عدوى الجغرافيا: لماذا بدأت الأوضاع تنفرج في ليبيا وتتعثر في تونس؟ 

لا ندري أيّ لعنة حلّت بتونس هذه الفترة، فكلما خرجت من أزمة إلا ودخلت في أخرى. لقد انتظر التونسيون انفراج الأوضاع في ليبيا لتتحرك التجارة بين البلدين، وتتدفق اليد العاملة نحو ليبيا التي تتهيأ بعد انتخاب سلطتها التنفيذية إلى ترتيب أوضاعها الأمنية والاقتصادية. وقد استبشر التونسيون خيرا بهذا الحدث، لكن يبدو أن رجال السياسة عندنا لهم هموم أخرى ولا يُقدّرون دقة وخطورة الأوضاع الاقتصادية بعد تخفيض وكالة التصنيف الائتماني موديز السلبي مؤخرا لحالة الاقتصاد التونسي مما سيعطل تدفق الاستثمار الأجنبي ويجعل الاقتراض صعبا من المؤسسات الدولية التقليدية.

انفراجة تقترب في ليبيا: 

يناقش مجلس النواب الليبي في الأيام القادمة تشكيل الحكومة الجديدة وبرنامجها للمصادقة عليها وستنال الثقة سواء من البرلمان أو من مجلس ملتقى الحوار السياسي الليبي المُشَكّل من 75 عضوا، أي أن الأمور على قدم وساق من أجل تركيز سلطة تنفيذية تحظى بثقة كامل الطيف السياسي الليبي. وبالتوازي مع ذلك بدأت الدول الكبرى تستعد لمرحلة الإعمار وهناك أخبار غير مؤكدة تُفيد بأن الصفقات الكبرى تم الاتفاق حولها ضمنيا، ولا ندري ما هي استراتيجية وزارة الخارجية التونسية في تعاطيها مع هذا الملف.

صحيح أن التحديات في ليبيا كبيرة، وتجريد الميليشيات من السلاح وإخراج المرتزقة سيكون أول اختبار جدي لهذه الحكومة، لكن عزيمة الليبيين قوية هذه المرة، وإصرارُهُمْ على طي صفحة الماضي سيساعدهم على تَخَطّي الصعوبات. وقد استخلصوا الدروس مما حصل لهم فقد كَبَّدتهم الحرب خسائر قُدّرت من طرف لجنة الإسكوا التابعة للأمم المتحدة بـ 576 مليار دولار بين2011- 2020 . وقُدّرت تكلفة إعادة الإعمار بما يزيد عن 100 مليار دولار تُنفق على مدى 10 سنوات في حين تقدرها تقارير أخرى بـ 150 مليار دولار. وبقدْر ما نَفْرح لأشقائنا الليبيين الذين باركوا الحكومة الجديدة بعد أنْ عانوا الأمرّين منذ أكثر من 10 سنوات نتيجة الفوضى الأمنية والتقاتل المتبادل بين الفرقاء الليبيين بقَدْر ما نتألم لأوضاعنا التي أصبحت عَبَثيّة.

كيف يفكر قادة تونس بعد ليبيا؟:

لم يَعُدْ هناك مُتّسع من الوقت لاستمرار التجاذب السياسي في تونس خاصة بعد احتداد الأزمة الاقتصادية كما أشرنا وبعد سلسلة الاحتجاجات الاجتماعية التي ربما تتجدد، وبعد بوادر الحل السياسي في ليبيا. وليس أمامنا سوى الاتفاق حول جملة من الإصلاحات المستعجلة سياسيا واقتصاديا سواء فيما يتعلق بتركيبة الحكومة والهيئات الدستورية والقانون الانتخابي ونوعية النظام السياسي أو ما يتعلق بخطة الإنقاذ الاقتصادي. ويصعب أن تتم هذه الإصلاحات في غياب هيئة للحوار الوطني. وبالتوازي مع هذه الإجراءات، يُسْتحسن أن تُبادر رئاسة الجمهورية عاجلا بتنشيط الدبلوماسية الاقتصادية مع ثلاثة بلدان لها علاقة جيدة بتونس وهي ليبيا والجزائر والنيجر التي صعد إلى رئاسة الجمهورية فيها في الانتخابات هذه الأيام رئيس يحب تونس هو السيد محمد بعزوم.

 فمع الجزائر سيشهد التبادل التجاري عن طريق البرّ نسقا أكبر أما مع ليبيا فإن ما يُعرف عن رئيس الحكومة الجديد السيد عبد الحميد دبيبة علاقته الوثيقة مع اتحاد الصناعة والتجارة بتونس. وتقتضي الدبلوماسية الاقتصادية استقرارا سياسيا في تونس وإعدادا جيّدا لمجالات إعادة الإعمار في ليبيا. وهناك اليوم تسابق كبير بين الدول في هذا المجال. فالصحف تتحدث عن إمكانية حصول مصر على فُرَص مشاريع الإعمار بما قيمته 20 مليار دولار على مدى عشرية كاملة مع 2 مليون يد عاملة مصرية. أما تونس فتذكر بعض وسائل الإعلام أنها تخطط للحصول على عقود بـ 10 مليار دولار و300 ألف من اليد العاملة التونسية خلال عشرية كاملة، لكن هذا يتطلب استقرارا سياسيا واجتماعيا للاستجابة لطلبات المؤسسات الليبية مستقبلا إذا ما صحت هذه الأخبار.

وبالنسبة للنيجر ففيها آفاق واعدة للتصدير وحتى للتبادل في بعض المنتوجات. وإذا أضفنا إلى ذلك إمكانية تحسّن في الوضع السياحي خلال الصائفة القادمة فإن جزءا هاما من متاعب تونس الاقتصادية يتم تجاوزها. وأودّ أن أشير بهذه المناسبة أن تقترح الحكومة التونسية مستقبلا على الحكومة الليبية بَرْمجة مشروع خط حديدي يربط الجنوب التونسي مع طرابلس (ويقوم كل بلد بإنجاز القسط الراجع إليه بالنظر)، وذلك على غرار مشروع الخط الحديدي الذي برْمَجَتْه الغرفة التجارية المصرية مِؤخرا مع الغرفة التجارية بالشرق الليبي والذي سيربط بين الإسكندرية وبنغازي. وسيكون ذلك مدخلا لسوق مغاربية كبرى يمكن أن تلتحق بالخط المغاربي القديم يوما ما إذا ما تمّت تسوية الخلاف الجزائري المغربي حول قضية الصحراء. وختاما فإن هناك الكثير ما ينتظر تونس إذا عرفت كيف تحل مشاكلها في أسرع وقت وبحكمة بالغة.

د. أعلية علاني

أستاذ وخبير مشارك بالمركز، هو مؤرخ تونسي وباحث في القضايا الاستراتيجية والتيارات المتشددة دينيا، حاصل على التأهيل الجامعي جامعة منوبة- تونس، ويعمل نائب رئيس المركز التونسي لدراسات الأمن الشامل، وعضو بوحدة البحث المجتمع والمجتمع الموازي كلية الآداب منوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى