هل تصبح تركيا لاعبًا في ترتيبات مستقبل أفغانستان؟

صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الثامن عشر من أغسطس الجاري بمجموعة من التصريحات الخاصة بالشأن الأفغاني، مفادها أن أنقرة مستعدة للقاء قادة طالبان وإجراء محادثات معها ” إذا لزم الأمر “، واتهم العالمين الإسلامي والغربي  بـ ” عدم إظهار الاهتمام اللازم بأفغانستان “، وقال إن ” مليارات الدولارات أنفقت على أهداف أخرى، بينما الشعب الأفغاني بوحدة وجها لوجه مع مشاكله “، وذلك بعد أن ازدادت أهمية حركة طالبان على إثر نجاحها في دخول العاصمة الأفغانية كابول والسيطرة على مقاليد الحكم.

وقد اعتبر محللون أن تلك التصريحات قد تفضي إلى إصرار أردوغان على البقاء في أفغانستان بعد انسحاب قوات حلف الناتو، وذلك رغم رفض طالبان منذ البداية لبقاء أي قوات أجنبية في أفغانستان بعد الموعد الموحد في نهاية الشهر الجاري، ورغم الأصوات المعارضة في الداخل التركي أيضا التي ترفض المغامرة بالجنود الأتراك في حرب غير مضمونة عقباها.

وفي هذا الإطار؛ يتطرق هذا التحليل إلى الوضع الداخلي في أفغانستان بعد سيطرة طالبان على الحكم، وإلى أي مدي يخدم أو يعرقل تنفيذ المقترح التركي للبقاء في أفغانستان لحماية مطار كابل، وذلك من خلال محاولة توضيح الوضع المبدئي للنظام السياسي في أفغانستان، والقوى الدولية الموجودة التي من شأنها أن تؤثر على قرار طالبان بالموافقة على المقترح التركي أو رفضه.

الواقع على الأرض:

على الرغم صعوبة قراءة المشهد الداخلي في أفغانستان، وإدراك دقة مستقبله‘ فإن ملامحه تبدو على النحو التالي:

(*) الأطراف الخارجية المتحكمة في أفغانستان: من البديهي حاليا على الساحة السياسية أن الولايات المتحدة، هي اللاعب الأبرز في الملف الأفغاني، فضلا عن قطر وباكستان، وهما أيضا في نفس الوقت حلفاء لأنقرة، لذلك يعتمد أردوغان حال فشل محاولاته في التوصل لاتفاق مع طالبان على أن تعمد هذه الدول على إقناع طالبان ببقاء القوات التركية في مطار كابل، لما فيه من مصلحة لأفغانستان أيضا، لأن تركيا ستكون بمثابة بوابة دولية لأفغانستان لإعادة الإعمار، وستساعد طالبان على تأسيس دولة متصلة بالعالم الخارجي، ويرى كثير من الخبراء أن الطابع الذي تركته تركيا لدى الأفغان جيد.

لكن في المقابل توجد بعض التدخلات التي من الممكن أن تقف حائلا في طريق بقاء تركيا في أفغانستان، أهمها التدخلات الإيرانية والروسية، وبالأخص الروسية، لأنه من المؤكد أن روسيا مدركة أن جزءا من أهداف التواجد التركي في أفغانستان ومنطقة وسط آسيا موجه ضدها، خاصة مع ترحيب الولايات المتحدة به.

(*) النظام السياسي الجديد في أفغانستان: وفقا لتصريحات القيادي البارز بحركة طالبان وحيد الله هاشمي ل ” رويترز “، فإن أفغانستان قد تدار من قبل مجلس حاكم جديد، لكن القرار الأعلى سيتركز في يد زعيم الحركة هبة الله آخند زادة- أي سيكون بمثابة رئيس للدولة. وهذا النظام الإداري يشبه نظام حكم طالبان في الفترة من 1996 وحتى 2001، وأوضح هاشمي أن العديد من المسائل المتعلقة بإدارة البلاد لم تحسم بعد وإنما الخطوط العريضة فقط.لكن على سبيل المثال، فإنه من المؤكد أن أفغانستان تكون دولة ديمقراطية بل ستدار وفقا للشريعة الإسلامية،وبقية المسائل ستحسم خلال اجتماع في الأسبوع القادم.

أما بخصوص الجيش؛ فقد تعتزم طالبان تشكيل قوة وطنية جديدة ستضم ضمن عناصرها القوات التي كانت تتبع الحكومة الأفغانية المنهارة، والتي ترغب في الانضمام إلى طالبان، وقد تلقي معظمهم تدريبات في تركيا وبريطانيا وألمانيا.

البدائل المتاحة لأنقرة لإقناع طالبان:

وبناءا على ما سبق، ثمة عدة عوامل قد يساعد توافرها أردوغان في التموضع الآمن في أفغانستان وبموافقة طالبان، ويتلخص ذلك في الآتي:

(&) كسب دعم الأطراف الخارجية الموجودة داخل أفغانستان: أي التوصل إلى تفاهمات مع طالبان من خلال الاستعانة بعلاقاتها المتينة بقطر، والتي تعتبر من  أهم الفاعلين والمتحكمين في أوراق اللعبة في الملف الأفغاني، وذلك يرجع لعلاقتها القوية بطالبان، بالإضافة إلى أن المحادثات الأفغانية-الأفغانية أو تلك التي تمت بين طالبان وقوات التحالف الدولي بشأن الانسحاب قد تمت في الدوحة، فضلا عن امتلاك طالبان لمكتب سياسي بالدوحة. وأيضا الولايات المتحدة الأمريكية، التي أبدت ترحيبا في وقت سابق بالاقتراح التركي، والتي تعتبر ” كلمة السر ” التي تدفع أنقرة للإصرار على بقاء قواتها في مطار كابل لتأمين البعثات الدبلوماسية في سبيل التخفيف من حدة التوتر بين أنقرة وواشنطن التي شابت العلاقات بينهما في السنوات الأخيرة، لذلك تحاول تركيا استعادة حيوية تلك العلاقات من خلال جعل واشنطن تتراجع عن موقفها من امتلاك وتشغيل تركيا لمنظومة الصورايخ الروسية عن طريق تواجدها في أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي.

(&) مدى الاستفادة من مرجعية نظام الحكم الجديد: من الممكن أن تبدي طالبان نوع من المرونة في التفاوض مع أنقرة في الفترة القادمة، باعتبارها ستتبنى النظام الإسلامي الذي يزعم أردوغان أنه عامل مشترك بينهما، ويعتبرها البعض ميزة ترجح بقاء أنقرة بالذات باعتبارها الأنسب، كما أنه في نفس الوقت من الممكن أن تدعم أنقرة أفغانستان اقتصاديا من خلال ضخ مجموعة من الاستثمارات ومشاريع إعادة الإعمار، وأيضا عسكريا لدعم الجيش الأفغاني الجديد بالخبرات والمعدات العسكرية.

(&) الاتفاق على صيغة واحدة جديدة للوجود التركي في أفغانستان: فإنه رغم التغير في حدة الخطاب السياسي لطالبان تجاه أنقرة مؤخرا، إلا أن الأخيرة مدركة تماما لخطورة وحساسية موقفها وجنودها في أفغانستان، باعتبارهم جزء من قوات حلف الناتو الدولية، رغم أنهم لم يتورطوا في أي أعمال قتالية ضد طالبان أو الشعب الأفغاني أو أي طرف من الأطراف الموجودة على الأرض، إلا أن طالبان تعتبر القوات الأجنبية احتلالا يجب مقاومته.

لذلك إذا استمر الوجود التركي في أفغانستان، فإنه يتطلب بذل جهد كبير من قبل المسئولين الأتراك مع طالبان للاتفاق على صيغة مرضية للطرفين، ولطالبان على وجه الخصوص، بحيث تكون مختلفة عن كون القوات التركية مرتبطة بقوات حلف الناتو الدولية،لذلك أعلنت أنقرة عن استعدادها لاستقبال قادة طالبان للاتفاق على الصيغة المناسبة لكل منهم، والتي تكفل إتمام المهمة، لذلك رجح البعض إمكانية إعلان أنقرة انتهاء مهمتها العسكرية في أفغانستان ضمن قوات الناتو، وأن مهمتها في تأمين مطار كابول ستكون بالاعتماد على قوات مدنية وبالتعاون مع طالبان، وهو ما يعتبر في حد ذاته ضمان بأن أنقرة لن تسعي للانخراط في أي صراع داخلي وهى لا تملك القوة العسكرية على الأرض.

وبناءا على ما سبق؛ فإن الحاجة إلى التوصل لاتفاق بين أنقرة وطالبان ستحقق عدة أهداف لكل من أهمها:

  1. تأمين مطار كابول للبعثات الدولية، وهو ما سيجعل المجتمع الدولي يمنح طالبان فرصة جديدة لإثبات التغير الذي وعدت به في نهجها عن طالبان السابقة، بالتالي سيمنحها ذلك المصداقية والشرعية الدولية، وهو ما تهدف إليه طالبان حاليا.
  2. حل أزمة اللاجئين الأفغان الذين تدفقوا إلى تركيا بأعداد كبيرة منذ بداية الصراع في أفغانستان بين طالبان والقوات الحكومية حتى الآن، مما أثار توترات على مستوى الداخل التركي.
  3. تحقيق الطموحات التركية في جعلها مركز ثقل إسلامي وثقافي، يجعلها فاعلا وشريكا أساسيا في جميع القضايا التي تخص العالم الإسلامي، وهو في نفس سيقربها من منطقة آسيا الوسطى للتواصل مع الشعوب المسلمة والناطقة بالتركية.
  4. توسيع النفوذ السياسي والأمني في منطقة آسيا الوسطي سيقوي من شوكة أنقرة في مواجهة موسكو في ظروف دولية جديدة، وهو ما يعتبر أيضا هدفا للاستراتيجية الأمريكية هناك.

وأخيرا يمكن القول؛ إن تركيا تحاول استدراج طالبان إلى طاولة المفاوضات، وتقديم الضمانات المطلوبة لإقناع طالبان بقبول استمرار تواجد قواتها في المطار، على سبيل المثال من خلال الاعتراف بحكومة طالبان وتقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية، كما ستعمل تركيا على مراقبة الوضع الداخلي في أفغانستان، والاستفادة من الأطراف الدولية الموجودة أو التي تجمعها روابط وثيقة بطالبان كالولايات المتحدة وقطر وباكستان،لكن كل هذا مرتبط بجلوس الطرفين على طاولة المفاوضات أولا، وهو ما تسعي إليه تركيا حتى الآن وحتى قبل بداية الصراع الأخير، إلا أن الخطوة تأجلت من قبل طالبان قبل ذلك لأجل غير مسمي، لكن قبل تجديد دعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للقاء قادة طالبان مرة أخرى.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى