عقدة العقيدة: ماذا يحدث في الداخل الإيراني بعد اغتيال “خامنئي”؟

كثيرًا ما تُقدَّم إيران في الأوساط السياسية بوصفها دولة مرتبطة عضويًا بالأفراد، وكأن النظام السياسي فيها يقوم على شخص المرشد الأعلى بوصفه مركز الثقل الوحيد. غير أن التطورات الحالية بعد القصف الأمريكي-الإسرائيلي للأراضي الإيرانية، والتي أعقبت اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، تفرض مراجعة هذا التصور المُبسط. فعدم اهتزاز الدولة الإيرانية بالقدر الذي كانت تنتظره الولايات المتحدة ومعها الكيان الصهيوني، عقب مقتل أعلى رمزية بها، وسرعة تفعيل آليات القيادة، لا يشيران إلى رد فعل ارتجالي، بل إلى بنية أُعدّت سلفًا للتعامل مع أسوأ السيناريوهات، وفي مقدمتها استهداف رأس النظام في سياق حرب مفتوحة.

وعلى الرغم من ذلك، فإنه من الخطأ في هذه المرحلة، الجزم بمسار واحد لما يجري في الإقليم. فإيران ترد على الضربات الإسرائيلية العنيفة باستهداف تل أبيب، وتوسع دائرة الاشتباك لتشمل القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، بينما يظل المشهد الإقليمي بالغ السيولة، مفتوحًا على احتمالات التصعيد والاحتواء في آن واحد. لكن ما يمكن تحليله بدقة هو ما تشكّل داخل إيران حتى هذه اللحظة بعد اغتيال المرشد، وكيف أعادت الدولة ترتيب نفسها سياسيًا ونفسيًا وأمنيًا، بعيدًا عن سؤال النهاية.

العقلية الإيرانية وإعادة الترتيب:

اللافت في عملية اغتيال المرشد وعدد من القيادات الإيرانية، أنها تمت في الساعات الأولى من الضربات الإسرائيلية–الأمريكية صباح السبت 28 فبراير، ومع ذلك امتنعت طهران عن إعلان الخبر على الفور، ولم تؤكده إلا بعد مرور يومًا كاملًا. هذا التأخير يمكن تفسيره من زاوية أنه حالة ارتباك نوعًا ما، ومن زاوية أخري وهي الأرجح أنه جاء كقرار أمني–سياسي محسوب، أتاح إعادة ترتيب الصفوف، وتأمين سلسلة القيادة، ومنع أي فراغ قد يُستغل داخليًا أو خارجيًا. الإعلان جاء بعد تثبيت الحد الأدنى من الاستقرار المؤسسي، لا قبله، وهو فارق جوهري في تقييم جاهزية الدولة. لاسيما أن سيناريو اغتيال المرشد الأعلى متوقع من قبل.

هذا السلوك يعكس منطق البنية التي نشأت بعد عام 1979، والتي تأسست على فكرة أن الدولة والثورة تتقدمان على الأفراد. وقد لخّص آية الله الخميني هذا التراتب بوضوح في مقولة شهيرة له، بإن “الحفاظ على الجمهورية الإسلامية أهم من الحفاظ على أي فرد، حتى لو كان ذلك الفرد هو إمام العصر”، في إشارة إلى محمد المهدي، الإمام الثاني عشر في المذهب الشيعي. هذه العبارة لم تكن مجرد قول فقهي، بل قاعدة ذهنية حكمت تصميم النظام نفسه، وتهيئته المسبقة لفكرة غياب القائد.

اغتيال الفرد لا الدولة:

إن شغور منصب المرشد الأعلى لا يعني تلقائيًا شلل الدولة أو انهيار القرار. فإدارة الحرب في الحالة الإيرانية لا ترتبط مباشرة بشخص المرشد، بل تُدار عبر منظومة مؤسساتية تشمل الحرس الثوري، وهيئة الأركان، والمجلس الأعلى للأمن القومي. كما أن انتقال الصلاحيات إلى صيغة قيادة جماعية مؤقتة ليس خروجًا عن القاعدة، بل تفعيلًا لنص دستوري وُضع تحديدًا لمثل هذه اللحظات، وهو ما يفسر استمرار الرد الإيراني دون انقطاع واضح في القرار العسكري.

وفي هذا السياق، أعلن المتحدث باسم مجمع تشخيص مصلحة النظام، سيد محسن دهنوي، أنه وطبقًا لدستور البلاد وعملاً بالمادة 111 منه، التي تنص على مشاركة أحد فقهاء مجلس صيانة الدستور في مجلس القيادة المؤقت، قرر المجمع اختيار آية الله علي رضا أعرافي عضوًا في هذا المجلس، إلى جانب رئيس الجمهورية الإيرانية مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية، بما يضمن استمرار القيادة السياسية والعسكرية دون توقف. وأُعلن أن مجلس خبراء القيادة سيتولى لاحقًا انتخاب القائد الدائم في أقرب وقت ممكن. وبهذا القرار، تكون إيران قد حسمت هيكل القيادة المؤقتة قانونيًا، ووجهت رسالة واضحة تُسقط رهانات دونالد ترامب على حدوث فراغ أو فوضى في مركز القرار الإيراني. فغرفة عمليات الرد، من الناحية الدستورية والمؤسسية، أصبحت مكتملة، وهو ما يعزز فرضية أن سيناريو استهداف القيادة كان حاضرًا في الحسابات الإيرانية منذ البداية.

اختيار أعرافي لم يكن مفاجئًا في ذاته. فهو إمام جمعة قم، ومدير الحوزات العلمية في عموم البلاد، وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور، ويتمتع بعلاقات وثيقة مع الحرس الثوري الإيراني. هذا الموقع المركّب، الذي يجمع بين الشرعية الدينية والقبول الأمني، جعله أحد الأسماء المتداولة سابقًا في سياق التكهنات حول خلافة المرشد الأعلى علي خامنئي. وقد تعزز هذا الانطباع مع قيامه بزيارة رسمية إلى موسكو عام 2024، وهي زيارة غير معتادة لرجال الدين بهذا المستوى، شدد خلالها على توجه إيران نحو تعزيز الشراكات الاستراتيجية مع روسيا، في إطار مقاربة تقوم على الارتكاز إلى الشرق.

ووفقا لرؤية الدكتورة شيماء المرسي الخبيرة في الشأن الإيراني، المنشورة في مقالها صباح يوم الأول من مارس يمكن القول إن وجود أعرافي في مجلس القيادة المؤقت يمكن قراءته بوصفه مرحلة اختبار عملي للقيادة. فطريقة وفاة القائد، خصوصًا في سياق حرب، تؤثر بعمق في مسار الخلافة. واغتيال المرشد يُعاد تأطيره ضمن سردية “الشهادة”، وهي سردية تفرض معايير أكثر صرامة على من يمكن أن يخلفه، وتُرجح كفة الشخصيات التي تُجسد الصلابة والاستمرارية لا التغيير الجذري. وإذا نجحت القيادة المؤقتة في عبور مرحلة الساعات والأيام الحرجة المقبلة دون اهتزاز داخلي، فإن احتمال تثبيت أعرافي مرشدًا دائمًا سيصبح أكثر واقعية.

رد فعل الداخل:

يبقى السؤال الأكثر تعقيدًا متعلقًا بالداخل الإيراني نفسه. هل سيصطف المجتمع الإيراني خلف القيادة الحالية في مواجهة ما يُقدّم بوصفه عدوانًا أمريكيًا–إسرائيليًا مباشرًا، رغم سنوات من الأزمات الطاحنة والاحتجاجات؟ الإجابة لا يمكن أن تكون حاسمة، لكنها يمكن أن تكون تحليلية. فالتجربة الإيرانية تشير إلى وجود فارق في الوعي الجمعي بين معارضة السياسات أو النخب، وبين قبول هزيمة أو كسر الدولة تحت ضغط خارجي. حيث أنه في لحظات التهديد الوجودي، تميل قطاعات واسعة من الشعب إلى تقديم فكرة الدولة على الخلافات الداخلية، لا بدافع الولاء المطلق، بل بدافع الخوف من البديل.

هذا الميل يتغذى على الأيديولوجية الشيعية السياسية التي تشكّلت بعد الثورة الإسلامية في إيران 1979، والتي ربطت بين المظلومية، والصبر، وبقاء الكيان السياسي. لذا فإن اغتيال المرشد، وهو مرجعية دينية قُتل في سياق حرب، أعاد تفعيل هذه السردية، ورفع كلفة التراجع، وجعل الاستمرار في المواجهة يُقدَّم بوصفه واجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون خيارًا سياسيًا.

إلى جانب ذلك، تلعب العقلية الفارسية في الصراع دورًا حاسمًا. فهذه العقلية لا تقوم على منطق الحسم السريع، بل على النفس الطويل، واستيعاب الضربات، وتحويل الاستنزاف إلى أداة. في هذا الإطار، يصبح القول إن إيران “لم تبدأ الحرب بعد” تعبيرًا عن فلسفة قتال ترى أن ما وقع حتى الآن هو إدارة تصعيد، لا استنفاد للقدرات، ورفض للهزيمة السريعة أكثر منه وعدًا بانتصار قريب.

كل ذلك لا يعني أن الداخل الإيراني محصّن إلى ما لا نهاية، ولا أن التماسك مضمون على المدى الطويل. استمرار هذا التماسك يظل مشروطًا بطول أمد المواجهة، وحجم الخسائر، وقدرة القيادة الحالية على إدارة الاقتصاد والأمن والشارع الإيراني معًا. لكن في اللحظة الراهنة، تشير المؤشرات إلى أن اغتيال المرشد لم يؤدِ إلى تفكك فوري كما كانت تأمل واشنطن، بل على العكس، عزز مرونة الدولة، ورفع كلفة أي رهان خارجي على الحسم السريع.

وختاماً، اغتيال المرشد لم يكن نهاية مرحلة، بل بداية اختبار قاسٍ للدولة الإيرانية نفسها. اختبار لا يُقاس بالأيام، ولا يُحسم بضربة واحدة، بل يتشكل تدريجيًا بين العقيدة، والذاكرة، وحسابات للبقاء. وحتى إشعار آخر، يبدو أن إيران اجتازت صدمة الرمز، وبدأت مرحلة إدارة الصراع بوصفه صراع دولة “صراع وجود”، لا صراع أفراد.

سارة أمين

سارة أمين- باحث أول بالمركز في شئون الشرق الأوسط والأمن الإقليمي، ورئيس برنامج دراسات الخليج العربي. الباحثة حاصلة علي ماجستير في العلوم السياسية، شعبة العلاقات الدولية. وهي كاتبة في العديد من مراكز الفكر والدراسات العربية، ومتعاونة مع المؤسسات الدولية الحقوقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى