بتوجيه من الرئيس.. لماذا اتجه رئيس المخابرات المصرية إلى ليبيا في هذا التوقيت؟

يشهد الملف الليبي تصاعداً واضحاً في مستوى الزخم المرتبط به، فقد باتت ليبيا تمثل أحد أهم القضايا المطروحة على أجندة اجتماعات القوى الدولية والإقليمية، وتزداد أهمية هذا الملف في ضوء تعدد الفواعل المنخرطة فيه وتشابك مصالحها، بالتوازي مع استمرار حالة الهشاشة الداخلية التي تهيمن على الوضع الداخلي الراهن في ليبيا، وفي هذا السياق، قام رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء “عباس كامل” بزيارة مفاجئة إلى العاصمة طرابلس التقى خلالها بقادة السلطة الانتقالية هناك، غير أن توقيت هذه الزيارة في ظل التطورات المتسارعة التي تهيمن على أبعاد هذا الملف، تطرح العديد من التساؤلات الهامة، ومن ثم يسعى هذا التحليل إلى قراءة أبعاد ودوافع ودلالات هذه الزيارة الهامة.

زيارة مفاجئة:

قام اللواء “عباس كامل” رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية بزيارة مفاجئة إلى العاصمة الليبية طرابلس في 17 من يونيه الجاري، حيث عقد اجتماعاً مطولاً مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية “عبد الحميد الدبيبة” وأعضاء من الحكومة الليبية، قبل أن يلتقي برئيس المجلس الرئاسي الليبي “محمد المنفي”، وقد أكد “كامل” للسلطات الليبية على دعم مصر للدولة الليبية وحكومتها.

وفي الواقع، تأتي هذه الزيارة المفاجئة بناء على توجيهات الرئيس “عبد الفتاح السيسي”، والذي كان قد شدد على أهمية جهود المصالحة الوطنية، فضلاً عن دعوته للمؤسسات الليبية المعنية إلى ضرورة الإعداد للانتخابات المقبلة كي تتجاوز الدولة الليبية هذه المرحلة الدقيقة، مشيراً إلى أن إنجاز الانتخابات في موعدها المحدد يمثل المخرج الوحيد للأزمة التي تعيشها البلاد منذ سنوات، وجدد  الرئيس “السيسي” دعمه لجهود توحيد المؤسسة العسكرية والدور الذي تقوم به لجنة “5+5”.

مؤتمر “برلين2”:

 تأتي هذه الزيارة التي قام بها رئيس المخابرات المصرية قبيل أيام قليلة من انطلاق مؤتمر “برلين 2” والذي سينعقد بالعاصمة الألمانية في 23 يونيه الجاري، وذلك لبحث تطورات الملف الليبي قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي يفترض أن تشهدها ليبيا في 24 ديسمبر المقبل، فضلاً عن ملفات توحيد المؤسسة العسكرية وخروج المرتزقة الأجانب من ليبيا.

وثمة زخم كبير يشهده الملف الليبي خلال هذه الفترة استعداداً لهذا المؤتمر، والنتائج التي يمكن أن تتمخض عنه خاصةً في ظل اهتمام أمريكي ملحوظ بالملف الليبي في هذه الفترة، فضلاً عن أن هذا المؤتمر سيعد الأول من نوعه في ظل وجود إدارة الرئيس الأمريكي”جو بايدن”، ومن ثم يرجح أن تسعى واشنطن إلى الدفع نحو إنجاز تسوية في ليبيا تحقق مصالح وأمن حلفائها الأوروبيين من ناحية، وتعمل على تحجيم النفوذ الروسي المتصاعد هناك من ناحية أخرى، وفي هذا الإطار يجب الإشارة إلى اللقاء الذي جمع بين الرئيس الروسي “فلاديمير بوتن” ونظيره الأمريكي “بايدن” والذي يتوقع أن تنعكس أحد أبعاده على الملف الليبي والمباحثات المرتقبة في برلين.

خطة فرنسية:

نشرت مجلة “بوليتيكو” Politico الأمريكية تقريراً في 16 يونيه الجاري تقريراً هاماً بشأن خطة فرنسية تستهدف إخراج القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، وقد كشفت المجلة عن محاولات حثيثة يقوم بها الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” لإقناع الإدارة الأمريكية بهذه الخطة، حيث أشارت إلى أن ماكرون عرض تفاصيل هذه الخطة على “بايدن” خلال اجتماعهما الأخير على هامش مجموعة دول السبع الكبار، قبل أن يطرح “ماكرون” الخطة على الرئيس التركي “رجب أردوغان” خلال اجتماعهما على هامش اجتماعات الناتو الأخيرة.

وتتضمن هذه الخطة جدولاً زمنياً مدته 6 أشهر لخروج المقاتلين الأجانب من ليبيا، حيث تبدأ المرحلة الأولى بخروج المرتزقة السوريين (المدعومين من تركيا) بحلول مطلع يوليو المقبل، ثم تبدأ المرحلة الثانية بخروج مرتزقة “فاغنر” (المدعومين من روسيا) وخروج القوات التركية النظامية المتواجدة في غرب ليبيا وذلك بحلول سبتمبر المقبل، بينما تتضمن المرحلة الثالثة إعادة توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، ووفقاً للتقرير يسعى الرئيس الفرنسي للاستفادة من ثقل النفوذ الأمريكي للضغط على موسكو وأنقرة حال تبنى البيت الأبيض هذه الخطة، بيد أنه لم يصدر حتى الآن أية تصريحات رسمية من قبل الإدارة الأمريكية حول ما إذا كانت واشنطن ستدعم هذه الخطة أم لا، كما أن الواقع الفعلي على الأرض والمرتبط بخريطة موازين القوى الفعلية، ربما يقلل من فرص نجاح هذه الخطة، خاصةً فيما يتعلق بخروج القوات التركية النظامية، فضلاً عن صعوبة توقع قبول موسكو بالتنازل بسهولة عن تواجدها في ليبيا، بيد أن نجاح هذه الخطة لا يزال مرهون بمدى تبنى الولايات المتحدة لها، ومضمون اللقاءات التي جمعت “بايدن” بنظيره الروسي والتركي، وما إذا كانت هذه الاجتماعات قد انطوت على صفقات أو تفاهمات يكون الملف الليبي أحد أوراقها، وفي هذا الإطار ربما تستهدف زيارة رئيس المخابرات المصرية لبحث التطورات المتعلقة بخروج المقاتلين والمرتزقة الأجانب من ليبيا مع السلطات الليبية.

معضلة إعادة خلط الأوراق:

شهدت الأيام الأخيرة إرهاصات تنذر بإعادة خلط الأوراق من جديد فيما يتعلق بالتوافقات الداخلية في الملف الليبي، فمن ناحية لا تزال الصراعات مستمرة بين المليشيات المسلحة في الغرب الليبي، والتي كانت آخر ملامحها قيام مليشيات “ثوار طرابلس” بمحاصرة مبنى وزارة الخارجية الليبية في العاصمة طرابلس، وذلك بسبب خلافاتها مع مليشيات مدينة مصراتة، وهو الأمر الذي بات ينذر باشتعال صراعات مسلحة واسعة النطاق بين هذه المليشيات حول النفوذ السياسي والمالي، فضلاً التقارير التي تشير إلى وجود تحركات مكثفة للجماعات الإرهابية في الجنوب الليبي.

من ناحية أخرى، تصاعدت حدة الخلافات بين البرلمان الليبي وحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، فقد أعلن مجلس النواب الليبي رفضه للمرة الثالثة على التوالي تمرير الميزانية المقترحة للسلطة الانتقالية، وأعلن استدعائه لأعضاء الحكومة للمثول أمام البرلمان قبل نهاية شهر يونيه الجاري، وذلك لبحث مدى قانونية تعيين المجلس الرئاسي الليبي لرئيس جديد لجهاز المخابرات العامة دون الرجوع إلى البرلمان.

أيضاً، شهدت الأيام الماضية عودة التوتر بين الجيش الوطني الليبي والسلطات الانتقالية متمثلة في المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية، فقد أعلن المشير”خليفة حفتر” رفضه الاعتراف برئيس الحكومة “عبد الحميد الدبيبة” باعتباره وزيراً للدفاع، مشيراً إلى أن هذا المنصب لا يزال شاغراً، وتجسدت حدة  الخلافات أيضا في تصريحات المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي”أحمد المسماري” والذي أعلن رفض المؤسسة العسكرية لتعيين “محمد الحداد” رئيساً لأركان الجيش من قبل الحكومة المؤقتة، وأن هذا المنصب لابد أن يمر من خلال البرلمان، وبالتالي تعكس المتغيرات الراهنة في الداخل الليبي مؤشرات خطيرة ربما تهدد المكتسبات التي تم إنجازها خلال الأشهر الأخيرة، ومن ثم يمكن أن تمثل هذه التطورات أحد الملفات الرئيسية على أجندة رئيس المخابرات المصرية “عباس كامل” في زيارته إلى ليبيا، ومحاولة العمل على تسوية الأزمات الداخلية المتفاقمة.

رسالة قوية:

يمكن فهم زيارة الوزير “عباس كامل” إلى ليبيا أيضاً باعتبارها رسالة قوية من الدولة المصرية لكافة الفواعل في الملف الليبي، مفادها أن ليبيا تمثل جزء رئيسي من الأمن القومي المصري، وأن الدور المصري حاضراً بقوة في كافة أرجاء الدولة الليبية بغرض تحقيق استقرار ووحدة ليبيا، وفي هذا الإطار يمكن الأخذ في الاعتبار الزيارات التي قام بها رئيس المخابرات المصرية خلال تواجده في ليبيا والتي تضمنت جولة لأبرز معالم الدولة الليبية والتجول في أزقة طرابلس والسوق القديم وذلك برفقة رئيس الحكومة الليبية، وهي رسالة قوية أيضاً مفادها أن الدولة المصرية قادرة على تأمين تواجدها في غرب ليبيا ودعم الحكومة الليبية في حفظ الأمن والاستقرار هناك.

وتتزايد أهمية هذه الزيارة بسبب زيارة الوفد التركي رفيع المستوى الذي كان قد زار ليبيا قبل أيام قليلة، وكان على رأسه وزير الدفاع التركي “خلوصي أكار” ورئيس الأركان ووزير الداخلية والخارجية وغيرهم من المسئولين الأتراك، ومن ثم فزيارة رئيس جهاز المخابرات المصرية يعكس رسائل هامة بشأن استمرارية الدور المحوري للدولة المصرية في ليبيا (بما في ذلك غرب ليبيا) وأن القاهرة ستعمل على تعزيز تواجدها هناك.

تعاون واسع النطاق:

يمثل تعزيز التعاون بين القاهرة وطرابلس أحد أبرز الملفات التي مثلت أولوية هامة على أجندة زيارة رئيس المخابرات المصري إلى ليبيا، فقد تم الإعلان على أن اللواء “عباس كامل” قد أطلع على نتائج الزيارة التي قام بها وفد مصري إلى طرابلس في مايو الماضي والتي أتت في إطار جهود إعادة فتح السفارة المصرية في العاصمة الليبية، كما شهدت الزيارة أيضاً بحث آليات تفعيل كافة الاتفاقيات المبرمة بين البلدين. كذلك، أشارت تقارير ليبية أن الأسابيع الماضية شهدت زيارات لوفود أمنية مصرية إلى ليبيا لتفقد الأوضاع الأمنية في غرب ليبيا تمهيداً لتدشين خط بحري بين ميناءي مصراتة والإسكندرية، ومن ثم يمكن أن تمثل زيارة اللواء “عباس كامل” خطوة متقدمة للتحضير لعملية استئناف الحركة بين القاهرة وطرابلس.

أيضاً، تأتي هذه الزيارة لتمثل مرحلة تحضيرية للزيارة التي سيقوم بها رئيس الحكومة الليبية “عبد الحميد الدبيبة” إلى مصر خلال الفترة المقبلة، والتي سوف تشهد تفعيل اللجنة المشتركة العليا بين البلدين ووضع اللمسات الأخيرة بشأن الاتفاقيات التي عقدت بين البلدين في عدة مجالات مختلفة بهدف تعزيز وتنمية التعاون بين القاهرة وطرابلس، وتجدر الإشارة هنا إلى الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء المصري “مصطفى مدبولي” في أبريل الماضي إلى طرابلس، حيث شهدت هذه الزيارة التوصل إلى عدة اتفاقيات تعاون بين البلدين، ومن ثم يرجح أن تشهد زيارة “الدبيبة” المنتظرة إلى القاهرة تفعيل هذه الاتفاقيات.

وقبل أيام قليلة كانت وزيرة الخارجية الليبية “نجلاء المنقوش” قد التقت بنظيرها المصري “سامح شكري” في العاصمة القطرية الدوحة على هامش الاجتماع الاستثنائي لوزراء خارجية جامعة الدول العربية، وقد شهد هذا اللقاء توجيه وزير الخارجية المصرية دعوة إلى نظيرته الليبية لزيارة القاهرة، وتأتي هذه الدعوة بعد ساعات من الزيارة التي قام بها وزير العمل والتأهيل الليبي “على العابد الرضا” إلى القاهرة على رأس وفد من الحكومة الليبية، حيث التقى “الرضا” بوزير القوة العاملة المصري “محمد سعفان” وتم بحث التنسيق بشأن مذكرة التفاهم الخاصة بتنظيم وتسهيل عملية انتقال الأيدي العاملة بين البلدين، ووضع الخطوط العريضة بشأن بدء عودة العمالة المصرية للعمل في ليبيا وعودة مكتب التمثيل العمالي لليبيا.

في النهاية، تحمل زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى ليبيا العديد من الدلالات بشأن الدور المصري الحيوي في الملف الليبي، والتأكيد على استمرار دعم الدولة المصرية للحكومة الليبية بما يحقق مصالح شعبها ويعزز من وحدة واستقرار الدولة، وفي هذا الإطار يرجح أن تشهد الفترة المقبلة تنامياً ملحوظاً في مستوى التعاون بين القاهرة وطرابلس في مختلف المجالات، لكن يجب الأخذ في الاعتبار أن ليبيا لا تزال تواجه العديد من التحديات التي يمكن أن تهدد عملية التسوية هناك، ومن ثم فهناك حاجة ملحة لتكثيف مستوى التنسيق والتعاون بين مصر وليبيا على كافة الأصعدة، وهو الأمر الذي تدركه جيداً القيادة السياسية المصرية والذي ينعكس في التحركات الحثيثة التي تقوم بها الدولة.

عدنان موسى

باحث في الشئون الأفريقية معيد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحث سياسي منذ 2013، نشر العديد من الدراسات والأبحاث الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى