انطلاقة جديدة: أبعاد ودلالات الحوار الوطني المصري

د. حسام البقيعي- خبير دراسات الأمن الإقليمي.

منذ أن أعلن الرئيس “عبد الفتاح السيسي”، دعوته لإطلاق حوار سياسي شامل، وذلك خلال حفل إفطار الأسرة المصرية الذي يجري تنظيمه في شهر رمضان من كل عام، ويشارك فيه كافة أطياف المجتمع المصري؛ تباري المحللون والسياسيون في تحليل هذه الدعوة من حيث برنامج العمل، والأطراف المدعوة للمشاركة في الحوار الوطني، والذي يحظى بدعم ورعاية الرئيس “السيسي”شخصياً؛ حتى أنه أعرب عن تطلعه لإنجاز الحوار بالشكل المناسب، فضلاً عن وعده بحضور عدد من مراحله وجلساته.

ولعل السؤال الأبرز، يرتبط بالأساس، بتوقيت الحوار، ولماذا الآن؟، وهل كانت دولة 30 يونيو، قادرة على اجراء مثل هذا الحوار الوطني الشامل قبل الآن؟ هذا ما يسعى هذا التحليل للإجابة عنه، والتي تتطلب بداية إعادة قراءة أوضاع الدولة المصرية بعد 25 يناير وقبل 30 يونيو2013، والفترة التي تلتها وصولاً الي الأوضاع الراهنة.

مصر ما بعد يناير 2011:

يدرك الجميع أن لثورة 25 يناير 2011، العديد من الأسباب، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، حيث أدت عملية الخصخصة وبيع القطاع العام إلى تأثيرات اجتماعية أضرت بالطبقات الاجتماعية – لا سيما الوسطي والفقيرة– وأثرت سلباً على سياسات التعليم والتوظيف والرعاية الصحية، كما شهدت فترة ما قبل الثورة توسعاً في زواج السلطة والمال، من خلال سعي رجال الأعمال الوصول إلى السلطة؛ فظهرت فشهدت تلك الفترة تسهيلات كبيرة لرجال الأعمال، وتم تفصيل حزمة من القوانين لصالح تلك الطبقة، منها قانون الاحتكار، كما رأينا عدد من رجال أعمال وزراء، وسياسيين رجال أعمال، وراكمت هذه الفئة؛ ثروات ضخمة نتيجة الحصانة والنفوذ الذي تحصلوا عليه.

ولم تكن الأوضاع السياسية بأفضل من الحالة الاقتصادية، فقد جرى العمل بقوة لأجل توريث الحكم لنجل الرئيس السابق”مبارك”، ثم جاءت الانتخابات البرلمانية عام 2010، والتي مثلت القشة التي قصمت ظهر البعير؛فحينها سيطر الحزب الوطني الحاكم علي جميع مقاعد البرلمان، وتمتهميش المعارضة بشكل غير مسبوق، وهو ما أثار حفيظة الرأي العام المصري، الذي تفاعل مع ثورة تونس، وأطلق شرارة ثورة يناير.

وفي سابقة تاريخية استطاع الشعب المصري أن يدفع الرئيس السابق “مبارك” للتنحي، وإزاحة نظامه السياسي عن السلطة في 11 فبراير 2011، وكان من أهم إيجابيات الثورة يناير أنها عززت فكرة المشاركة الإيجابية للشعبالمصري؛ سواء في الاستفتاءات أو الانتخابات وزيادة مشاركة المرأة والشباب والمسنين ونما الوعي السياسي لدى قطاع كبير من أفراد الشعب، وتمكسر حاجز الخوف لدي المواطن.

غير أنه صاحب تلك الإيجابيات؛ العديد من السلبيات، مثل: الانفلات الأمني، نتيجة الهجوم على مقرات الشرطة، والذي أدي لحدوث جرائم ممتدة الأثر والمفعول، مثل الاعتداء على الأراضي الزراعية وعلى مجري النيل، وزيادة حالات سرقة السيارات وجرائم القتل والخطف، وظهور مطالب فئوية متعددة ومتكررة، وتوقف عجلة الإنتاج والإتلاف العمدي للمنشئات العامة وهروب رؤوس الأموال الي الخارج وخسائر القطاع السياحي، كل ذلك أدى إلى انهيار الاقتصاد الوطني.

وخلال تلك الفترة حدثت توترات كبيرة في المجتمع المصري، حيث تحول المواطن إلى ناقد أكثر منه منتج، وأصبحت المصالح الفردية تعلو فوق المصلحة العامة؛ الأمر الذي يهدد أي كيان سياسي بالتفكك، ويجعل من المستحيل على أي حكومة أن تستمر في السلطة أكثر من بضعة شهور، وتعدمساعي الدولة لتحقيق أي شكل من أشكال التنمية ضرب من الخيال.

الطريق الي الحوار الوطني:

لم تكن ثورة 30 يونيو ضد حكم الإخوان المسلمين بقدر ما كانت ضد مخطط تفكيك الدولة المصرية، حيث جاء استيلاء الإخوان على السلطة؛ نتاجا لعوامل الرخاوة والشيخوخة والاستعداد للتوريث وانتشار روائح الفساد التي فاحت من صفقات الخصخصة، وعدم حسم رأس السلطة لسؤال مستقبل مصر، والمراوغة في الإجابة عن سؤال مستقبل الحكم بعد “مبارك”.

إن حالة الرخاوة التي ميزت أداء الدولة المصرية خلال تلك الفترة، كان لها الكثير من المظاهر، والرخاوة هو مصطلح علمي لعالم الاقتصاد السويدي الأشهر “جونار ميردال” – الحائز علي جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1974م-  حيث يصف تلك الدولة بأنها تضع القوانين ولا تتابع تنفيذها أو تطبيقها، ليس فقط لما بها من ثغرات، ولكن لا أحد يحترم القانون، وكبارها لا يبالون به؛ لأن لديهم من المال والسلطة ما يكفي لحمايتهم من “القانون”، والصغار يتلقون الرشاوي لغض البصر عن انتهاك القانون، الأمر الذي يشجع علي الفساد في ظل تلك الدولة الرخوة، وكذلك وجود مؤسسات حكومية أكثر من اللازم ومن دون دور واضح؛ لدرجة التداخل والتشابه فيما بينها، فضلا عنانهيار البنية التعليمية والمدرسية والجامعية وغياب الشفافية وعدم الفصل بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، وشيوع الرشاوىالسياسية والانتخابية.

وقد سهل هذا المناخ للإخوان المسلمين، الاستيلاء على السلطة، باعتبارهم القوة السياسية المستعدة سلفاً للانقضاض على السلطة، مستفيدة من كونها القوى الوحيدة الملتصقة بالشرائح الاجتماعية، ولديها خبرة في التنظيم والحشد الجماهيري، في ظل تراجع وشيخوخة معظم الأحزاب التقليدية والأهم من ذلك في ظل رخاوة الدولة.

غير أن ما ارتكبه الإخوان المسلمون أثناء فترة حكمهم لمصر من أخطاء فادحة؛ قضت على العلاقة بينهم وبين الشعب؛ رغم قصر المدة الزمنية التي مكثوا خلالها في الحكم، وعلى المستوى الخارجي افتقدت مصر لأي دور علي الصعيد الإقليمي والدولي؛ مما أثار شهية الأطراف الأخرى للاستيلاء علي هذا الدور ومحاولة النيل من مكانة مصر التاريخية، بل تم التجرؤ والعبث بحقوق مصر وهيبتها، كما حدث في ملف سد النهضة الإثيوبي؛ تلك هي الدولة التي استلمتها دولة 30 يونيو، فهل كان من الممكن إجراء أي حوار وطني في مثل هكذا ظروف؟.

دولة 30 يونيو:

لقد جاءت دولة 30 يونيو لتعيد للدولة المصرية قوتها وتماسكها، واستعادة حالة الصلابة بدلا من الرخاوة، والقضاء على كل الظواهر السلبية التي اتصفت بها الدولة المصرية آنذاك، والسعي للبناء من جديد، ومن أهم المؤشرات العاكسة لذلك ما يلي:

(&) بناء مؤسسات الدولة: حيث اصدر ممثلي الشعب قراراً في 3 يوليوا بعزل الإخوان المسلمين عن السلطة تحقيقاً لمطلب الشعب المصري الواضح الذي لا لبث فيه في 30يونيو؛ حيث بدأت مرحلة تأسيسية ضرورية لبناء مؤسسات الدولة، وتولي رئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار ” عدلي منصور” السلطة في 4 يوليو 2013، وتم اعداد دستور جديد تم استفتاء الشعب عليه في يناير 2014، وتمت الانتخابات الرئاسية التي أوصلت الرئيس “عبد الفتاح السيسي” الي قصر الاتحادية في 8/6/ 2014، ثم  أجريت الانتخابات البرلمانية، واجتمع البرلمان لأول مرة في الأول من يناير 2016، لتكتمل مؤسسات الدولة المصرية لأول مرة منذ يناير 2011، وانطلقت مسيرة دولة 30 يونيو نحو البناء علي كافة الأصعدة .

(&) استعادة الأوضاع الأمنية: حيث كانت الأوضاع الأمنية غير المستقرة أحد أبرز التحديات التي واجهتها دولة 30 يونيو؛نتيجة حالة الانفلات الأمني غير المسبوق في تاريخ البلاد، مع رغبة جماعة الإخوان المسلمين ورعاتها الخارجيين في افشال دولة 30 يونية، رداً علي ابعاد الشعب المصري لها عن الحكم، فقد قامت الجماعة بتكوين العديد من التنظيمات الإرهابية مثل: (حركة حسم –لواء الثورة –أجناد مصر)، والتي قامت بعمليات متنوعة، ما بين مسيرات مسلحة بمحيط المنشئات الحيوية، وزرع العبوات الناسفة وعمليات اغتيال لضباط الجيش والشرطة، وكذلك تفجير الكنائس وأبراج المحمول ومحطات الكهرباء، مع تنوع النطاق المكاني لتلك العمليات بين وادي النيل وشمال سيناء.

ونجحت دولة 30 يونيو بمساندة تاريخية من الشعب المصري في افشال مخططات جماعة الإخوان، ورعاتها الخارجيين لتقسيم مصر، وتفكيك الجيش المصري، وخلق فوضي خلاقة، وإن كان بتضحيات كبيرة بدماء الكثير من أبناء الشعب المصري وفي مقدمتهم رجال الجيش والشرطة.

(&) إعادة الحيوية للاقتصاد المصري: أعطي نجاح دولة 30 يونيو في مواجهة التحدي الأمني فرصة لمواجهة  المؤثرات السلبية على الاقتصاد المصري، الذي يمثل  واحد من أهم التحديات التي واجهت دولة 30 يونيو، حيث معدل البطالة في ذروته 13.2%، وبدأت ثورة أخري تنموية، تم  فيها استخدام  أساليب وأفكار جديدة في إدارة موارد البلاد، مما وفر فرص عمل لأبناء الشعب المصري في العديد من المشروعات الجديدة، واعتمدت سياسة تنويع مصادر الطاقة في مصر؛ للقضاء علي مشكلة الكهرباء التي ورثتها دولة 30 يونيو؛ من الحقب السابقة، واستطاعت الدولة أن ترفع من القدرات الكهربية الكافية لمصر، وتصدير الفائض مما أدي الي تحسن ترتيب مصر في التقارير الدولية من المركز ال 145 الي المركز 77 عالمياً من إجمالي 190، وكذلك مشروعات الإسكان التي وفرت مايقرب من مليون وحدة سكنية خلال تلك الفترة وكذلك مشروعات القضاء علي العشوائيات وتطوير الأراضي الزراعية، وتحسن مؤشرات السياحة وكذلك ارتفاع الاحتياطي النقدي، وزيادة معدل النمو الاقتصادي، والاستمرار في عملية الإصلاح الاقتصادي الشامل تحت اشراف صندوق النقد الدولي.

(&) العلاقات الخارجية: ما إن أعلنت دولة 30 يونيو عام 2014، رسم الرئيس “عبد الفتاح السيسي”لتلك الدولةمبادئ سياستهاالخارجية خلال خطاب تنصيبه؛ قوامها الاحترام المتبادل والعلاقات الدبلوماسية الملتزمة بمبادئ القانون الدولي، وعدم التدخل في شؤون الغير، وتقدم الاستراتيجية المصرية في مجال الطاقة في شرق المتوسط نموذج لتلك السياسية الخارجية التي تبنتها دولة 30 يونيو، وكذلك العلاقات الاستراتيجية المصرية مع العديد من الدول العربية، لا سيما (السعودية والإمارات والكويت والبحرين)، وكذلك الدور المصري الفاعل في استقرار الأوضاع في ليبيا، وفي ايقاف الاعتداءات الاسرائيلية علي الفلسطينيين، والدور المصري لبنان وسوريا والعراق والداعم لخروج تلك الدولة من أزماتها، وعودة اهتمام الدولة المصرية بالقارة الأفريقية . وكذلك العلاقات المصرية الأوربية خاصة فرنسا وروسيا وكذلك العلاقات المصرية الصينية.

استنادا لما سبق، يتأكد أنه لم يكن في وسع دولة 30 يونيو، البدء في حوار وطني شامل تشارك فيه جميع الأطراف وجميع أطياف المجتمع المصري قبل عبور المرحلة التأسيسية للعبور من الدولة الرخوة وماتبعها من تحديات جسام (عدم بناء مؤسسات الدولة –التحدي الأمني –التحدي الاقتصادي– الانقسام المجتمعي –فقدان مصر لدورها الإقليمي)، فرضت علي تلك الدولة، وقد كانت علي وشك اطلاق هذا الحوار في عام 2019، أثناء انعقاد منتدي شباب العالم بشرم الشيخ؛ حين دارت في أروقة هذا المنتدي وجلساته العديد من النقاشات عن عبور دولة 30 يونيو للمرحلة التأسيسية، والانتهاء من جميع التحديات التي واجهت تلك الدولة بثبات وتحقيق انجازات حقيقية علي كافة الصعد، وانفتاح أفق واعد أمام تلك الدولة يجعلها في حاجة الي مزيد من قوة الدفع المستمدة من اصلاح سياسي حان وقته، وأزيلت تحديات اقامته بما يحقق طموحات أطياف عديدة من الرأي العام المصري، الذي ظل هذا الاصلاح يؤرقها ويجول بخاطرها خلال المرحلة التأسيسية التي مرت بها دولة 30 يونيو؛ أيضا لمناقشة الأوضاع الحالية التي فرضتها الحرب الروسية الأوكرانية علي العالم وكذلك ترتيب أولويات دولة 30 يونيو لمواجهة تلك الأوضاع، وما ينتج عنها مؤكداً من نظام عالمي جديد بدأت ارهاصاته في الظهور حتى قبل الحرب.

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى