ما دلالات بيان “القسام” بشأن تهجير سكان غزة؟

مع تواصل الاشتباكات بين حماس وإسرائيل حتى يومها السابع، ألقي الجيش الإسرائيلي منشورات في سماء غزة، لحث سكان قطاع غزة على إخلائه والنزوح جنوبا، في إجراء رفضته حماس، وحذرت منه الأمم المتحدة واعتبرت أن تبعاته ستكون “مدمرة”، وحذرت منه القاهرة في اليوم السابق، مع تزايد احتمالات الاجتياح البري للقطاع المحاصر الذي قد يزيد المشهد تعقيدا في ظل الإصرار الإسرائيلي.

وفي هذا الإطار، يناقش هذا التحليل ما يحمله بيان حماس وذراعها العسكري من دلالات، خاصة وأنه تزامن مع رفض الجانب المصري في اليوم السابق لفكرة التهجير، ومبررات هذا الرفض القاطع من كلا الجانبين.

رفض قاطع:

كانت البداية بتصريحات لمتحدث عسكري باسم الجيش الإسرائيلي، نصح فيها سكان قطاع غزة بمغادرة القطاع والتوجه نحو مصر. وتكرر الأمر نفسه مع قول كبير متحدثي الجيش الإسرائيلي ريتشارد هيشت لوسائل إعلام أجنبية خلال مؤتمر صحافي “أعلم أن معبر رفح (على الحدود بين غزة ومصر) لا يزال مفتوحاً، وأنصح أي شخص يمكنه الخروج بالقيام بذلك”.

وفي ١٣ أكتوبر الجاري، ألقى الجيش الإسرائيلي الجمعة منشورات باللغة العربية في سماء غزة تطالب السكان بإخلاء منازلهم في المدينة فورا، وكان نصه كالآتي” بيان عاجل… إلى سكان مدينة غزة المنظمات الإرهابية قد بدأت الحرب ضد دولة إسرائيل ومدينة غزة أصبحت ساحة معركة… عليكم إخلاء بيوتكم فورا والتوجه إلى جنوب غزة، من أجل أمنكم وسلامتكم”.

ردا على ذلك، رفضت حركة حماس الأوامر الإسرائيلية للسكان بإخلاء شمال القطاع، وهو إجراء يطال 1,1 مليون شخصا، مع مواصلة الجيش الإسرائيلي قصفه المكثف للقطاع، كما أطلقت الفصائل الفلسطينية رشقات بمئات الصواريخ من غزة على إسرائيل.

وقالت الحركة في بيان لها: “شعبنا الفلسطيني المرابط يرفض تهديد قادة الاحتلال ودعوته لهم في غزة إلى ترك منازلهم والرحيل عنها إلى الجنوب أو إلى مصر”. وأضاف البيان ” ثابتون على أرضنا وفي بيوتنا ومدننا… ولا نزوح ولا ترحيل “.

والأهم، جاءت كتائب القسام ببيان منفصل أيضا، قالت فيه ” أقول للاحتلال إن الهجرة ليست موجودة في قاموسنا إلا لمدننا المحتلة ..، وجهنا منذ صباح اليوم 150 صاروخا على عسقلان و50 صاروخا على سديروت وقصفنا مطار بن غوريون، ولا يزال في جعبتنا الكثير في الساعات القادمة”. ومن خلال قراءة مفصلة للبيان، فإنه قد يشير إلى:

  1. حماس تخشي أولا فقدانها الذريعة التي تشرعن من خلالها سيطرتها على القطاع، وهم السكان أنفسهم، تواجدا وتأييدا. فقي حالة تهجيرهم أو نزوحهم سيتم استباحه حماس وتجاوز كافة الخطوط الحمراء المتعارف عليها في الحروب للقضاء على حركة المقاومة بالقطاع الذي تسيطر عليه منذ ٢٠٠٥، ويمثل شوكة في ظهر إسرائيل تعجز في اغلب الأوقات عن التحري عنه أو تقصي أخباره، وهو ما يتضح من السرية والدقة التي تمت بها عملية طوفان الأقصى.
  2. أن خروج سكان القطاع جنوبا أو باتجاه مصر كما تدعو إسرائيل، سيعني تصفية القضية الفلسطينية كما ذكرنا، وبالتالي انتفاء السبب الذي وجدت من أجله حماس، وكان سببا في تقبلها من قبل دول المنطقة، رغم الخلافات معها.
  3. بث الروح المعنوية لدى أهالي القطاع لمنع نزوحهم جنوبا أو باتجاه مصر، ونجح جزئيا في ذلك، فرغم نزوح بعض العائلات بالفعل إلى الجنوب، قرر البعض الآخر إلغاء رحلاتها والعودة إلى القطاع.
  4. تأييد على المستوى الرسمي أيضا،فقد لقي البيان تتأيد على المستوى الرسمي، حيث أكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس الجمعة ( ١٣ أكتوبر ) خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن ” رفضه الكامل ” لتهجير السكان من غزة، محذرا من ” نكبة ثانية “. ولهذا قد يكون الهدف من البيان هو توحيد الجبهة الداخلية، خاصة وأنه لم تخرج إدانات من قبل السلطة الفلسطينية أو فصائل المقاومة الأخرى لحماس.
  5. يؤشر بيان “القسام” إلى إمكانية القيام برد عسكري خلال الساعات المقبلة، من شأنه أن يسهم في إلغاء أو تأجيل اي عمليه برية لإسرائيل في غزة.
  6. يؤشر البيان إلى احتمال أن تلجأ حماس إلى تنفيذ وعدها ببث صور لإعدام الأسري لديها، وقد يكون إعلانها صباح اليوم السابع من القتال عن مقتل ١٣ أسير لديها جراء القصف الإسرائيلي تمهيدا لذلك.

توقيت هام:

أعلنت حماس رفضها الصريح لأي دعوات تهجير أو نزوح لأهالي غزة خارج القطاع، مع تصاعد التحذيرات المصرية  من دفع سكان قطاع غزة إلى الخروج إلى الأراضي المصرية، وسيناء تحديدا، واعتبرتها الحكومة المصرية محاولة لتصفية القضية الفلسطينية. وذلك ردا على تصريحات المسئولين الإسرائيليين والترويج الإعلامي لفكرة دفع سكان غزة إلى التوجه إلى مصر، تفاديا للقصف الجوي الإسرائيلي.وكان أهمها تأكيد الرئيس المصري بالأمس (١٢ أكتوبر الجاري) على” ضرورة بقاء سكان غزة على أرضهم “، وحذر من أن تهجير سكان غزة قد يعني “تصفية القضية الفلسطينية”.

وتزامن ذلك مع توضيحات إعلامية مصرية وغير مصرية نقلا عن مصادر أمنية منذ بداية الهجمات، أكدت على تاريخية الدور المصري في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والتأكيد على أن الحدود المصرية غير مستباحة، كما حذرت من مخططات لإجبارهم على ترك القطاع بتخييرهم بين الموت تحت القصف الإسرائيلي أو ترك أراضيهم. ويأتي الرفض المصري القاطع لتهجير فلسطينيي غزة إلى سيناء، في إطار بعدين رئيسيين:

(*) الأمن القومي المصري: منذ أن بدأ الرد الإسرائيلي الوحشي على عملية طوفان الأقصى بقصف المواقع المدنية، بل وتسوية أحياء كاملة في قطاع غزة بالأرض، كان ذلك بمثابة الفرصة بالنسبة للجانب الإسرائيلي لإطلاق دعوات لخروج المدنيين المتضررين من الضربات الإسرائيلية إلى سيناء المصرية حماية لهم، وفق ما دعت له تصريحات المسئولين الإسرائيليين.

إلا أن الرد المصري لم يتأخر كثيرا في هذا الخصوص، على المستويين الرسمي والشعبي أيضا، كما حظي باهتمام واسع على وسائل الإعلام المصرية. وكان أهمه ما جاء على لسان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الذي أكد أن ” مصر لن تسمح بتصفية القضية على حساب أطراف أخرى، وأنه لا تهاون أو تفريط في أمن مصر القومي تحت أي ظرف “.

(*) عدم تصفية القضية الفلسطينية: اعتبرت مصر أن ما تحاول إسرائيل تسويقه، هو حماية المدنيين، ولكن الحقيقة أنها تريد تصفيه القضية الفلسطينية من جذورها، وبدعم دولي، لأن قطاع غزة وسيطرة حركة حماس لا زال يعيق تحقيق هذا الهدف، بعد أن انسحبت إسرائيل من القطاع في ٢٠٠٥. حتى أن خطة الانسحاب تلك بذاتها قد يكون هدفها إلقاء مسؤولية القطاع على كاهل الحكومة المصرية، ومن ثم تصفية الملف، وهو ما لم تنجح به إسرائيل حتى الآن. ولهذا حذر الرئيس المصري من خطورة التصعيد الحالي في قطاع غزة، وأكد أن مصر ” لن تسمح بتصفية القضية على حساب أطراف أخرى “.

وهذا الطرح أيضا دأب مسئولون وإعلاميون ومحللون مصريون في التأكيد عليه طيلة الأسبوع الماضي. واتساقا مع ذلك، تحاول القاهرة بالتعاون مع الشركاء الدوليين والإقليميين التوصل إلى حل لوقف إطلاق النار.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد يكون الموقف الإسرائيلي دفع القاهرة لإظهار مخالبها لإسرائيل على صعيد آخر، تضامنا مع الشعب الفلسطيني من ناحية، وإثباتا لأهمية ومحورية الدور المصري في الملف الفلسطيني عامة، في ظل ظهور فاعلين إقليمين آخرين، مثل تركيا وقطر.هذا إلى جانب التهديدات الإسرائيلية بقصف المساعدات، لحين تحرير الأسرى لدى حماس.

فدعت القاهرة كافة الدول والمنظمات الدولية والإقليمية الراغبة في إرسال مساعدات إلى فلسطين بتوجيهها نحو إلى مطار العريش الدولي. وهو ما ورد في بيان الخارجية المصرية أن “مصر تدعو جميع الدول والمنظمات الإقليمية والدولية الراغبة في تقديم مساعدات إنسانية وإغاثية إلى الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، تخفيفا عنه واستجابة لمعاناته نتيجة القصف الإسرائيلي العنيف والمتواصل، إلى إيصال تلك المساعدات إلى مطار العريش الدولي الذي تم تحديده من جانب السلطات المصرية لاستقبال المساعدات الإنسانية الدولية من الأطراف والمنظمات الدولية المختلفة”.

ويمكن القول، إن استمرار القتال بين حماس وإسرائيل، وبهذه الوحشية من جانب الأخيرة، قد أسهم في تشكل ما يشبه بمحور غربي داعم لإسرائيل بشده، تزعمته واشنطن بإرسالها لحاملة طائرات، وزيارة وزيري دفاعها وخارجيتها إلى إسرائيل في عز القصف، كذلك بريطانيا بعد إرسال وزير خارجيتها إلى إسرائيل، وألمانيا كذلك، وفرنسا التي منعت وأقرت عقوبة لأي مشارك في تظاهرات داعمة لفلسطين في باريس. مقابل محور إقليمي آخر، يسعي لوقف لإطلاق النار بما ينهي مأساة الفلسطينيين الراهنة، تقوده مصر بإعلان استعدادها إرسال المساعدات عبر معبر رفح، والسعودية التي أعلنت تعليق مفاوضات التطبيع، هذا إلى جانب قطر وتركيا والجزائر.

 خاصة وأن الموقف الإسرائيلي بدا متعنتا ومتحديا لبقية القوى الإقليمية بما قد يهدد عملية التوازن الموجودة، وبدا ذلك واضحا من الإصرار على العملية البرية الموسعة، وتعليق اتفاقيات السلام مع الدول العربية لحين القضاء على حماس.

وختاما، واقعيا قد يكون تواجد حماس هاما بالنسبة للقوى الإقليمية لموازنة الكيان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية، وتحديدا عقب الدعم الدولي اللافت والسخي هذه المرة من قبل الدول الغربية، وكله في الأخير يُخدّم على بقاء القضية الفلسطينية وعدم تصفيتها.

وردة عبد الرازق

باحثة في الشئون الأوروبية و الأمريكية، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى