استثمار الفوضى: كيف تنظر التنظيمات الإرهابية إلى الحرب ضد إيران؟

تشهد منطقة الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة تصعيدًا غير مسبوق في التوترات العسكرية والسياسية، مع اتساع دائرة المواجهة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. وقد أعاد هذا التصعيد طرح مجموعة من الأسئلة حول مواقف الفاعلين من غير الدول في المنطقة، وعلى رأسهم التنظيمات الإرهابية المسلحة التي لطالما لعبت دورًا مؤثرًا في بيئات الصراع الممتدة من العراق وسوريا إلى اليمن وأفغانستان.
ومع كل تصعيد كبير تشهده المنطقة يبرز سؤال مركزي: كيف تنظر التنظيمات الجهادية المتشددة إلى الحرب ضد إيران؟ وهل يمكن أن تتقاطع مصالحها مع خصوم طهران؟ وما الدور الذي تلعبه الاعتبارات العقائدية والتنظيمية في رسم خريطة التحالفات وتحديد المسارات المحتملة لهذه التنظيمات؟
التاريخ القريب والواقع الراهن يشيران إلى أن الإجابة عن هذه التساؤلات تحمل أبعادًا معقدة؛ فهذه التنظيمات لا تتحرك وفق منطق سياسي تقليدي يشبه سلوك الدول، بل وفق مزيج من العقيدة الأيديولوجية والحسابات العملياتية والفرص التي تتيحها الفوضى الإقليمية. ومن ثم فإن قراءة موقف هذه التنظيمات من الحرب ضد إيران تكشف خريطة مواقف متباينة تتراوح بين العداء المباشر لطهران، والبراغماتية التكتيكية، والاستثمار الدعائي في أجواء الصراع دون الانخراط فيه بشكل مباشر.
خصومة عقائدية:
في الخطاب الأيديولوجي للتنظيمات الجهادية السنية المتطرفة، تحتل إيران موقعًا خاصًا باعتبارها خصمًا عقائديًا قبل أن تكون خصمًا سياسيًا. فهذه التنظيمات، وعلى رأسها تنظيم داعش، تصنف النظام الإيراني ضمن ما تسميه “العدو الرافضي”، وهو توصيف يضع إيران في دائرة العداء المذهبي الدائم، ويجعل الصراع معها جزءًا من البنية الفكرية لهذه التنظيمات.
هذا العداء العقائدي يفسر لماذا لم تتحول الحروب أو المواجهات التي تتعرض لها إيران إلى فرصة للتقارب بينها وبين التنظيمات الجهادية السنية. بل على العكس، كثيرًا ما رأت هذه التنظيمات في ضعف إيران أو انشغالها في صراعات إقليمية فرصة لتوسيع عملياتها ضد حلفائها أو ضد المجتمعات الشيعية في المنطقة. ومن ثم تبقى احتمالية انخراط التنظيمات الإرهابية في صراع لصالح إيران مستبعدة، انطلاقًا من التوجه العقائدي الذي يهيمن على خطاب تلك الجماعات وتصريحاتها وممارساتها.
ويعد تنظيم داعش النموذج الأكثر تشددًا في موقفه العدائي من النظام الإيراني؛ فقد تبنى التنظيم منذ نشأته هذا الموقف، معتبرًا أن المواجهة المسلحة ضد “الرافضة” تمثل أولوية أساسية في مشروعه الجهادي. وقد انعكس هذا التوجه في العمليات التي نفذها التنظيم في العراق وسوريا، حيث ركز بدرجة كبيرة على استهداف الميليشيات الشيعية والقوات المرتبطة بإيران. كما ظهر ذلك في خطابات قياداته الإعلامية التي أكدت مرارًا أن الصراع مع إيران لا يقل أهمية عن الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي هذا السياق جاءت تصريحات المتحدث باسم التنظيم أبو حذيفة الأنصاري، التي دعا فيها إلى تنشيط العمليات ضد الغرب وتوسيع ساحات المواجهة، في محاولة لاستثمار التوترات الإقليمية – في فترات سابقة – لتعزيز خطاب التعبئة الجهادية. غير أن هذه الدعوات لا تعني بالضرورة دخول التنظيم في مواجهة مباشرة مع إسرائيل أو التحرك لصالح إيران، بل تعكس في الأساس استراتيجية داعش التقليدية القائمة على استغلال أجواء الصراع والفوضى لتوسيع نطاق نشاطه.
البراغماتية الحذرة:
على خلاف داعش، يظهر موقف تنظيم القاعدة أكثر تعقيدًا. فالتنظيم، رغم تبنيه خطابًا أيديولوجيًا ينتقد إيران بشدة، لم يدخل في مواجهة مفتوحة معها على غرار داعش. ويرتبط هذا الموقف إلى حد كبير بطبيعة استراتيجية القاعدة التي تميل إلى البراغماتية التكتيكية؛ إذ يسعى التنظيم إلى تجنب فتح جبهات متعددة في وقت واحد، والتركيز على ما يعتبره “العدو البعيد”، المتمثل في الولايات المتحدة وحلفائها.
وقد ظهرت خلال السنوات الماضية – خاصة بعد مقتل أيمن الظواهري – تقارير تحدثت عن وجود شخصيات قيادية في القاعدة داخل إيران، وهو ما دفع بعض المحللين إلى اعتبار ذلك مؤشرًا على وجود مستوى معين من التفاهم غير المعلن بين الطرفين. ومع ذلك، فإن هذه المعطيات لا تجزم بوجود تحالف حقيقي بين القاعدة وإيران، بقدر ما تعكس نوعًا من الترتيب البراغماتي المتبادل الذي يهدف إلى تجنب الصدام المباشر دون أن يتحول إلى تعاون استراتيجي.
وعلى الرغم من العداء العقائدي بين التنظيمات الجهادية السنية وإيران، فإن بعض الخطابات الجهادية حاولت في أوقات معينة توظيف فكرة “العدو المشترك” المتمثل في إسرائيل والولايات المتحدة. غير أن هذا الخطاب ظل في إطار الدعاية الإعلامية أكثر منه مشروعًا عمليًا للتحالف، إذ إن الفجوة الأيديولوجية بين الطرفين تبقى عميقة للغاية. كما أن هذه التنظيمات غالبًا ما ترى أن مواجهة إسرائيل تأتي في مرحلة لاحقة، بعد تحقيق أهدافها المتعلقة بإسقاط الأنظمة العربية وإقامة ما تسميه “الدولة الإسلامية”.
استثمار الفوضى:
إذا كان من غير المرجح أن تنخرط التنظيمات الإرهابية في الحرب ضد إيران بشكل مباشر، فإن ذلك لا يعني أنها ستظل خارج المشهد تمامًا. فالتجارب السابقة تشير إلى أن هذه التنظيمات تميل إلى استغلال لحظات الصراع الإقليمي لإعادة تنظيم صفوفها وتوسيع نفوذها. فكلما انشغلت القوى الإقليمية والدولية بمواجهات كبرى، اتسعت المساحات التي يمكن للتنظيمات المتشددة أن تتحرك فيها.
ولهذا فإن أخطر انعكاسات الحرب ضد إيران قد لا تكون في شكل تحالفات جديدة، بل في احتمال أن توفر هذه الحرب بيئة فوضوية تسمح بعودة نشاط الجماعات الإرهابية في بعض المناطق الهشة.
ويمكن قراءة ذلك من خلال استدعاء تجارب من التاريخ القريب توضح كيف تتحول الحروب بين الدول إلى بيئة مناسبة لعودة أو تمدد التنظيمات المتطرفة. فخلال الحرب في سوريا، ومع انشغال النظام السوري والقوى الدولية بالصراع العسكري الواسع، تمكن تنظيم داعش من إعادة تنظيم صفوفه والسيطرة على مناطق واسعة في شرق سوريا وغرب العراق عام 2014. وتكرر الأمر في اليمن عام 2015 عندما أدت الحرب إلى انشغال الأطراف الإقليمية بالصراع المباشر، ما سمح لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب بالتمدد والسيطرة على مدينة المكلا. وفي ليبيا، بعد سقوط الدولة المركزية عام 2011، استفاد تنظيم داعش من حالة الانقسام السياسي والعسكري ليؤسس موطئ قدم في مدينة سرت ويحولها إلى قاعدة نشاط لفترة من الزمن.
وعند إسقاط هذه الخبرة التاريخية على الحالة الإيرانية، لاسيما في حال اتساع نطاق الحرب وامتدادها إلى أكثر من دولة، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيدًا. فإيران تقع في محيط إقليمي يضم بؤرًا نشطة لجماعات مسلحة في أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا، إضافة إلى جماعات انفصالية أو مسلحة في مناطق حدودية مثل بلوشستان أو كردستان.
وإذا تحولت المواجهة إلى صراع إقليمي واسع يستنزف قدرات الجيوش، فقد تنشغل الدول بإدارة الحرب المباشرة، وهو ما قد يخلق مساحات رخوة على الحدود أو في مناطق الصراع تسمح لبعض التنظيمات بإعادة ترتيب صفوفها أو محاولة استغلال الفوضى الأمنية. لذلك فإن أخطر انعكاسات أي حرب واسعة على إيران أو في محيطها قد لا تكون فقط في ميزان القوى العسكرية، بل في البيئة الفوضوية التي قد تتيح عودة نشاط جماعات متشددة أو مسلحة في بعض المناطق الهشة المحيطة بالصراع.
السيناريوهات المحتملة:
في ضوء هذه المعطيات يمكن تصور عدد من السيناريوهات المحتملة:
(-) السيناريو الأول،- اتساع نشاط الجماعات الحدودية: قد تستغل بعض الجماعات المسلحة أو الانفصالية في المناطق الحدودية بين إيران وباكستان أو بين إيران والعراق حالة الانشغال العسكري لتكثيف عملياتها أو توسيع نطاق نفوذها.
(-) السيناريو الثاني،- عودة التنظيمات المتطرفة في بؤر الصراع القريبة: إذا توسعت دائرة الحرب في العراق وسوريا كامتداد للصراع مع إيران، فقد تحاول خلايا التنظيمات المتطرفة في هذه الدول استغلال الفوضى لإعادة تنشيط عملياتها.
(-) السيناريو الثالث،- انتقال التوتر إلى مناطق رخوة إقليميًا: في حال استمرت الحرب لفترة طويلة، قد تتحول بعض المناطق المحيطة بالصراع إلى ساحات نشاط لجماعات مسلحة تسعى للاستفادة من حالة عدم الاستقرار، وخلق مساحات غير خاضعة لسيطرة كاملة للدول، مثل بعض مناطق كردستان أو الحدود التركية.
في النهاية، يمكن القول إنه في ظل استمرار العداء العقائدي بين إيران والجماعات السنية المتطرفة، تبدو احتمالات التقارب أو التحالف بين الطرفين ضعيفة للغاية. غير أن هذه التنظيمات قد تسعى في الوقت نفسه إلى استثمار حالة الفوضى التي قد تنتج عن أي مواجهة إقليمية واسعة بهدف توسيع نفوذها وإعادة تنشيط شبكاتها.
ومن ثم فإن الخطر الحقيقي لا يتوقف عند حدود احتمالات التصعيد العسكري بين الدول، بل يمتد أيضًا إلى الفراغات الأمنية التي قد تخلقها هذه الصراعات، وهي الفراغات التي غالبًا ما تشكل البيئة المثالية لعودة التنظيمات الإرهابية إلى الواجهة من جديد.