توظيف الداخل: كيف يفكر “ترامب” في كوبا بعد إيران؟

ريهام السادات- باحثة بوحدة الدراسات الدولية.
أعاد تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخير، الذي أشار فيه إلى أن كوبا قد تكون الملف التالي بعد إيران، تسليط الضوء مجددًا على الجزيرة الكاريبية في سياق صراع دولي يتسم بتصاعد التوترات وتداخل الملفات الجيوسياسية. ويأتي هذا التصريح في توقيت بالغ الحساسية، في ظل تصاعد التوتر مع إيران واستمرار الجدل داخل الولايات المتحدة حول طبيعة الدور الأمريكي في إدارة الأزمات الإقليمية، وهو ما يضفي على الملف الكوبي بعدًا استراتيجيًا متجددًا يجمع بين الاعتبارات الجغرافية والضغوط السياسية.
وفي هذا السياق، يبرز التساؤل حول أسباب عودة كوبا إلى واجهة الاهتمام الأمريكي، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار موقعها الجغرافي الفريد القريب مباشرة من السواحل الأمريكية، فضلًا عن كونها حلقة وصل بين المحيط الأطلسي وخليج المكسيك، الأمر الذي يمنحها أهمية استراتيجية في مراقبة الممرات البحرية الحيوية وحركة التجارة الدولية، وكذلك في ضبط توازنات القوة العسكرية داخل منطقة الكاريبي.
وانطلاقًا من ذلك، تتضح العلاقة الوثيقة بين الموقع الجغرافي لكوبا واستراتيجية الأمن القومي الأمريكي. فالتدهور الاقتصادي والاجتماعي الذي تشهده الجزيرة منذ عام 2020 يوفر، في نظر صناع القرار في واشنطن، أداة ضغط إضافية يمكن توظيفها لتعزيز النفوذ السياسي والاقتصادي الأمريكي على النظام الكوبي.
فالأزمة الراهنة، التي انعكست في انخفاض الإنتاج الزراعي والصناعي وارتفاع معدلات التضخم وتراجع مستوى المعيشة، جعلت من كوبا بيئة قابلة لتكثيف الضغوط الأمريكية. وهنا يبرز تساؤل جوهري حول دلالة التصريح الأخير لترامب: هل يعكس تحولًا حقيقيًا في السياسة الأمريكية تجاه كوبا، أم أنه مجرد رسالة سياسية تكتيكية تهدف إلى استثمار الأزمة الداخلية في الجزيرة؟
وفي ضوء ذلك، يسعى هذا التحليل إلى استكشاف الأبعاد المختلفة لموقع كوبا في الاستراتيجية الأمريكية، وتحليل كيفية توظيف الأزمة الاقتصادية والسياسية في الجزيرة كأداة ضغط، بما يربط بين اعتبارات السياسة الداخلية الأمريكية والواقع الاقتصادي والسياسي في كوبا، وصولًا إلى قراءة تحليلية لمستقبل العلاقة بين البلدين.
انعكاسات البعد الجغرافي:
تتمتع كوبا بموقع جغرافي سياسي فريد، إذ تقع في شمال البحر الكاريبي على مقربة مباشرة من السواحل الأمريكية، وهو ما جعلها منذ بدايات القرن العشرين عنصرًا أساسيًا في الحسابات الاستراتيجية للولايات المتحدة. وتزداد حساسية هذا الموقع لكونه يشكّل حلقة وصل بين المحيط الأطلسي وخليج المكسيك، بما ينعكس مباشرة على أمن الممرات البحرية الدولية وحركة التجارة العالمية.
ومن ثم، فإن أهمية الجزيرة لا تقف عند حدود موقعها الجغرافي فحسب، بل تمتد إلى ما يتيحه هذا الموقع من قدرة على التأثير في مسارات التجارة الدولية وتوازنات القوة العسكرية داخل منطقة الكاريبي بأكملها.
وبناءً على هذه الأهمية الاستراتيجية، اتجهت الولايات المتحدة في مراحل تاريخية مختلفة إلى التدخل المباشر في الشأن الكوبي، سواء عبر السيطرة الاقتصادية على موارد الجزيرة أو من خلال دعم أنظمة سياسية موالية لها. وقد أسهم هذا التدخل في تكريس حالة من التبعية الاقتصادية والاجتماعية انعكست على المجتمع الكوبي في صورة تفاوت طبقي واسع وحرمان قطاعات كبيرة من الحقوق الأساسية.
وقد مهدت هذه الأوضاع الطريق لاندلاع الثورة الكوبية في خمسينيات القرن الماضي بقيادة فيدل كاسترو، والتي مثلت نقطة تحول استراتيجية في تاريخ الجزيرة. فمع انتصار الثورة، تحولت كوبا إلى حليف وثيق للاتحاد السوفيتي، وبلغ هذا التحالف ذروته في أزمة الصواريخ عام 1962، التي وضعت الولايات المتحدة والعالم على حافة مواجهة نووية مباشرة.
ومن هذا المنطلق، يتضح أن التاريخ السياسي والاجتماعي لكوبا ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومي الأمريكي، وأن الجزيرة لم تكن مجرد فضاء جغرافي محدود، بل ساحة صراع أيديولوجي وسياسي بين القوى الكبرى. واستمرارًا لهذا النهج، ظل الملف الكوبي حاضرًا في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، حيث استخدمت العقوبات الاقتصادية المتعاقبة كأداة ضغط مستمرة على النظام الكوبي في إطار سياسة تهدف إلى تقليص نفوذه الإقليمي والدولي.
وعليه، يمكن القول إن كوبا، رغم صغر حجمها الجغرافي، ما زالت تمثل عنصرًا مهمًا في العقيدة الجيوسياسية الأمريكية.
ضغط استراتيجي أمريكي:
يشهد الاقتصاد الكوبي منذ عام 2020 تدهورًا حادًا يُعدّ من أسوأ الأزمات التي عرفتها الجزيرة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي بصورة ملحوظة، وتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، كما تقلصت الصادرات إلى نحو النصف، بينما ارتفعت معدلات التضخم إلى مستويات قياسية انعكست مباشرة على مستوى المعيشة وزادت من الضغوط على الأسر الكوبية.
وترتبط جذور هذه الأزمة جزئيًا بطبيعة النموذج الاقتصادي الاشتراكي المركزي الذي تبنته كوبا منذ عام 1959، والذي لم يشهد إصلاحات هيكلية عميقة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، مما جعل الاقتصاد أكثر هشاشة وأشد عرضة للصدمات الخارجية.
وقد تفاقمت هذه الأوضاع نتيجة عدة عوامل متداخلة، من بينها تراجع الدعم الخارجي، وتوقف أو تقلص شحنات النفط القادمة من بعض الدول الداعمة مثل فنزويلا، فضلًا عن تداعيات جائحة كوفيد-19 والسياسات النقدية غير المتوازنة. وقد دفع ذلك قطاعات واسعة من المواطنين إلى الاعتماد على التحويلات المالية من الخارج وعلى شبكات التضامن المجتمعي لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
وفي ظل هذه الظروف، شهدت كوبا موجات احتجاج متفرقة واجهتها السلطات بإجراءات أمنية مشددة، وهو ما يعكس عمق الأزمة وتشابك أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
ومن منظور الولايات المتحدة، تمثل هذه الأزمة الاقتصادية العميقة فرصة استراتيجية لممارسة مزيد من الضغط السياسي والاقتصادي على النظام الكوبي. فالإدارة الأمريكية ترى أن تدهور الناتج المحلي وانخفاض القدرة الشرائية ونقص الوقود والطاقة يعكس مستوى غير مسبوق من هشاشة النظام.
وتشير بعض التقارير الأمريكية إلى أن هذه الهشاشة تمنح واشنطن قدرة أكبر على استغلال نقاط الضعف الاقتصادية في كوبا لدفع تغييرات سياسية تدريجية، سواء من خلال توسيع نطاق العقوبات أو تشديد القيود على وصول الموارد الأساسية إلى الجزيرة.
كما ترى الإدارة الأمريكية أن استمرار تفاقم الأزمة قد يؤدي إلى زيادة الضغوط الداخلية على النظام الكوبي، مع ارتفاع احتمالات الاحتجاجات والاضطرابات الاجتماعية. وفي هذا السياق، توظف واشنطن هذه التطورات لتأكيد روايتها بأن الحكومة الكوبية غير قادرة على إدارة الاقتصاد أو ضمان رفاهية مواطنيها، الأمر الذي يوفر مبررًا لفرض قيود إضافية على التجارة والطاقة وخطوط الشحن.
وعلاوة على ذلك، تكشف الأزمة الكوبية عن هشاشة البنية الاقتصادية للنظام الذي يعتمد بدرجة كبيرة على دعم محدود من حلفاء تقليديين لم يعودوا قادرين على تقديم دعم مستدام.
ومن هنا، تعمل الإدارة الأمريكية على توظيف أدوات الضغط الاقتصادي، بما في ذلك القيود المفروضة على إمدادات الطاقة ومراقبة حركة الناقلات البحرية، في محاولة لدفع النظام الكوبي إلى تعديل سياساته الاقتصادية والسياسية، أو على الأقل الحد من قدرته على توسيع علاقاته التجارية الدولية.
وبذلك، تبدو الأزمة الكوبية في الحسابات الأمريكية ليست مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل فرصة سياسية يمكن استخدامها للتأثير في المسار السياسي والاقتصادي للجزيرة دون اللجوء إلى تدخل عسكري مباشر.
أثر سياسات ترامب على كوبا:
تلعب النخبة السياسية داخل إدارة ترامب دورًا مهمًا في صياغة التوجهات الأمريكية تجاه كوبا. ويبرز في هذا السياق وزير الخارجية ماركو روبيو، المنحدر من أصول كوبية، كأحد أبرز الأصوات الداعية إلى تشديد الضغوط على النظام الكوبي.
ويستند روبيو في مواقفه إلى دعم التيار المحافظ في الولايات المتحدة، الذي يرى في الأنظمة اليسارية في أمريكا اللاتينية مصدر تهديد لاستقرار المنطقة، وهو ما يجعل السياسة الأمريكية تجاه كوبا محكومة بمزيج من الاعتبارات الأمنية والإيديولوجية.
ومن ناحية أخرى، لا تنفصل هذه السياسات عن حسابات الداخل الأمريكي، إذ تمثل ولاية فلوريدا والجالية الكوبية المقيمة فيها قوة انتخابية مؤثرة في المشهد السياسي. وقد سعى ترامب وحلفاؤه إلى توظيف ملف كوبا في الخطاب السياسي الداخلي، من خلال تبني خطاب حازم تجاه النظام الكوبي لكسب دعم الناخبين من أصول كوبية.
وهكذا يتضح أن السياسة الخارجية الأمريكية تجاه كوبا تتداخل بدرجة كبيرة مع الحسابات الانتخابية الداخلية، الأمر الذي يفسر استمرار حضور الملف الكوبي بقوة في الخطاب السياسي الأمريكي.
وفي إطار إظهار الحزم على الصعيد الدولي، تبنت الولايات المتحدة خطابًا سياسيًا يربط بين ملفات كوبا وفنزويلا وإيران، مع تشديد القيود الاقتصادية ومراقبة خطوط الشحن وإمدادات الطاقة. ويكشف هذا النهج عن رغبة واشنطن في استخدام الأزمة الاقتصادية والسياسية في كوبا كأداة ضغط استراتيجية تهدف إلى تغيير سلوك النظام، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
سيناريوهات محتملة:
في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية والسياسية في كوبا، تنظر الإدارة الأمريكية إلى هذه الأوضاع باعتبارها فرصة لتعزيز الضغوط على النظام الكوبي، وهو ما يفتح المجال أمام عدة سيناريوهات محتملة للسياسة الأمريكية تجاه الجزيرة:
(-) السيناريو الأول (الأكثر احتمالًا)،- الضغط الاقتصادي المكثف: يتمثل في فرض عقوبات إضافية وتشديد القيود على التجارة والتحويلات المالية، بما يؤدي إلى تعميق الأزمة الداخلية واستغلال هشاشة النظام لتحقيق أهداف سياسية دون اللجوء إلى القوة العسكرية.
(-) السيناريو الثاني،- الضغط السياسي والدبلوماسي: حيث تسعى الولايات المتحدة إلى زيادة عزلة كوبا على المستوى الدولي، وتوظيف المؤسسات الدولية كأداة ضغط لدفع الحكومة الكوبية إلى التفاوض تحت وطأة الأزمة الاقتصادية.
(-) السيناريو الثالث،- التوتر الأمني المحدود: يتضمن تصاعدًا تدريجيًا للتوترات في منطقة الكاريبي نتيجة الضغوط الاقتصادية والسياسية المفروضة على كوبا، مع احتمال وقوع احتكاكات أمنية غير مباشرة دون أن تتطور إلى صراع مفتوح.
في النهاية يمكن القول إن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تعكس استمرار التفكير التقليدي في مفهوم الأمن القومي الأمريكي، حيث تظل كوبا – بحكم موقعها الجغرافي الاستراتيجي – ملفًا حاضرًا في الحسابات الأمريكية، ليس فقط لأسباب أمنية، بل أيضًا لارتباطها بتوازنات القوة الإقليمية والتحكم في مسارات التجارة البحرية.
ومن هذا المنطلق، سيظل مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا مرهونًا بتوازنات السياسة الدولية وبالتطورات الداخلية في الجزيرة، مع استمرار اعتماد واشنطن على أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي كوسيلة رئيسة للتأثير في مسار النظام الكوبي، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
وهكذا، تصبح الأزمة الكوبية نموذجًا واضحًا لكيفية توظيف القوى الكبرى للأزمات المحلية في خدمة مصالحها الاستراتيجية الأوسع، وإعادة إنتاج خطاب الصراع ضمن إطار الأمن القومي الأمريكي.