مسارات مرهونة: فرص نجاح هدنة وقف العنف في اليمن

بعد جهود قادها المبعوث الأممي لليمن “هانز جروندبرج”، وافق أطراف الصراع في اليمن على مقترح الأمم المتحدة، الذي يقضي بوقف الأعمال العسكرية في البلاد لمدة شهرين، ابتداءً من يوم السبت الثاني من أبريل 2022، اليوم الأول من شهر رمضان، والتي تأتي ضمن المحاولات الأممية لوقف الحرب التي خلفت أسوأ أزمة إنسانية في العالم منذ عام 2014.

ومع أن الهدنة لا تعني إنهاء حالة الحرب، باعتبارها عمل ذو طابع سياسي بجانب صفته العسكرية، إلا أنه أحياناً ما يلجأ إليها المتحاربون توطئةً لعقد صلح في المستقبل؛ وتأسيساً على ذلك؛ يحاول هذا التحليل الإجابة عن السؤال التالي، وهو: هل يمكن أن تشكل الهدنة المعلن عنها خطوة يمكن البناء عليها لتحقيق السلام في اليمن؟ وإلى أي مدى يمكن لهذه الهدنة الصمود أمام التحديات التي تواجه تمسك أطراف الصراع بها في ظل الخروقات المستمرة لها؟.

محاولة لوقف العنف المتصاعد:

في إحاطته أمام مجلس الأمن، الثلاثاء15 فبراير 2022، ذكر المبعوث الأمم المتحدة في اليمن “جروندبرج”، أن هناك طريقة للخروج من الحرب، وأنه يعمل على تطوير إطار عمل سيحدد خطته للمضي قدما نحو تسوية سياسية شاملة في اليمن، تقوم على إنشاء عملية متعددة المسارات يمكن من خلالها معالجة مصالح الأطراف المتحاربة في سياق أجندة يمنية أوسع، تشمل القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية، ومما تمخضت عنه تلك الجهود، هو اتفاق أطراف الصراع على هدنة لوقف القتال لمدة شهرين، بدءً من أول أيام شهر رمضان، على أن تكون قابلة للتمديد شرط موافقة الطرفين عليها.

وتهدف الهدنة بحسب ما أعلن عنه المبعوث الأممي لليمن “هانز جروندبرج”،”منح اليمنيين فترة راحة ضرورية من العنف، لتخفيف المعاناة الإنسانية، والأهم من ذلك، الأمل في أن إنهاء هذا الصراع، ممكن”، مؤكداً على أنه سيضغط من أجل وقف دائم لإطلاق النار في اليمن.

وتقضي الهدنة بوقف جميع العمليات العسكرية، بما في ذلك العمليات عبر الحدود، والسماح لسفن الوقود بدخول ميناء الحديدة، وتشغيل الرحلات التجارية القادمة إلى مطار صنعاء، والمغادرة “إلى وجهات محددة مسبقا في المنطقة”، وتأتي أهمية هذه الهدنة فيما يمكن البناء عليها لاستعادة بعض الثقة بين الأطراف المتحاربة ولاستئناف عملية سياسية تهدف إلى إنهاء النزاع، حيث اعتبرها “جروندبرج”، “فرصة حقيقية للأطراف اليمنية من أجل تغيير المسار ورسم طريق سلمي للمضي قدما”.

وقد رحب تحالف دعم الشرعية في اليمن بالهدنة، حيث قال الناطق باسمه، العميد “تركي المالكي”: “نرحب وندعم قبول الحكومة اليمنية لهدنة عسكرية لشهرين”، و”التحالف يدعم جهود الأمم المتحدة وترتيباتها لتثبيت الهدنة في اليمن”، وكانت قوات التحالف قد أعلنت في 29 مارس2022، وقف العمليات العسكرية داخل اليمن، بدءً من صباح الأربعاء 30 مارس2022 مع دخول شهر رمضان المعظم، فيما أعلن الحوثيون في وقت سابق تعليق الهجمات عبر الحدود والعمليات الهجومية البرية في اليمن لمدة ثلاثة أيام، فيما أكد المتحدث العسكري للحوثيين”يحيى سريع” “التزامنا بوقف شامل للعمليات العسكرية طالما التزم الطرف الآخر بذلك”.

المواقف وردود الأفعال:

ما أن تم الإعلان عن الهدنة نهاية مارس2022، حتى لاقت ترحيباً دولياً واسعاً، في ضوء الأوضاع المزرية التي يعاني منها الشعب اليمني؛ منذ سيطرة الحوثيون على العاصمة اليمنية صنعاء في 21 سبتمبر 2014، حيث يعيش اليمنيون أزمة اقتصادية وإنسانية سيئة للغاية، وصفتها الأمم المتحدة بأنها أسوأ أزمة يشهدها العالم.

وقد رحب الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش” بإعلان الهدنة، التي تثبت أنه حتى عندما تبدو الأمور مستحيلة، يصبح السلام ممكنا حين تتوافر إرادة التسوية”، داعياً أطراف النزاع إلى البناء على هذه الفرصة لإطلاق عملية سياسية لسلام دائم، وأنه “ينبغي الآن استخدام هذه الاندفاعة” للتأكد من “التزام (هذه الهدنة) في شكل تام وتمديدها”، كما حث مجلس الأمن الدولي أطراف الصراع على اغتنام الهدنة في اليمن لإحراز تقدم نحو وقف إطلاق النار.

وأعربت كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات لعربية المتحدة عن دعمهم لوقف إطلاق النار الذي تنفذه الأمم المتحدة، فيما اعتبرت إيران “إن خطة الحوثيين لوقف إطلاق النار يمكن أن تساعد في إنهاء حرب اليمن وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية في بيان “نحث الأطراف على استغلال هذه الفرصة للمشاركة بشكل بناء ودون شروط مسبقة مع المبعوث الخاص هانز جروندبرج وجهود الوساطة التي يبذلها”.

وقال رئيس الحكومة اليمنية “معين عبد الملك”، الأحد03 أبريل ,2022، إن وقف إطلاق النار هو العنصر الرئيسي في المبادرة المقدمة من الأمم المتحدة والتي وافقت عليها الحكومة، والتي يمكن البناء عليها في الجوانب الاقتصادية والإنسانية والعسكرية والأمنية حتى الوصول إلى حل سياسي شامل ومستدام في اليمن وفق المرجعيات الثلاث، غير أنه شدد على أهمية صمود وقف إطلاق النار يشكل العامل الرئيسي لاستمرارية الهدنة وفتح فرصة جديدة لمسار السلام”.

بدوره، رحّب الرئيس الأميركي “جو بايدن” بالهدنة في اليمن التي وصفها بأنها “متنفس انتظره الشعب اليمني طويلا، لكنه اعتبرها غير كافية، وشدد على التزام وقف إطلاق النار، وكما قلت سابقا، من الضروري إنهاء هذه الحرب”، كما رحب رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون” بالهدنة، وحضّ على “العمل من أجل حل سياسي دائم”، وأنه “لدينا الآن فرصة سانحة لإحلال السلام أخيرا وإنهاء المعاناة الإنسانية”.

فيما اعتبرت الجامعة العربية “اتفاق طرفي النزاع في اليمن على هدنة وقف إطلاق النار، بادرة طيبة ولعلها يمكن البناء عليها، لأن الوضع إنسانيا أصبح في غاية الصعوبة”، وذلك بحسب تصريح الأمين العام المساعد لجامعة السفير “حسام زكي”، كما لاقت الهدنة ترحيباً عربياً ودولياً واسعاً،في ضوء الرغبة العربية والدولية لوضع حد لتفاقم الأوضاع الإنسانية المأسوية الناتجة عن الصراع في اليمن منذ سبعة أعوام.

فرص النجاح وعوامل الإخفاق:

تكمن أهمية الهدنة في أنها تقدم مسار باتجاه معالجة الأزمة اليمنية، وتؤسس لحالة من التسوية السياسية التي يدفع إليها مختلف الأطراف -باستثناء الحوثيين- لكنليس من الواضح إن كانت هذه الهدنة ستدفع الأطراف المتحاربة إلى إجراء محادثات سلام، أم يستغلونها في ترتيب صفوفهم، ومحاولة تحقيق مكاسب عسكرية، ومع ذلك يظل لهذه الهدنة فرص نجاح مثلما يتوفر لها عوامل إخفاق، يأتي أهمها على النحو التالي:

(&) فرص النجاح، والتي تستند إلى الرغبة العامة (اليمنية والعربية والدولية) في إنجاح هذه الهدنة ومساعي تمديدها، رغم الخروقات التي تتعرض لها، وهو ما تتضح من خلال استمرار الدعم المقدم لجهود الحكومة اليمنية في مساعيها لتحقيق الاستقرار في اليمن، خاصة بعد قرار الرئيس السابق “عبد ربه منصور هادى” بنقل صلاحياته لمجلس قيادة رئاسي، في ختام المشاورات اليمنية – اليمنية، التي أعلن عنها في 17 مارس 2022، وعقدت بمقر مجلس التعاون لدول الخليج العربية بالرياض خلال الفترة من 29 مارس إلى 7 أبريل 2022، بهدف توحيد الصف بين اليمنيين، ودعما للشرعية اليمنية، وتعزيز مؤسسات الدولة.

ويشير هذا القرار إلى أن المشهد اليمني باتجاهه إلى التغيير في إطار شمول المجلس الرئاسي لكافة أطياف الشعب اليمني، باستثناء الحوثيين، الذين رفضوا المشاركة في هذه المشاورات باعتبارها تتم في دولة معادية- على حد قولهم- في حين أكد رئيس المجلس الدكتور “رشاد العليمي”، في خطاب وجهه للشعب اليمني الجمعة 8 ابريل 2022، العزم على العمل لإنهاء الحرب وإحلال السلام في اليمن وترسيخ دولة القانون، وأن المجلس، مجلس سلام لا مجلس حرب، وأيضاً مجلس دفاع وقوة ووحدة صف مهمته الذود عن سيادة الوطن وحماية المواطنين.

وبالتالي من الممكن أن تهيئ التغيرات السياسية في المشهد اليمني الظروف المناسبة لقبول وقف شامل لإطلاق النار، والدخول في مسارات التفاوض.

أيضاً إذا أمكن ترجمة النوايا الحسنة التي أبداها جميع الأطراف الفاعلة في الشأن اليمني عند إعلان الهدنة؛ إلى دعم فعلي للجهود الأممية والدولية الرامية إلى إنهاء الصراع الذي أودى بحياة عشرات الآلاف من اليمينيين، ودفع الملايين منهم إلى حافة الجوع، وذلك من خلال الضغط لوقف إطلاق النار والقبول بالذهاب إلى المفاوضات وإجراء محادثات شاملة لإحلال السلام في اليمن.

وبالتالي، تظل فرص نجاح الهدنة رهناً بالتزام الأطراف المتحاربة بتنفيذها، والاتجاه إلى اتخاذ إجراءات فاعلة لتمديدها وتوسيع نقاطها، بما يساهم في إنهاء الحرب وعودة الاستقرار، لكن هناك عوامل تساهم في تتضاءل فرص نجاح هذه الهدنة، وتحول دون تحقيق أهدافها.

(&) عوامل الإخفاق، والتي ترتبطبما تشير التجارب، إلى أن المحاولات السابقة للتوصل إلى هدنة في اليمن باءت بالفشل، في ظل عدم توافر الرغبة لدى إيران والحوثيين للوصول إلى الحل السياسي في اليمن، والذي يعني ضرورة أن تقبل الأطراف المتصارعة الجلوس على طاولة الحوار، والتوصل لتسوية سياسية ما؛ تعكس التطورات على الأرض، وقد عكس رفض الحوثيون المشاركة في مشاورات الرياض التي أفضت إلى تسليم السلطة لمجلس رئاسي، في وقت يسعى مجلس التعاون الخليجي لجمع طرفي الحرب اليمنية للتفاوض، إلا أن رفض الحوثيون لمخرجات هذه المشاورات، يعكس مساعيهم لمواصلة الصراع، سعياً لتحقيق المزيد من المكاسب، ومحاولة تحقيق سيطرة كاملة على اليمن، ورفضهم المشاركة في مفاوضات لا تفضي نتائجها إلى ذلك.

كما يبدو أن الحوثيين يرون في هذه الهدنة فرصة لالتقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب صفوفهم،إذ يرون أن وقف الحرب يمكن أن يضعف موقفهم التفاوضي الذي سترسم خطوطه مناطق سيطرتهم، ولعل ذلك هوما يفسر انتهاك الحوثيين للهدنة بشكل مستمر،مع بداية سريانها،حيث استأنف الحوثيون هجومهم على محافظة مأرب، بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والصواريخ البالستية والطائرات المسيرة”، إضافة إلى تعزيز انتشارهم العسكري وتعبئة القوات والمركبات وتنفيذ ضربات بالمدفعية وبالطائرات بدون طيار على مختلف جبهات القتال.

استناداً إلى ما تقدم، فإن الهدنة المتفق عليها، تمثل خطوة مرحلية نحو وقف إطلاق النار في اليمن،وإحدى الفرص التي يمكن اغتنامها لإنهاء هذه الحرب،وإن كانت في الوقت ذاته لا تشكل قفزة عالية باتجاه السلام المفقود، في ضوء رفض الحوثيون الالتزام بهذه الهدنة، وعدم الاكتراث بالمساعي الدولية لإنهاء هذه الأزمة اليمينة، أو بمعاناة الشعب اليمني المستمرة لأكثر من سبع سنوات.

بالنهاية، إن العامل الوحيد الذي يمكن أن يدفع الحوثيين للقبول بالتفاوض، هو “اتجاههم للهزيمة” وخشية ضياع المكتسبات التي تحققت لهم على مدى السنوات الماضية، وطالما أن هذا لم يحدث إلى الآن، فمن الصعب أن يجلسون على طاولة المفاوضات، ما يعني أنهم سيلجئون إلى مواصلة الحرب وتصعيد العنف، باعتبار ذلك هو السبيل المتاح للحفاظ على مكاسبهم التي تحصلوا عليها خلال السنوات السبع الماضية، والذي يمكنهم من فرض شروطهم متى أرادوا التفاوض!!

وبالتالي فإن مستقبل العملية التفاوضية بين الأطراف اليمينة يبدو ضبابياً، في ظل عدم رغبة الحوثيون في الذهاب إلى التسوية السياسية من دون امتلاك قوة تفاوضية، تستند إلى ما تحقق لهم من مكاسب عسكرية، وهذا ما يسعون إليه بشكل حثيث.

د. عبد الناصر سعيد

رئيس وحدة دراسات الأمن الإقليمي حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية , حاصل على في ماجستير الإعلام ,حاصل على ماجستير في العلوم السياسة , باحث مشارك في عدد من المراكز البحثية السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى