حرب إيران.. أين تتجه معادلة الردع بين أطراف الصراع؟

فوزية صبري- باحثة مشاركة
في الثامن والعشرين من فبراير الماضي تصاعدت حدة التوترات في الشرق الأوسط بعد أن نفذت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ضربات عسكرية مشتركة استهدفت منشآت حيوية إيرانية. وفي المقابل شنت إيران ضربات ضد إسرائيل بالإضافة إلى ضربات طالت قواعد عسكرية أمريكية في عدد من الدول العربية؛ مما أدى إلى دوي صفارات الإنذار في عدة مناطق. تفتح هذه التطورات الباب أمام سلسلة من التساؤلات حول أبعاد الحرب الإقليمية الحالية، ومدى احتمالات تصعيدها إلى صراع أوسع.
دوافع التصعيد:
يعد امتلاك إيران لليورانيوم المخصب أحد أبرز عوامل التصعيد الحالي_حيث تمتلك طهران يورانيوم مخصبًا بنسبة تصل إلى 60% وهي نسبة قريبة جدًا من نسبة تخصيب 90 % اللازمة لصنع الأسلحة النووية_ بالرغم من تأكيدها المستمر على أن أنشطتها النووية مخصصة للأغراض المدنية فقط.
كما أن المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران برعاية عمانية لم تسفر عن أي اتفاق نهائي رسمي بين الطرفين رغم إشارات الجانبين إلى أن الجولة الثالثة من المفاوضات كانت جدية. بالإضافة إلى ذلك صرح الرئيس الأمريكي “ترامب” إلى سعيه لوقف إيران عن تخصيبها لليورانيوم بشكل كامل ونقل اليورانيوم المخصب خارج حدودها، فضلًا عن وضع ضوابط على برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية.
وعلاوة على ذلك طهرن تدعم ميليشيات وفصائل في دول عربية متعددة (مثل الحوثيين في اليمن، وميليشيات في العراق ولبنان وسوريا) مما يجعلها لاعبًا مسلحًا فاعلًا في الإقليم. وفي المقابل تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تأمين مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية لاسيما من خلال السيطرة على مضيق هرمز الحيوي. إضافة إلى ذلك، يسعى الطرفان إلى تقويض نظام آية الله الذي يواصل معاداته لإسرائيل والولايات المتحدة منذ أكثر من أربعة عقود ونصف.
تصعيد متبادل:
شهدت السبت الماضي ضربات إسرائيلية أمريكية استهدفت طهران وعدة مدن إيرانية حيث طالت منطقة باستور التي تضم مقار رسمية حساسة من بينها مقر المرشد الإيراني ” على خامنئي” ومقر الرئاسة. وفي أعقاب الهجمات والضربات أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني مقتل الخامنئي. وامتدت الضربات لتشمل مواقع عسكرية ومنشآت حيوية إيرانية، في خطوة تعكس اتساع نطاق العملية وأهدافها الاستراتيجية.”
هذا الاختراق الأمني والعسكري لقلب العاصمة الإيرانية أدى إلى انهيار كافة قواعد الاشتباك السابقة، دافعًا بالمنطقة نحو حرب مفتوحة؛ إذ لم يقتصر الرد الإيراني على الدفاع، بل أطلقت طهران موجة عارمة من الصواريخ الباليستية تسببت في دوي صفارات الإنذار في كافة أرجاء إسرائيل. ولم يتوقف الرد عند هذا الحد، بل امتد ليشمل العمق الإقليمي عبر استهداف مواقع تضم قواعد عسكرية أمريكية حيوية بالصواريخ والطائرات المسيرة ، وفي مقدمتها مقر الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية في البحرين ، قاعدة محمد الأحمد البحرية الكويتية ، وعلاوة على ذلك أسقطت عدد من الصواريخ فوق الإمارات العربية المتحدة، وقطر والسعودية والأردن. كما أكدت قبرص على تعرض قاعدة جوية بريطانية على الساحل الجنوبي للجزيرة للهجوم بطائرة مسيرة؛ ويأتي ذلك في أعقاب تصريح رئيس الوزراء البريطاني إن المملكة المتحدة ستساعد الولايات المتحدة في حربها ضد إيران.
ردود الفعل الإقليمية:
الإمارات: أدانت الاعتداءات الصاروخية الايرانية وأعلنت غلق سفارتها في طهران وسحب جميع أعضاء بعثتها الدبلوماسية في خطوة تعكس مستوى التوتر الدبلوماسي المتصاعد بين الجانبين.
(-) السعودية: أدانت الهجمات الإيرانية التي استهدفت منطقة الرياض والمنطقة الشرقية.
(-) الكويت: أدانت الهجمات الإيرانية على أرضيها وأكدت أنها تمثل انتهاك صريح لسيادتها ومجالها الجوي وأكدت على حقها الكامل في الدفاع عن نفسها بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
(-) قطر: أدانت استهداف أراضيها بصواريخ باليستية إيرانية واعتبره انتهاك لسيادتها وأكدت على حقها الكامل في الرد وفقا لأحكام القانون الدولي وبما يتناسب مع طبيعة الاعتداء ووجهت دعوة لوقف التصعيد والعودة إلى طاولة المفاوضات.
(-) جامعة الدول العربية: أعربت عن إدانتها للهجمات الايرانية على قطر والبحرين والكويت والإمارات والأردن والسعودية وعمان، معتبرة أنها تمثل انتهاك صريح لسيادة هذه الدول وللقانون الدولي والقانون الدولي الانساني كما أكدت تضامنها الكامل مع الدول العربية المتضررة ودعمها لكافة الإجراءات التي تتخذها للحفاظ على أمنها الوطني واستقرارها.
رود الفعل الدولية:
عقد مجلس الأمن جلسة طارئة في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، شهدت انقسامًا واضحًا في المواقف بين الدول الأعضاء. فقد أدانت كل من روسيا والصين الضربات الأمريكية والإسرائيلية، بينما اتخذت دول أخرى مسار مغاير إذ ركزت البحرين _ممثلة لمجلس التعاون الخليجي_على إدانة الهجمات الإيرانية.
واتصالًا صدر بيان ثلاثي مشترك عن ألمانيا وفرنسا وبريطانيا يندد بالهجمات الإيرانية مع التأكيد على التزامهم بحماية أرواح المدنيين واستقرار المنطقة. كما تبنى مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان موقف شمولي حيث أدان الهجمات العسكرية التي شنتها إسرائيل الولايات المتحدة وإيران على حد السواء.
وعلاوة على ذلك وزارة الخارجية الاوكرانية أرجعت سبب الأحداث الحالية لعنف النظام الحاكم الإيراني، كما وصف نائب رئيس مجلس الأمن الروسي “دميتري ميدفيديف” المفاوضات السابقة مع طهران بأنها لم تكن سوى عملية تمويهية.
سيناريوهان محتملان:
استنادًا إلى المعطيات الراهنة، يمكن تلخيص مستقبل الضربات المتبادلة ضمن سيناريوهين محتملين:
(*) السيناريو الأول،- المواجهة العسكرية الشاملة: ويستند هذا السيناريو إلى فرضية تفاقم العمليات العسكرية المتبادلة وتمدد رقعتها لتشمل أهدافًا حيوية بعيدة عن جبهات الاشتباك التقليدية.
ويعزز من احتمالية هذا المسار امتلاك طهران ترسانة من الصواريخ البالستية المتقدمة القادرة على ضرب أهداف استراتيجية بعيدة المدى، إضافة إلى قدرة حلفائها في “محور المقاومة” (حزب الله، الحوثيين، والميليشيات العراقية) على فتح جبهات استنزاف متعددة، فضلاً عن تلويح إيران بورقة إغلاق مضيق هرمز لتعطيل إمدادات الطاقة العالمية.
وتتمثل كوابح هذا السيناريو في رفض أطياف واسعة من المعارضة الإيرانية لأي تدخل عسكري خارجي، بالإضافة إلى التكاليف البشرية والاقتصادية الهائلة التي قد تترتب على كافة الأطراف، مما يشكل رادعاً أمام الانزلاق نحو حرب شاملة. كما أن معظم الدول العربية المتضررة اتخذت مواقف تميل إلى الردع وإدانة التصعيد، مبديةً رغبة حثيثة في منع انفجار المنطقة.
(*) السيناريو الثاني – التصعيد المنضبط: يستند هذا السيناريو على استمرار الضربات المحدودة والمحسوبة بين الأطراف، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مع حرص كل طرف على ضبط مستوى التصعيد لتفادي حرب إقليمية واسعة، والاكتفاء بتبادل الرسائل العسكرية والسياسية ضمن سقف معين من الردع المتبادل
ومحفزات هذا السناريو توازن الردع بين واشنطن وتل أبيب من جهة وإيران وحلفائها من جهة أخرى، مصالح القوى الإقليمية والدولية في الحفاظ على الاستقرار المنطقة.
في النهاية، يمكن القول إنه بالنظر إلى حجم الاستهداف المباشر لمنشآت القيادة والسيادة الذي نشهده حاليًا، يبدو أن السيناريو الأول قد فرض نفسه كواقع ميداني تجاوز محاولات الاحتواء التقليدية. إن غياب الوساطة الدولية الفاعلة وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا دفع بالمنطقة إلى “نقطة اللاعودة”، حيث أصبح الحسم العسكري المباشر هو اللغة الوحيدة التي تحكم المشهد، متجاوزٍا بذلك فرضيات التصعيد المنضبط التي سادت في أزمات سابقة.