ملفات ثقيلة: ما هو مستقبل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا؟

أفرز التصويت الذي شهدته اجتماعات ملتقى الحوار الليبي، المنعقد في جينيف، سلطة تنفيذية جديدة من المفترض أن تقود البلاد حتى نهاية العام الجاري واجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية في ديسبر 2021، وقد تمخض عن هذا التصويت، الذي أجري في الجولة الفاصلة في 5 فبراير الجاري، انتخاب مجلس رئاسي جديد يتألف من “محمد يونس المنفي” ونائبين له هما “موسى الكوني” و”عبد الله اللافي”، بينما تم اختيار “عبد الحميد دبيبة” رئيساً للحكومة الجديدة، وهو ما يطرح العديد من التساؤلات بشأن دلالات هذه التطورات والتداعيات المحتملة عليها، وكذلك إحتمالية نجاح هذه السلطة الجديدة في قيادة المرحلة المقبلة، وتجنب تكرار سيناريو حكومة الوفاق التي تحولت لحكومة دائمة وباتت طرفاً من الصراع القائم.

عملية الاختيار:

بدأت اجتماعات ملتقى الحوار الليبي في العاصمة السويسرية جينيف في 2 فبراير الجاري؛ وذلك للتصويت واختيار أعضاء المجلس الرئاسي والحكومة الجديدة، حيث شهدت القائمة النهائية للمرشحين لعضوية المجلس الرئاسي الجديد 24 مرشحاً، مقابل 21 على منصب رئاسة الحكومة، بيد أن المرحلة الأولي من التصويت شهدت فشل أي من المرشحين للفوز بنسبة ال70 % المطلوبة للفوز وفقاً للآليات التي تم التوافق عليها لاختيار السلطة التنفيذية، ومن ثم تم الاتجاه إلى المرحلة الثانية والمتمثلة في مرحلة القوائم، حيث قدم كل المرشحين قوائم من 4 أسماء؛ تضم كل منها مرشحاً لمنصب رئيس الوزراء وثلاثة أعضاء للمجلس الرئاسي.

وتقدمت في هذه المرحلة أربع قوائم للمنافسة على عضوية ورئاسة المجلس الرئاسي الجديد ورئاسة الحكومة، وتم التصويت مرة أخرى على هذه القوائم، وكان يحتاج اعلان فوز إحدى هذه القوائم حصولها على 60% على الأقل من أصوات أعضاء ملتقى الحوار الليبي الـ75، وإلا فتدخل القائمتان الحاصلتان على أكبر عدد من الأصوات في جولة إعادة، تفوز فيها القائمة التي تحصل على 50+1. وجاءت القوائم الأربعة على النحو التالي:

القائمة الأولي: وتشمل “محمد البرغثي” رئيساً للمجلس، و”على أبو الحجب” و”ادريس القايد” نائبان، و”محمد خالد الغويل” رئيساً للحكومة

القائمة الثانية: وتشمل “الشريف الوافي” رئيساً للمجلس، و”عبد الرحمن البلعزي” و”عمر أبو شريدة” نائبان، و”محمد المنتصر” رئيساً للحكومة.

القائمة الثالثة: وتشمل “محمد يونس المنفي” رئيساً للمجلس، و”موسى الكوني” و”عبد الله اللافي” نائبان، و”عبد الحميد دبيبة” رئيساً للحكومة.

القائمة الرابعة: وتشمل “عقيلة صالح” رئيساً للمجلس، و”أسامة الجويلي” و”عبد المجيد سيف النصر” نائبان، و”فتحي باشاغا” رئيساً للحكومة.

وبالفعل، فشلت أي من القوائم الأربعة في الحصول على 60 % من الأصوات من الجولة الأولي، ومن ثم تم إجراء جولة إعادة فاصلة، في 5 فبراير الجاري، بين القائمتان الحاصلتان على أكبر عدد من الأصوات وهما القائمة الثالثة والقائمة الرابعة، وعلى الرغم من تقدم القائمة الرابعة بقيادة عقيلة صالح في الجولة الأولي، بيد أن القائمة الثالثة بقيادة “محمد المنفي” نجحت في تحقيق الفوز بحصولها على عدد أصوات 39 صوتاً مقابل 34 صوت للقائمة الثانية، بينما أمتنع صوت واحد عن التصويت.

الماهية والعملية:

خلافاً لما كان متوقعاً، جاء فوز القائمة الثالثة، على الرغم من أنها كانت غير مرشحة تماما في الجولة الأولي من الإقتراع، بيد أن هذه القائمة قد استفادت من سقوط القائمة الثانية والتي كان على رأسها ” شريف الوافي” في مرحلة القوائم الأربعة، وهو ما أكده تقرير صادر عن “أندبنت عربية”، والذي أشار إلى أن أصوات هذه القائمة قد ذهبت لقائمة “محمد المنفي” في جولة الحسم؛ وذلك نكاية في “عقيلة صالح” و”فتحي باشاغا”، كذلك يشير التقرير إلى أن وجود “عبد الحميد دبيبة” في القائمة الثالثة ساهم بشكل كبير في منحها عدد كبير من اصوت غرب ليبيا، كما يربط التقرير فشل قائمة “عقيلة صالح” في الفوز في المرحلة الحاسمة بالبيان الذي أصدرته “الهيئة الطرابلسية” ( وهي هيئة مشكلة من حكماء وأعيان وكتائب عسكرية ومنظمات مجتمع مدني في غرب ليبيا) قبل بدء التصويت في الجولة الحاسمة مباشرة، والذي هددت فيه الهيئة بالإنقلاب على أي نتائج قد تفرز فوزاً لرئيس مجلس النواب “عقيلة صالح”؛ وهو ما أدى إلى ذهاب الكثير من أصوات الغرب الليبي في ملقتى الحوار الليبي إلى قائمة “المنفي”.

وتضم القائمة الفائزة في التصويت الحاسم كلاً من “محمد يونس المنفي” كرئيساً للمجلس الرئاسي، وينتمي الأخير إلى قبيلة “المنفة” بشرق ليبيا، وقد ولد في عام 1976 بمدينة طبرق، والتي لها أمتداد كبير في مصر ( حصل والده على درجة الدكتوراه من جامعة الزقازيق)، وجاءت إنطلاقته في العمل السياسي في أعقاب سقوط نظام القذافي، حيث فاز بعضوية “المؤتمر الوطني العام” في عام 2012، قبل أن يتم تعيينه في عام 2018 سفيراً لليبيا لدى اليونان، بيد أنه اضطر إلى مغادرة أثينا في 2019،؛ وذلك إثر توقيع حكومة الوفاق إتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا، والتي أدت إلى توتر العلاقات بين طرابلس واليونان. ويمكن استنباط بعضأ من الأفكار التي يتبناها “المنفي” من خلال تصريحاته، والتي يؤكد خلالها على الحاجة إلى إجراءات أكثر من مجرد وقف اطلاق النار، فضلاً عن الحاجة إلى فرض سيادة القانون من خلال توحيد المؤسسة العسكرية ونزع السلاح المنتشر خارج نطاق القانون.

أما “عبد الحميد الدبيبية”، فقد بات خامس رئيس حكومة ليبية منذ سقوط نظام اقذافي، وهو مهندس ورجل أعمال، ينتمي إلى مدينة مصراته بغرب ليبيا، وعلى الرغم من انشغاله بالمجال الاستثماري منذ حقبة القذافي والذي شغل خلالها إدارة العديد من المؤسسات الاقتصادية تابعة للدولة، بيد أنه يعد وجهاً مألوفاً في الوسط السياسي الليبي، رغم أنه لم يشغل قبل ذلك أية مناصب سياسية، سوى بعض المبادرات التي أطلقها بعد سقوط نظام القذافي على غرار ” تجمع ليبيا المستقبل” و”تيار ليبيا الموحدة”، وقد حاول “دبيبية” توسيع شبكة علاقاته الإقليمة والدولية عبر التواصل مع عدة أطراف، لعل أبرزها الزيارة التي قام بها إلى روسيا في 2017، وكذلك الزيارة التي قام بها إلى القاهرة في 2018 والتي ألتقى خلالها بالمبعوث الأممي السابق إلى ليبيا ” غسان سلامة”.

وفيما يتعلق بنائبي رئيس المجلس الرئاسي “موسى الكوني” و”عبد الله اللافي”، فقد سبق لـ “الكوني” الاستقالة من عضوية المجلس الرئاسي برئاسة فايز السراج في 2017، بعدما وجه اتهامات للحكومة بالفشل في معالجة المشكلات، وهو ينحدر من الطوارق في الجنوب الليبي، وقد شغل سابقاً وظيفة قنصل ليبيا العام في مالي منذ 2005، قبل أن يتم انتخابه عضواً في “المؤتمر الوطني العام” بعد سقوط نظام القذافي، وكذلك في مجلس النواب الذي تلاه. أما “اللافي” فهو ينحدر من مدينة الزاوية بغرب ليبيا، وهو موظف حكومي تم انتخابه في عام 2014 نائباً في مجلس النواب.

ترحيب واسع:

وقد أعقب الإعلان عن تشكيل سلطة تنفيذية جديدة في ليبيا ترحيباً واسعاً على كافة المستويات، فداخلياً، شهدت الساحة الليبية ترحيباً واسعاً من قبل رئيس مجلس النواب “عقبلة صالح” ( رغم خسارة قائمته في التصويت)، وكذلك الحال بالنسبة لـ” فتحي باشاغا” وزير الداخلية والذي أعلن عن تهنئته للفائزين، فضلاً عن ترحيب كل من رئيس المجلس الأعلى للدولة “خالد المشري” ( الذي أعلن في وقت سابق عن انسحابه من الترشحح لشغل أحد المناصب في السلطة التنفيذية)، وكذلك إعلان رئيس المجلس الرئاسي “فايز السراج” عن دعمه للسلطة التنفيذية الجديدة، كما رحب “الجيش الوطني الليبي” بقيادة المشير “خليفة حفتر” بانتخاب ملتقى الحوار السياسي الليبي سلطة تنفيذية جديدة ستقود البلاد إلى الانتخابات المقرر تنظيمها أواخر العام، وأكد المتحدث باسم الجيش الليبي “أحمد المسماري” أن القيادة العامة تقدم التهنئة إلى الشخصيات الوطنية التي تم انتخابها.

أما عربياً وإقليمياً، فقد أعربت عدة دول عربية عن تأييدها للتوصل إلى حكومة جديدة في ليبيا، فقد أعلنت الخارجية المصرية ترحيب مصر بنتائج التصويت على اختيار السلطة التنفيذية من قِبل ملتقى الحوار السياسي الليبي، معربة عن التطلع إلى العمل مع السلطة الليبية المؤقتة خلال الفترة القادمة وحتى تسليم السلطة إلى الحكومة المُنتخبة بعد الانتخابات المقررة نهاية العام الجاري، كذلك أعلنت المملكة العربية السعودية عن ترحيبها بنتائج التصويت على تشكيل السلطة التنفيذية الليبية الجديدة، معربة عن تطلعها لأن تحقق هذه الخطوة الأمن والاستقرار والتنمية في ليبيا. كما أثنت دولة الأمارات على جهود الأمم المتحدة بشأن تشكيل سلطة تنفيذية جديدة، مؤكدة تعاونها الكامل مع السلطة الجديدة بما يحقق الأمن والاستقرار والازدهار وتطلعات الشعب الليبي، كذلك رحبت الجزائر وموريتانيا بالتقدم المحرز في المف الليبي، ومن ناحيتها، أعلنت كل من تركيا وإيران عن ترحيبهما باختيار حكومة ليبية مؤقتة جديدة.

ودولياً، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية “نيد برايس” أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تدعم تمامًا هذه النتيجة للعملية التي تيسرها الأمم المتحدة والتي ستؤدي إلى ليبيا مستقرة وآمنة وانتخابات في ديسمبر 2021، وقد أعقب هذه التصريحات صدور بياناً مشتركاً عن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا بيانًا مشتركًا، رحبت هذه الدول خلاله بالخطوة وحثت جميع الفصائل الليبية على العمل معًا لدعمها. كذلك، وصف الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش” الانتخابات بأنها “تمثل اختراقاً كبيراً في عملية البحث عن السلام بعد ما يقرب من 10 سنوات وأن ليبيا تسير في الاتجاه الصحيح، ومن الضروري للغاية توحيد ليبيا والمضي قدمًا على طريق السلام. كذلك، أعلنت روسيا ترحيبها بالتوصل لحكومة جديدة في ليبيا.

ما بعد الاقتراع:

تأتي عملية اختيار حكومة ليبية مؤقتة في إطار عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة، والتي تفترض إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في ديسمبر 2021، وقد أشادت “ستيفاني ويليامز” رئيسة البعثة الأممية بالإنابة الليبين بهذا التقدم، مشيرةً إلى أنه يتعين على رئيس الوزراء المكلف- خلال فترة لا تتجاوز الثلاثة أسابيع- تشكيل حكومته وتقديم برنامج عمله إلى مجلس النواب للمصادقة الكاملة عليه، وبعدها يبقى أمامه ثلاثة أسابيع أخرى لنيل ثقة البرلمان، وفي حال فشل في ذلك، فسيتم طرح أعضاء الحكومة الجديدة على ملقتى الحوار الليبي للفصل في الموضوع.

كما دعت “ويليامز” السلطة الليبية الجديدة بضرورة الإلتزام بما تم الاتفاق عليه من حيث التعهد بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في 24 ديسمبر، وألا يخوضوها أعضاء السلطة التنفيذية الجديدة كمرشحين، وكذلك الإلتزام بتشكيل حكومة تقوم على الكفاءات تضمن تمثبل جيد للشعب الليبي خاصةُ النساء ( بنسبة لا تقل عن 30% من المناصب القيادية) والشباب، كذلك الإلتزام بدعم وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وفتح الطريق الساحلي، وخروج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة، وإعادة توحيد المؤسسات الليبية، والإصلاح الاقتصادي.

فرص وتحديات: 

تمثل هذه التطورات في الملف الليبي من إنفراجة كبيرة، تعكس مؤشرات هامة حول إحتمالات حلحلة الأزمة الليبية، فمن ناحية، تحظى التشكيلة الجديدة بدرجة قبول جيدة بين الأطراف الليبية المختلفة، نظراً لعدم انخراطها في أيه صراعات سابقة، كما انها لا تصطبغ بأية أيديولوجية سياسية، بل على العكس فوجود عناصر ذات خلفية اقتصادية في التشكيلة يعزز من انفتاحها على مختلف الأطراف، كذلك، يبدو أن ثمة سياق إقليمي ودولي – برعاية الولايات المتحدة – تدفع نحو تسوية الأزمة الليبية وترجيح فرص النجاح لهذه الحكومة الجديدة.

لكن، وعلى الرغم من هذه الفرص المتاحة، بيد أنها لا تزال تنطوي على العديد من التحديات، لعل أبرزها يتمثل في ملف المليشيات المسلحة المنتشرة في غرب ليبيا، والتي لا تزال قابعة في مكامنها تراقب المشهد الراهن ومن ثم فقد تحاول جاهدة أن تعرقل أي مسار يمثل تهديداً للمكاسب التي تحظى بها في ظل الوضع الراهن، وعلى الرغم من عدم إعلان قادة هذه المليشيات عن أي مواقف رسمية تجاه الحكومة الجديدة، بيد أن ثمة تقارير أشارت إلى انتشار عدد كبير من الشاحنات الصغيرة بوسط العاصمة طرابلس، تحمل مقاتلين ملثمين؛ وذلك بالتوازي مع عمليات التصويت في جنيف.

كذلك، هناك معضلة هامة ترتبط بفكرة توحيدة المؤسسات الليبية، خاصة بالنسبة للمؤسسة العسكرية، ومن ثم درجة قبول الأطراف المتباينة في الشرق والغرب الليبي بتوازنات جديدة فيما بينهما تفرز مؤسسة موحدة، ومن ناحية أخرى، فالأطراف الخاسرة في جولة التصويت الحاسمة في جينيف لا تزال تمتلك من أوراق القوة على الأرض التي ربما تعيق تولي الحكومة الجديدة، كذلك تبقى حدود الأدوار التي يمكن أن تقوم بها القوى الراهنة في المشد الليبي خلال المرحلة المقبلة أحد أبرز التحديات، فهذه القوى لا يمكن أن تتنازل بسهولة عن نفوذها الراهن، ولذا فخريطة التوازنات القائمة بالفعل في الداخل الليبي تمثل محدداً هاما في ترجيح مستقبل التسوية المقبلة، وهو ما أكده الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية “فولفرام لاخر”، والذي أشار إلى أن الحكومة الجديدة سيكون لديها القليل من القوة على الأرض، كما أنها ستواجه معارضة قوية.

ومن بين أبرز التحديات المقبلة هو الموقف الروسي من هذه الحكومة الجديدة، بل ومن عملية التسوية برمتها التي ترعها الولايات المتحدة، والتي ترى فيها موسكو أنها محاولة جادة من واشنطن لتحجيم دور موسكو في ليبيا، ومن ثم كيفية تعامل روسيا مع هذه التطورات للحيلولة دون تجاوزها وخسارة مصالحها.

ماذا بعد؟

ثمة حالة من عدم اليقين باتت تهيمن على شكل التحالفات الداخلية في ليبيا، ومن ثم لا يمكن الجزم بمستقبل موازين القوى في الفترة المقبلة أو مصير القوى التقليدية في الملف الليبي، بيد أنه العلاقات القوية التي تجمع بين قبيلة رئيس المجلس الرئاسي الجديد وقائد الجيش الليبي “خليفة حفتر” ربما تعكس بعض المؤشرات حول صعوبة انسلاخ “المنفي” عن موقف قبيلته ومن ثم استمرار حفتر في المرحلة المقبلة. ومن ناحية أخرى، يبدو أن وجود” عبد اللافي” المنحدر من مدينة الزاوية، في المجلس الرئاسي الجديد، ربما جاء كمحاولة لترضية المليشيات الموجودة في المدينة.

وتجدر الإشارة إلى وجود تتباين كبير في الآراء بشأن علاقة الحكومة الجديدة بالفواعل المختلفة في الملف الليبي، فمن ناحية، ترجح أحد الأراء أن تركيا ضمنت مصالحها من خلال هذه التشكيلة التي تربطها بها علاقات واسعة، خاصةً “عبد الحميد دبيبة” الذي يمتلك استثمارات كبيرة في تركيا، ومن ثم ربما تصبح هذه الحكومة الجديدة امتداداً لحكومة الوفاق. وفي المقابل، ترجح بعض الآراء الأخرى أن انتخاب سلطة جديدة في ليبيا سيعزز من دور الأطراف التي تسعى إلى تحقيق تسوية حقيقية في الملف الليبي، خاصة مصر والتي يرجح هذا الرأي أن يكون لها دوراً هاماً في المرحلة المقبلة في حلحلة الأزمة الليبية، وهو ما أكده الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث أشار إلى استعداد مصر للتعاون مع الحكومة الليبية الجديدة بشكل يؤسس للسلام وبناء الاستقرار والعمران في ليبيا.

ومن ثم، فقد تشهد الفترة المقبلة تعزيز للدور المصري في تسوية الأزمىة الليبية؛ خاصة وأن مصر تنتهج سياسة متوازنة ورشيدة تجاه الملف الليبي، وربما يشكل اجتماع القاهرة المقبل، والذي سيتحضره رئيس المفوضية الدستورية في ليبيا ومسؤولي البعثة الأممية؛ فرصة لوضع القواعد الخاصة بالإنتخابات المقبلة، لكن، يبدو أن التشكيلة الجديدة في السلطة الليبية تتمتع بدرجة عالية من البرجماتية، ومن ثم فهي على استعدادا للإنخراط مع كافة الأطراف المتباينة وعدم خسارة أي من هذه الفواعل.

كذلك، ثمة مؤشرات تعكس عن دور أمريكي كبير في الدفع نحو هذه النتائج، فواشنطن -التي أصرت على استمرارية الدبلوماسية الأميركية “ستيفاني ويليامز” في منصبها الأممي حتى بعد تعيين مبعوث أممي جديد- يبدو أنها تحاول تحقيق انتصاراً سريعاً يحسب للإدارة الأمريكية الجديدة للرئيس بايدن؛ وذلك عبر حلحلة أحد أكثر الملفات تعقيداً في المنطقة، فضلاً عن بث رسائل مباشرة إلى روسيا مفادها أن الدور الأمريكي لا يزال يمثل المحدد الرئيسي في المنطقة، ومن ثم العمل على تحجيم الدور الروسي في ليبيا مقابل تعزيز التنسيق مع حلفاء واشنطن الأوروبيين وهو ما عكسه البيان المشترك الصادر عن ( الولايات المتحدة و المملكة المتحدة وإيطاليا وفرنسا وألمانيا) والذي حذر كل من يهددون الاستقرار أو يقوضون العملية السياسية في ليبيا.

في النهاية يمكن القول، إن ثمة ترتيبات دولية تدفع باتجاه تهدئة المرحلة الإنتقالية لحين إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في نهاية العام الجاري، ويبدو أن السلطة الجديدة التي تم التوصل إليها هي الأكثر قبولاً من قبل الأطراف الفاعلة المختلفة بإعتبارها الأقل انخراطاً بشكل مباشر في التنافسات الداخلية المحتدمة خلال السنوات الأخيرة في الملف الليبي، وربما تم التوافق أيضاً على تنحية بعض العناصر والقوى الراهنة عن المشهد بشكل مؤقت – بعد التنسيق معها- لحين إنتهاء المرحلة الإنتقالية، ومن ثم القدرة على الترشح في الانتخابات المقبلة.

أخيراً، على الرغم من وجود درجة معقولة من القبول الداخلي للسلطة التنفيذية الجديدة، بيد أن هذا لا ينفي وجود مستوى من التباين بشأنها، وتبقى مسئولية إنهاء هذا الجدل على عاتق هذه السلطة ومدى قدرتها على تحقيق أكبر قدر من التوافق، لكن في المقابل، يجب الأخذ في الإعتبار ان الأزمة الليبية تمثل أحد أكثر الملفات تعقيداً في المنطقة، ومن ثم لا يمكن توقع حلحلة أزمة استمرت عشر سنوات بسهولة بمجرد انتخاب حكومة مؤقتة.

 

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى