نماذج مصرية: ما هي محددات نجاح الحوار الوطني؟

منذ 30 يوماً- أي في الـ 26 من أبريل الماضي أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي دعوته للحوار الوطني، الذي في تقدير الخبراء يمثل المدخل الطبيعي للجمهورية الجديدة.

بتصفح الكثير من صفحات التواصل الاجتماعي، وما تنشره بعض المواقع الحزبية في مصر- تلاحظ تقييم مختلف وقراءة بأوجه متعددة للشكل الذي من المحتمل أن يأخذه الإطار المنظم للحوار الوطني والقضايا التي يجب أن تناقش والأولويات الاقتصادية والسياسية التي تتصدر مناقشات وفعاليات الحوار في أيامه الأولى، حيث شهدت الساحة السياسية المصرية خلال ما يقرب 720 ساعة تشكيك من قبل البعض حول جدوى الحوار، وثقة من آخرين في الحوار ونتيجته المحتملة، كذلك حدوث تخوفات من قبل بعض الأطراف المعارضة وإصرارهم على وجود دور للرئاسة كضامن للنجاح، وفي الوقت نفسه شعرت أطراف أخرى بقلق، منها الأحزاب الكبيرة، خاصة وأن دعوة الحوار جاءت من الرئيس مباشرة.

 بعيداً عن المواقف السابقة المذكورة التي قد يعتبر بعضها مشروع أو هناك أساس لها- كيف يمكن تفادي تلك المواقف وكسر تلك التخوفات وإكساب الثقة في نتيجة الحوار؟، وما هو المعني العام للإجراءات التي تضمن نجاح الحوار باعتباره يمثل المدخل الطبيعي للجمهورية الجديدة؟.

تاريخ الحوارات الوطنية المصرية:

في الأول، تجدر الإشارة إلى أن هذا الحوار لم يكن الأول في تاريخ مصر السياسي بعد ثورة 1952، بل يمثل الحوار السادس، حيث دعا الرئيس جمال عبد الناصر إلى حوارين، هما الأول عام 1962 بين قوى الشعب “وثيقة الميثاق الوطني” أما الحوار الثاني الذي دعا إليه عبد الناصر بعد بيان 30 مارس عام 1968-أي بعد مظاهرات الطلاب الغاضبة على الأحكام الصادرة بحق القادة بعد نكسة 1967. وفي عهد الرئيس محمد أنور السادات كان الحوار الثالث حول ورقة أكتوبر وماذا دار حولها في أبريل عام 1974، وفي عهد الرئيس محمد حسني مبارك تمت الدعوة إلى حوارين، هما الحوار الاقتصادى عام 1982 والمؤتمر الاجتماعي خلال التسعينيات.

وطالما ذكر تاريخ الحوارات في مصر، فإنه يجب التأكيد على أن جميع الحوارات التي سبقت الحوار الأخير كان مقرر نتيجتها سلفاً، ولم تكن حوارات للبحث عن حل، بل كانت حوارات للوصول إلى حل معين، وهذا ما قد يجفف من تخوفات القوى السياسية والشبابية والحزبية من جدية الإجراءات التي تضمن نجاح الحوار الذي أطلقه الرئيس السيسي، فربما يكون ما سيدور عليه الحوار محددا سلفاً كغيره من الحوارات السابقة. وهنا وجب ذكر أن وثيقة الوفاق الوطني التي سبق الإشارة لها  كانت عمل مكتوب عرضه الرئيس عبد الناصر أمام 1500 عضو هم أعضاء المؤتمر الوطني في القاعة الكبرى لجامعة القاهرة، كذلك كان بيان 30 مارس، كان واضح الهدف منه، فمن أهدافه تحويل الغضب إلى مسارات سلمية بعد الهزيمة والأحكام التي صدرت لعدد من الضباط. كذلك الحوار الذي دار حول ورقة أكتوبر انتهي إلى صيغة الاتحاد الاشتراكي وتحديد مستقبل الحياة السياسية في مصر، التي انتهت بالتعددية الحزبية.

أهداف واضحة:

من السابق، يمكن التأكيد على أن السلطة المصرية في تاريخها لم نقبل على الدعوة لحوار وطني إلا وله أهداف مهددة وضمانات الوصول لنتائج وإن كان المؤتمر الاجتماعي الذي دعا له الرئيس مبارك انتهي بالفشل نتيجة الخلافات بين أطرافه، وبالتالي الدولة لن تقبل على تقبل على شيئ مجهول (قضايا الحوار ونتائجه) ولن ترتاح مؤسسة الرئاسة في التوقيت لشيء مجهول، وما يؤكد ذلك هو وضوح دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي للحوار وإصراره على وجود دور لمؤسسة الرئاسة في الحوار كضامن لنجاحه.

تأكيد ما سبق، يتطلب الإجابة عن السؤال التالي، وهو: وما هو المعني العام للإجراءات التي تضمن نجاح الحوار باعتبار أن هذا الحوار يمثل المدخل الطبيعي للجمهورية الجديدة؟. وهنا يمكن القول إن نجاح الحوار والقضاء على بعض التخوفات التي أطلقتها بعض القوى السياسية خلال الـ 25 يوماً الماضية، يتطلب إلى جانب الإرادة السياسية الواضحة لنجاح الحوار، عدة متطلبات، هي كالتالي: أولها سرعة الحركة، وثانيها تحديد واضح ودقيق ومبكر لأطراف الحوار، وثالثهما تحديد مبكر لخارطة القضايا المطروحة على أطراف الحوار.

ما يتعلق، بالمقصود بسرعة الحركة، هو سرعة العمل والتحرك والشفافية من قبل المؤسسات المكلفة من رئيس الجمهورية بالتنسيق بين أطراف الحوار والقيام بالأمور اللوجستية التي يحتاجها الحوار منذ التمهيد لانطلاقة حتى إعلان نتائجه، خاصة وأن القوى المعارضة (الأحزاب والتحالفات المعارضة) تتحرك بسرعة فائقة في تجهيزاتها للحوار منذ دعوة الرئيس السيسي له. وعليه، من الضروري تحديد مساحات في الفضائيات المصرية تناقش الحوار والقضايا التي قد يطرحها وذلك بهدف تهيئة الرأي العام ومشاركته وتذكيره بأن ما يحدث يمثل المدخل الرئيسي للجمهورية الجديدة، هذا بالإضافة إلى أن سرعة الإجراءات ستؤكد أهمية اللحظة التي يجرى فيها الحوار، سواء ما يتعلق بالظروف الإقليمية أو الدولية والتحديات الاقتصادية الداخلية التي لا يمكن مواجهتها دون بناء تحالف وطني قوى وواسع.

أما ما يتعلق، بالعامل الثاني الضامن لنجاح الحوار، وهو التحديد العاجل للأطراف المشاركة وعدم فتح مجال التقديم على مصرية حتى لا يحدث فيما بعد إقصاء أو استبعاد قد يؤثر على مصداقية الحوار، خاصة وأن المستبعدون المحتملون من المتقدمين للحور قد يستغلون استبعادهم في إثارة الشبهات حول الحوار وضرب مستوى الشفافية المحقق.

النموذج الأمثل:

وبالتالي، قد يكون النموذج الأمثل لتحقيق هذا الشرط أو العامل، هو الاحتذاء أو الاقتداء بالحوار حول “الميثاق الوطني” عام 1962، فالمشاركين في هذا الحوار الذين قدر عددهم بـ 1500 عضو، كانوا منتخبين عبر انتخابات تمت على مراحل تبعا للفئات المختلفة، واستمرت لما يقرب من 20 يوماً، موزعون كالتالي، 379 يمثلون الفلاحين، 310 يمثلون العمال، 150 من الرأسمالية الوطنية، 293 من النقابات المهنية، 135 موظفا، 23 سيدة، 105 من أساتذة الجامعات، 105 طلاب من القسم الثانوي والجامعات يضاف إليهم أعضاء اللجنة التحضيرية.

وعليه، من الضروري حدوث تحديد واضح للأطراف المشاركة في الحوار الوطني المقبل، خاصة وأن ترجمة كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي عن الحوار والدعوة له تشير إلى أنه كان محددا في الأطراف المدعوة سواء جميع الأحزاب السياسية والقوى الشبابية والكيانات السياسية، وهنا يجب فلترة تلك الكيانات بحيث تحدد شروط واضحة لاختيارها، منها مدى النشاط والفاعلية، حدود انفصالها عن الأحزاب التي تمثل توجهاتها السياسية وغير ذلك من الشرط التي تضمن جدية المشاركين، فدعوة الرئيس كانت واضحة، قائلا ” تكليف إدارة المؤتمر الوطني للشباب بالتنسيق مع كافة التيارات السياسية، الحزبية والشبابية لإدارة حوار سياسي حول أولويات العمل الوطني، ورفع نتائج هذا الحوار إلى شخصيا مع وعد بحضور هذه الحوارات في مراحلها النهائية”.

هذا بالإضافة إلى أنه من الضروري أن يتضمن المؤتمر بالإضافة إلى الأحزاب  والتيارات السياسية الشبابية مجموعة من الشخصيات الوطنية والعامة ذات الخبرات في القضايا المحددة للنقاش وذلك لترجمة الحوارات إلى أوراق واضحة ومحددة تقدم إلى رئيس الجمهورية الذي طالب برفع نتائج الحوار له شخصياً.

ما قد يضمن، نحاج الحوار، هو خريطة عمل محددة للقضايا- أي أن تكون القضايا محددة، سواء قضايا كانت اجتماعية أو سياسية متعلقة بشكل النظام الانتخابي أو بقضايا مرتبطة بالمجال العام.

في النهاية، يمكن القول إن الشعور بالاطمئنان من قبل القوى السياسية المعارضة في ظل دعوة الرئيس للحوار وتأكيد على رفع نتائجه له، بالإضافة إلى الإدارة الجيدة لتنظيم الحوار، والبحث عن القواسم المشتركة والقضايا المحددة، ستكون عوامل دافعة نحو إنجاح الحوار ودوامه، وبالتالي تصبح تخوفات البعض لها أساس لها.

د.أبو الفضل الاسناوي

المستشار الأكاديمي والمشرف العام -حاصل على دكتوراه في النظم السياسية من جامعة القاهرة في موضوع الأداء البرلماني في دول الشمال الأفريقي. -حاصل على ماجستير في النظم السياسية عن موضوع النظام السياسي والحركات الإسلامية في الجزائر. -مدير تحرير مجلة السياسة الدولية بالأهرام. -كاتب في العديد من المجلات العلمية وخبير مشارك في العديد من مراكز الدرسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى