الضروري أن تسبقه مجموعة من المعالجات الاقتصادية، من أهمها: التخفيف من نسبة الأداء على القيمة المضافة، والعمل على النزول بنسبة الضرائب التي يدفعها موظفو القطاع العام، بالإضافة إلى ضرورة تخفيض نسبة الضرائب بصفة عامة.

د. أعلية علاني

أستاذ وخبير مشارك بالمركز، هو مؤرخ تونسي وباحث في القضايا الاستراتيجية والتيارات المتشددة دينيا، حاصل على التأهيل الجامعي جامعة منوبة- تونس، ويعمل نائب رئيس المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل، وعضو بوحدة البحث المجتمع والمجتمع الموازي كلية الآداب منوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى