من اجتماع الجامعة لحوار القاهرة: ما هي انعكاسات فبراير 2021 على مسار القضية الفلسطينية؟   

اجتمع وزراء الخارجية العرب يوم الاثنين الموافق 8 فبراير 2021 في جلسة طارئة دعت لها كلاً من مصر والأردن، بمبادرة مشتركة للوقوف على مستجدات الواقع العربي، أتى الاجتماع بحضور عشرة وزراء عرب بمقر جامعة الدول العربة، وتمخض عنه اصطفاف عربي حول القضية الفلسطينية، وأكد الوزراء العرب على موقف الدول العربية الثابت تجاه الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، ودعم حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة طبقاً لقرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي. وفي ذات الوقت وللاستفادة من التغيير في الواقع الدولي والإقليمي، حرصت القاهرة على عقد اجتماع الفصائل الفلسطينية في حوار القاهرة، بهدف لإعادة لحمة البيت الفلسطيني ولإتمام المصالحة الفلسطينية، ووضع تفاهمات حول آلية عمل الانتخابات الفلسطينية، والتي دعى لها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بصدور مرسومه الرئاسي في 15 يناير 2021.

تأسيسا على ما سبق، يمكن طرح عدة أسئلة، وهي: ما الذي انتهى إليه اجتماع وزراء الخارجية العربية، وما هي الظروف الإقليمية والدولية المحيطة بالواقع العرب وقضيته الرئيسية، ولماذا حرصت مصر على جمع الفصائل الفلسطينية في حوار على يومين وفي ذات التوقيت؟، وما هي تداعيات تلك الفعاليات، التي أهمها نجاح حوار القاهرة بين الفصائل الفلسطينية على واقع الأزمة الداخلية في فلسطين، وعملية إجراء الانتخابات المؤجلة، وتأثير ذلك على تعامل إدارة ” بايدن” مع القضية الفلسطينية، وعملية السلام، والمكتسبات الإسرائيلية في فترة الرئيس الأمريكي السابق ” ترامب”؟.

 “بايدن” والمنطقة: 

قبل أيام قليلة من اجتماع وزراء الخارجية العرب، كان الخطاب الأول لرئيس “جو بايدن” أمام موظفي الخارجية الأمريكية، والذي رسم فيه السياسة الخارجية الأمريكية، وعبر فيه عن استعداد الولايات المتحدة تقديم العون من أجل الوصول إلى التهدئة في الشرق الأوسط، في إشارة منه لإنهاء الأزمة في اليمن، وكذلك الوضع في غزة، ومحاولة واشنطن إيجاد اتفاق مع طهران، تباحث وزراء الخارجية العرب حول الإدارة الأمريكية الجديدة والتي تسعى لإرساء الفكر الليبرالي الذي يتضمن تعزيز قيم الديمقراطية وملف حقوق الإنسان أكثر من ذي قبل، هذا ما عكسه تصريح “بايدن” “أمريكا عادت … الدبلوماسية عادت”.

لقد انتقد “بايدن” إدارة “ترامب” بهذا الشأن، إذ رأى أن تلك الإدارة أخفقت إزاء تحقيق الديمقراطية والمناداة باحترام حقوق الإنسان في العام، وأشار الرئيس الأمريكي في خطابه أن عهد “ترامب” قد ولى، غير أن الوضع المتأزم في اليمن احتل أهمية في سياسات “بايدن” تجاه المنطقة العربية، هذا أكد عليه بتصريحه “نعزز جهودنا الدبلوماسية لإنهاء الحرب في اليمن، والتي أحدثت كارثة إنسانية واستراتيجية”، في إشارة منه إلى ضرورة إيجاد حل شامل للأزمة باليمن، وضرورة إنهاء الحرب من خلال إنهاء الدعم الأمريكي للعمليات العسكرية فيها. حيث أكد “بايدن” قائلاً إن “هذه الحرب يجب أن تنتهي”، وفي سبيل تحقيق تلك السياسات الأمريكية، عين “بايدن” “تيموثي ليندر كينج” كمبعوث للولايات المتحدة في اليمن. وعليه، يمكن القول إن خطوات “بايدن” فى هذا الاتجاه تعكس مدى الأهمية الجيوسياسية للمنطقة العربية، عكس إدارة “ترامب” التي اقتصرت مبعوثيها الدبلوماسيين في المنطقة على نحو محدود.

من أجل إنهاء الحرب في اليمن، شدد الرئيس الأمريكي على حظر بيع الأسلحة للأطراف المتحاربة، وأكد على ضرورة إنهاء العمليات الهجومية والعسكرية هناك، وعلى أثر ذلك ألغت واشنطن عقداً لبيع ذخائر دقيقة مع الرياض، وما اقتضى إنهاء الصفقة التي سبق وأقر بها “ترامب” في نهاية ولايته، إلا أن “بايدن” أكد في ذات الوقت على أن المملكة العربية السعودية تواجه هجمات صاروخية، وهجمات أخرى من قوات تدعمها إيراد في دول عدة، “سنساعد المملكة العربية السعودية للحفاظ على سيادتها وحقها في الدفاع عن أراضيها وشعبها”. يرجع استثناء “بايدن” السعودية في تعاملها مع الحوثيين في اليمن، إلى اعتبار أنه من حق الرياض الدفاع عن نفسها للحفاظ على سيادة أراضيها، الأمر الذي لقى استحسان من السعودية، حيث نقلت وكالة الأنباء السعودية “واس” في بيان رسمي أن المملكة “تتطلع إلى العمل مع إدارة الرئيس بايدن في سبيل التوصل إلى حل سياسي شامل في اليمن”.

وفي ذات القضية، ومن طرف أخر يمكن التأكيد على أن وزراء الخارجية العرب اهتموا في اجتماعهم بمقتضيات القرار الأمريكي بوقف الحرب في اليمن، وهو ما تم اعتباره بادرة حسن نية تجاه إيران، والاستعداد للدخول في مفاوضات معقدة مع واشنطن لإنفاذ الاتفاق حول برنامج إيران النووي، والذي انسحب منه “ترامب”، ففي ظل إعطاء الإدارة الأمريكية الجديدة أهمية بشأن العودة لاتفاق 2015م، وأن يكون من أولويات الأجندة الأمريكية، إلا أن خطاب “بايدن” لم يتضمن ذكر هذا الاتفاق بشكل صريح، مما يشير علامات استفهام حول مدى جدية الإدارة الأمريكية الجديدة إزاء الملف النووي الإيراني والتهدئة في الشرق الأوسط.

اتجاه..حل الدولتين: 

حظيت القضية الفلسطينية بالاهتمام الأكبر لاجتماع وزراء الخارجية العرب، نظراً لأن وزير الخارجية المصري “سامح شكري” استهل حديثه في افتتاحية الاجتماع بالتركيز على أهمية القضية الفلسطينية ومحوريتها بالنسبة للأمة العربية، بقوله: “لقد ظن البعض أن العالم العربي في ظل تلك الظروف الدقيقة قد انشغل عن قضيته الأساسية العادلة، وأن إقامة دولة مستقلة ذات سيادة على حدود الرابع من يونيو 1967م وعاصمتها القدس الشرقية قد انزوت على أجندة أولويات الدول العربية، وهو الظن الذي يجانبه الصواب”، في إشارة من وزير الخارجية المصري أن القضية الفلسطينية لازالت القضية الأهم للعالم العربي.

كما رحبت جامعة الدول العربية، وكذلك وزراء الخارجية العرب بقرار المحكمة الجنائية الدولية، حيث صدر قرار المحكمة في 5 فبراير 2021م، بشأن الولاية القضائية الإقليمية لمحكمة لاهاي على فلسطين، وذلك على اعتبار أن فلسطين طرفاً في نظام روما الأساسي للمحكمة. تأسيسا على ما سبق، يمكن القول إن هذا القرار له أهمية بالغة فيما يخص القضية الفلسطينية، إذ أنه يعطي الولاية القضائية الدولية واعتراف من المحكمة الجنائية الدولية بمسئولياتها لضمان حقوق الفلسطينيين وحمايتهم، وبموجب هذا القرار غير المسبوق سيحق للمحكمة مساءلة الاحتلال بحق المدنيين الفلسطينيين والانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال، والتي هي تعد جرائم حرب وتنتهك القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، بشكل متعمدة، فقرار محكمة لاهاي يعد اعتراف من هيئة قضائية دولية وإقرار منها بحقوق الشعب الفلسطيني التي يقرها القانون الدولي، وما يقتضي محاسبة دولة الاحتلال التي ضربت عرض الحائط بالمواثيق الدولية، وتستمر في انتهاكاتها وزحفها الاستيطاني.

لقد أكد وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم على مركزية القضية الفلسطينية، والتزام كافة الدول العربية بدعم حقوق الشعب الفلسطيني على أرضه، وحقهم في بناء دولة فلسطينية مستقلة، وذات سيادة، وعاصمتها القدس الشرقية، بالرجوع إلى خطوط الرابع من يونيو 1967م، في الضفة الغربية، وقطاع غزة، وذلك بالاستناد لقرار الأمم المتحدة (424)، وكذلك القرار (338). هذا بالإضافة إلى تمسكهم بمبادرة السلام العربية، التي نتجت عن القمة العربية في بيروت عام 2002م، بمبادرة من ولي العهد “عبد الله بن عبد العزيز” (رحمه الله)، حيث أعتبر الوزراء العرب أن تلك المبادرة هي أساس أي تسوية للقضية الفلسطينية، وانطلاقا منها سيتحقق السلام الشامل في المنطقة، ورفض أي طرح إسرائيلي أحادي الجانب، في إشارة إلى ما طرحته إدارة “ترامب” فيما أطلق عليه “صفقة القرن”، والتي كانت تهدف لنسف القضية الفلسطينية برمتها، إلا أنها هوجمت وقوبلت برفض عربي، ورفض فلسطيني من قبل الرئيس الفلسطيني “محمود عباس”، وما ترتب عليه بغلق مكتب السلطة الفلسطينية في واشنطن، غير أن إدارة “بايدن” أعادت فتح مكتب السلطة الفلسطينية من جديد، وكبادرة حسن نية من الإدارة الجديدة أعادت الولايات المتحدة تمويل وكالة غوث للاجئين “الأونروا”، والتي سبق وجمدها الرئيسي الأمريكي السابق، تأتي تلك الخطوات التي استهلها “بايدن” في أيامه الأولى، للدفع نحو التهدئة في الشرق الأوسط.

توافقات غير مسبوقة: 

في الوقت الذي اجتمع فيه وزراء الخارجية العرب، اجتمعت الفصائل الفلسطينية في القاهرة، في حوار وطني مشترك تحت رعاية مصرية، وذلك يومي 8 و9 فبراير 2021، ولطي صفحة الماضي وإنهاء الانقسام في البيت الفلسطيني، على إثر صدور المرسوم الرئاسي من قبل الرئيس الفلسطيني “محمود عباس”، ودعوته لإجراء انتخابات في فلسطين، تبدأ بالانتخابات التشريعية في 22 مايو 2021م، لانتخاب 132 عضو بالمجلس التشريعي، ومن ثم تبدأ عقبها الانتخابات الرئاسية في 31 يونيو 2021م، ثم انتخابات المجلس الوطني في 31 يوليو 2021م، حيث أتت تلك الدعوة للانتخابات عقب موافقة حركة حماس على ورقة تفاهمات إسطنبول، للمضي قدماً نحو المصالحة، وإنهاء الانقسام الذي نشأ منذ عام 2007م.

لقد سعى حوار القاهرة، وحرص أطرافه على أن تمثل الانتخابات الفلسطينية مرحلة جديدة من التحول الديمقراطي في البلاد، وذلك لإرساء القيم الديمقراطية، وإلزامية إلى بناء دولة تتمثل فيها كل القوى السياسية من أجل رفع مستوى المعيشة للمواطن الفلسطيني، والمشاركة في العملية السياسية، وإعطاء أولوية لاحترام حقوق الإنسان، والتقدم الديمقراطي، بحيث يقال ذلك فلسطيني الضفة الغربية، وفلسطيني غزة من أجل رفع الحصار، لكي يجد الأسرى الفلسطينيين من يعبر عن حقوقهم المنتهكة داخل سجون الاحتلال.

إن رعاية مصر للحوار الفلسطيني والوفاق الوطني الفلسطيني، تأتي من منطلق الدور المحوري لمصر إزاء القضية الفلسطينية وتسويتها، ولإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، خاصة أن إسرائيل استغلت الانقسام الفلسطيني لمد زحفها الاستيطاني بشكل متسارع داخل الأراضي الفلسطينية، إلى الحد الذي وصل بها إلى محولة شرعنة الاستيطان تحت مزاعم عدم وجود طرف فلسطيني يشمل الفلسطينيين ككل.

لقد حظى حوار الفصائل الفلسطينية بالقاهرة على مباركة وزراء الخارجية العرب، من أجل استكمال الحوار الوطني الفلسطيني، فكان من أولويات هذا الحور، وضع استراتيجية مشتركة حول كيفية تسهيل الانتخابات الفلسطينية في غزة، والقدس، وفي الضفة الغربية، وكذلك لفلسطيني الخارج. ويعتبر أحد أهم النتائج الهامة لاجتماع الفصائل الفلسطينية، هو التوصل إلى اتفاق حول تشكيل محكمة قضائية للانتخابات، ورسم الآلية المتاحة حول تلك المحكمة، خاصة وأن تلك المسألة كانت محل خلاف في السابق، حينما أوصى اتفاق 2011م، تشكيل “مجلس القضاء الأعلى”، إلا أن هذا المجلس لم يرى النور على اعتبار أنه جهة قضائية قد تحمل الانتماء لأحد الأطراف السياسية. كما انتهى الحوار باتفاق الفصائل الفلسطينية على المحكمة الانتخابية من مقتضى ضرورة بناء نظام نيابي ديمقراطي وفقاً للمادة (٢) من القانون الأساسي، كما تم التوصل في الحوار الفلسطيني على إيجاد إشراف أمني، وإداري لضمان إتمام العملية الانتخابية.

ورغم عدم وجود توصيف دقيق للشرطة المخولة بذلك، إلا أن جعلها تضم كل القوى والفصائل سيسهل عملها المرجو منها. وشملت الوثيقة الختامية للفصائل الفلسطينية خمسة عشر بنداً، تأكيداً على تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية، والإشادة بدور مصر الراعي للحوار والدعم للقضية الفلسطينية ومسار تسويتها، ونالت الوثيقة الختامية للاتفاق الوطني الفلسطيني، استحسان الوزراء الخارجية العرب، ودعم الدول العربية للم الشمل الفلسطيني، فقد أكد الوزراء العرب على أهمية بناء دولة ديمقراطية في فلسطين بموجب الانتخابات القادمة، وأن الجهود العربية متكاتفة مع الشعب الفلسطيني لتحقيق التقدم في القضية الفلسطينية ودعم عملية التحول الديمقراطي في فلسطين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى