تناقضات واضحة: تحليل مضمون خطاب ترامب بشأن الحرب على إيران

منذ الساعات الأولى للتصعيد ضد إيران، بدت تصريحات الرئيس الأمريكي “ترامب” متقلبة ومحمّلة بتناقضات عدة، فهو الذي أعلن في يوليو 2025 أن البرنامج النووي الإيراني قد جرى “القضاء عليه” خلال حرب الأيام الاثني عشر يوماً، ثم عاد بعد أقل من عام ليبرر اندلاع حرب جديدة تحت ذريعة “إنهاء التهديد النووي الإيراني نهائيًا”. وبين التأكيد على أن “الولايات المتحدة لا تستهدف النظام الإيراني”، والإشادة في الوقت ذاته “بمقتل قيادات عليا” واعتبار ذلك إنجازًا استراتيجيًا، تظهر فجوة واضحة بين السرد المعلن والقرار الفعلي. هذه الفجوة لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد ارتباك لغوي أو انفعال سياسي عابر، بل تمثل مؤشراً على أزمة سردية أعمق تعكس خللاً في اتساق الرؤية الاستراتيجية ذاتها.
إن خطورة هذه التناقضات لا تكمن فقط في تأثيرها على صورة واشنطن أو في قدرتها على إرباك الخصوم والحلفاء، بل فيما تعنيه على مستوى إدارة الحرب نفسها. فالحروب تُدار برؤية واضحة للأهداف والوسائل والنهايات المحتملة، بينما يكشف الخطاب الأمريكي للرئيس الحالي عن انتقال مستمر بين روايات متعددة: تارة حرب محدودة لإزالة تهديد نووي، ثم معركة مفتوحة قد تمتد لأسابيع أو أكثر، وتارة أخرى استعداد للحوار والتفاوض مع “قيادة جديدة” في طهران عقب اغتيال المرشد الأعلى. هذا التبدل السريع في السرد ينعكس حتمًا على القرار، إذ لا يمكن لاستراتيجية بعينها أن تستقر بينما مبرراتها تتغير من يوم إلى آخر بل ومن ساعة لأخرى.
وعليه، فإن دراسة تناقض خطاب ترامب في هذه الحرب لا تنحصر في تحليل التصريحات بحد ذاتها، بل في فهم العلاقة بين السرد السياسي وصناعة القرار الاستراتيجي. لاسيما أن المنطقة بأكملها تعيش لحظات شديدة الحساسية تصحبها سيناريوهات غير محسوبة جراء هذا التصعيد الأمريكي-الصهيوني ضد طهران. من هنا تنطلق هذه القراءة، ليس فقط لتفكيك خطاب متناقض، بل لاستكشاف ما يكشفه هذا التناقض عن طبيعة إدارة الصراع وما يترتب عليه من مستقبل الإقليم.
تناقض مستمر:
لقدر روجّ الرئيس الأمريكي ترامب طوال الفترة الماضية في تصريحاته ولقاءاته بأن الولايات المتحدة قد أنهت البرنامج النووي الإيراني خلال حرب الأيام الـ 12 يوم في يوليو 2025. هذا السرد كان يُستخدم باعتباره انتصارًا استراتيجيًا ضخمًا حينها، وأن طهران لم تعد تشكل تهديدًا نوويًا. لكن في الأيام الأخيرة قُبيل الحرب التي اندلعت في 28 فبراير 2026، وحتى بعد اندلاعها، بدأ ترامب في تقديم نسخة جديدة تمامًا من الرواية وهي أن الحرب التي نُفذتها واشنطن الآن من أجل “القضاء على البرنامج النووي الإيراني مرة أخرى”، ووقف تهديد نووي مزعوم وجديد. هذا التحول في السرد من الانتصار الكلي إلى الحاجة لضربة جديدة على نفس الهدف هو أول مثال صارخ على تناقضات إدارة ترامب في سياق الحرب الحالية. فضلاً عن بعض الذرائع الأخرى التي استُخدمت لتبرير هذه الحرب، مثل تحرير الشعب الإيراني من قبضة نظام الولي الفقيه، القضاء على منظومة الصواريخ الإيرانية، وإسقاط النظام.
من منظور تحليلي، هذا الانقلاب في الخطاب يعكس مزيجًا من الأهداف السياسية الداخلية والخارجية، حيث يسعى ترامب داخليًا إلى إظهار قوة وفعالية، لاسيما أمام القاعدة الانتخابية أو الداعمين السياسيين له، حتى لو كان ذلك يعني إعادة صياغة الأحداث الماضية لتتناسب مع أهدافه الحالية. وخارجيًا، يحاول تغليف العدوان العسكري على إيران تحت عنوان “ضرورة أمنية متجددة”. هذا التناقض في الخطاب لا يعمل ضمن منطق علمي أو عسكري تقليدي، بل كمحاولة لربط الحدث الحالي بسياق سردي يحقق مكاسب سياسية، حتى لو كان غير متسق مع الوقائع السابقة.
ومنذ بداية الحرب الحالية على إيران، قدم ترامب تصريحات مختلطة حول مدة النزاع. في البداية تحدث عن “أربعة إلى خمسة أسابيع” كإطار زمني متوقع لعمليات الحرب، لكنه في الوقت نفسه أضاف أنها يمكن أن “تمتد لفترة أطول بكثير” إذا تطلبت الظروف ذلك. كما أعلن في إحدى مقابلاته أن “الموجة الكبرى من الضربات لم تبدأ بعد”، وأن “العمليات الحالية ليست سوى البداية، وأن ضربات أكثر قوة قادمة”.
هذا السياق المتغير لا يدل فقط على عدم وضوح أهداف عسكرية محددة، بل يعكس توترًا بين الرغبة في تقديم الحرب كحملة قصيرة وفعالة، وبين الحاجة إلى إبقائها مفتوحة كخيار إذا تبدّلت الظروف على أرض الواقع. وربما يشير هذا التغير إلى أن إدارة ترامب ربما تحاول احتواء المخاوف الداخلية الأمريكية من حرب طويلة ومكلفة، وفي الوقت ذاته تترك الباب مفتوحًا أمام تمديد الحرب إذا تطلبت مصالحها الخارجية ذلك.
خطاب السلام وخطاب الحرب:
في الوقت الذي تُشن فيه الضربات وتتواصل العمليات العسكرية الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران، تأتي بعض تصريحات ترامب أو كبار المسؤولين الأمريكيين لتشير إلى إمكانيات العودة إلى التفاوض أو الحوار مع الأخيرة. هذا يمكن رؤيته كنوع من ازدواجية الخطاب، من جهة استمرار تُوجَّه الصواريخ واستهداف البنى التحتية الإيرانية والمنشآت الحساسة والمدنيين، ومن جهة أخرى وفي اللحظة ذاتها يتحدث المسؤولون عن فتح قنوات دبلوماسية في المستقبل. وفي تناقض آخر داخلي في الخطاب، صرح وزير الدفاع الأمريكي مؤخرًا بأن “الولايات المتحدة لم تبدأ الحرب فعليًا ضد إيران”، لكنها تعمل على “إنهائها خلال إدارة ترامب”، وأن الهدف “ليس تغيير النظام الإيراني”. وفي نفس الوقت أشار إلى أن “النظام قد تغير بالفعل وأن العالم أصبح أفضل”.
وهذا الأمر يسلّط الضوء على غياب استراتيجية واضحة لدى واشنطن، بدلاً من أن يكون هناك تصور موحد لتحقيق السلام عبر التفاوض أو تحقيق أهداف عسكرية عبر القوة فقط، فإن الإدارة الأمريكية تقدم روايتين متعارضتين في نفس الوقت. وعندما تكون الإدارة غير قادرة على تقديم رؤية موحدة في خطابها الرسمي، فهذا يؤدي إلى فتور وضبابية في تصورات القوى الدولية والإقليمية حول ما تسعى إليه واشنطن.
ما الذي يكشفه هذا التناقض المتكرر؟
عندما نقف أمام تناقضات التصريحات المتلاحقة من دونالد ترامب، نرى أن أنماطًا نفسية وسياسية تنبثق منها، مثل:
*) عدم الاتساق في بناء السرد: فبدلًا من وجود قصة واحدة واضحة ومتماسكة لأسباب الحرب، هناك تحولات مفاجئة في اللغة والمبررات بين تصريحات سابقة وحديثة من “نزع النووي” إلى “التهديد النووي الجديد”، ومن “حرب قصيرة” إلى “حرب قد تكون طويلة الأمد”، وهكذا.
*) إرضاء الجماهير بصور مختلفة: حيث نجد خطاب يُظهر القوة والحسم أمام القاعدة السياسية الداعمة له في الداخل، وفي نفس الوقت خطاب دبلوماسي مهادن أمام المجتمع الدولي، يترافق ذلك مع تصريحات قد تبدو مزاجية أو عاطفية بدلًا من تصريحات وقرارات مدروسة دبلوماسيًا وسياسيًا وعسكريًا.
*) إثارة المخاوف: ففي أكثر من تصريح يستخدم ترامب لغة التهديد القوي أو التصعيد التحذيري، مثل تحذير بأن “القادم أسوأ إذا لم تتعاون إيران”، مما يعمل على إثارة قلق الجمهور ومن ثم الاعتقاد بأن الطرف الآخر سيُقدم على التنازل أو الاستسلام.
هذه السمات النفسية والسياسية للخطاب ليست مجرد اختلافات في الأسلوب، بل تعكس نهجًا استراتيجيًا هشًا أو متقلبًا يعتمد على الاستجابة اللحظية للتطورات بدلًا من توجيه واضح قائم على استراتيجية مدروسة طويلة الأجل.
كيف تؤثر التناقضات دوليًا وإقليميًا؟
عند تحليل هذه التصريحات المتناقضة نجد أنها ليست مجرد لعب بالكلمات، فهي تعكس حالة من الضبابية الاستراتيجية لدى الإدارة الأمريكية في التعامل مع أزمة معقدة مثل الأزمة الإيرانية. فعندما تكون الرسائل متعددة ومتناقضة، فإن القوى الدولية (مثل أوروبا وروسيا والصين) من المرجح أن تصبح أكثر حذرًا في مواقفها، وقد تتصرف بشكل مستقل عن الولايات المتحدة، مما يعقد الجبهة الدولية. أما على المستوى الإقليمي، فإن المنطقة قد تُصبح أكثر هشاشة، مع احتمالات صراع إقليمي أوسع إذا لم يتم توحيد الرسائل السياسية وتقديم خطة واضحة للتفاوض أو إنهاء الصراع.
وختامًا، فإن ما نراه الآن في تصريحات ترامب حول الحرب على إيران ليس مجرد تناقضات أو اختلافات عابرة، بل نتيجة لضغط سياسي داخلي، وتحول مستمر في الأهداف بحسب اللحظة، ومحاولة لخلط رسائل متعددة لجماهير مختلفة. وبدلًا من أن تكون الحرب جزءًا من إستراتيجية واضحة ومدروسة، نجد سلوكًا خطابيًا متقلبًا، متناقضًا، وغير معتمد على تماسك سردي أو خطة سياسية موحدة هو ما يتصدر المشهد.