دلالات تفويض ولي العهد الكويتي ببعض صلاحيات الأمير

بالتزامن مع إتيان جلسات الحوار الوطني بين السلطتين التشريعية والتنفيذية أولى ثمارها بتوقيع مراسيم العفو عن نشطاء ونواب سابقين متهمين في قضية اقتحام مجلس الأمة 2011 وبعض المتسترين والمدانين في قضية “خلية العبدلي” المحسوبة على ميليشيا “حزب الله” اللبناني- وجه أمير الكويت الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح بتفويض ولي العهد الشيخ مشعل الأحمد الصباح بعضا من صلاحياته الدستورية المتعلقة بتعيين الحكومة والعلاقة مع مجلس الأمة استكمالا لدوره في دعم مخرجات الحوار بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

وتأسيسا على ما سبق؛ يستهدف هذا التحليل التعرف على ملابسات التفويض الأميري لولي العهد وانعكاساته على ملف تشكيل الحكومة خاصة ومستقبل العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بشكل عام في ضوء الحوار الوطني.

دواعي التفويض:

أعلن وزير شئون الديوان الأميري بدولة الكويت الشيخ محمد عبد الله المبارك الصباح، يوم الاثنين 15 نوفمبر عن تفويض الأمير الشيخ نواف الأحمد لولي عهده الشيخ مشعل الأحمد بشأن ممارسة بعض اختصاصاته الدستورية بصورة مؤقتة، حسبما ذكرت وكالة الأنباء الكويتية (كونا).

وفي اليوم التالي، أوردت الجريدة الرسمية “الكويت اليوم” نص الأمر الأميري والذي يتضمن الاستعانة بولي العهد في مسائل تعيين رئيس مجلس الوزراء والوزراء وقبول استقالتهم وإعفائهم من منصبهم، كما اشتمل التفويض على منح ولي العهد سلطة التصديق على المراسيم الأميرية وإصدارها واقتراح القوانين والتصديق عليها، وإبرام المعاهدات الدولية وتعيين الموظفين المدنيين والعسكريين والدبلوماسيين، بالإضافة لكافة صلاحيات الأمير في ما يتعلق بـ”شئون مجلس الأمة”

(*) المسوغ الدستوري: عالجت دولة الكويت بصورة مبكرة أي فراغ في السلطة ولو مؤقتا أو لسبب عارض من خلال الدستور وقانون توارث الإمارة، إذ حرص الدستور على وضع مدة عام كحد أقصى من تاريخ تولي الأمير مقاليد السلطة، لاختيار ولي العهد من الأسرة الحاكمة (ذرية مبارك الصباح)، وبمبايعة ثلثي أعضاء مجلس الأمة، وفي حالة لم يسفر ذلك الإجراء عن تعيين ولي للعهد يزكي الأمير ثلاث شخصيات من الأسرة على أن يبايع المجلس أحدهم بذات الأسلوب.

وينظم قانون توارث الإمارة انتقال صلاحيات الأمير لولي العهد، إذ ينوب عنه بشكل مؤقت في حالة تغيبه خارج الدولة، كما يجوز وفقا للمادة 7 من القانون المذكور، الاستعانة بولي العهد في ممارسة أي من صلاحيات الأمير الدستورية بموجب أمر أميري يحدد نطاق هذه الصلاحيات، وهو ما استند إليه قرار الأمير.

(*) مبررات التفويض: يثير توقيت صدور هذا القرار تساؤلات في ظل عدم وجود تصريح رسمي أو توضيح لمبرراته، وبالنظر لتطورات الوضع السياسي بالكويت يمكن إرجاع تفويض ولي العهد للأسباب التالية:

1- استكمال الحوار الوطني: نجح مسار الحوار الوطني في جولته الأولى بين وفدي السلطتين التشريعية والتنفيذية برعاية الأمير وبإشراف مباشر من ولي العهد الشيخ مشعل الأحمد في إنجاز قضية العفو التي كانت السبب الرئيس في إفساد دور الانعقاد الأول لمجلس الأمة الحالي وهو ما استدعى أن يواصل الشيخ مشعل متابعة هذا الملف بصلاحيات كاملة لحين استكمال إجراءات بناء الثقة بين السلطتين ودعم مكتسبات الحوار في تعزيز الاستقرار السياسي.

ولعل أبرز ما يستدعي التفويض، هو الحالة الصحية للأمير التي تتطلب، حسب محللين، عدم بذل مجهود استثنائي أو إرهاقه بالخوض في تفاصيل الحوار بين الحكومة والبرلمان، إذ لم يتمكن على ما يبدو من استكمال رحلته العلاجية جراء تصعيد نواب مجلس الأمة تجاه رئيس مجلس الوزراء وحكومته.

وخلال العام الجاري توجه الأمير في رحلات علاجية وزيارات خاصة خارج البلاد، ففي مارس أجرى فحوصات طبية معتادة بالولايات المتحدة، وفي يوليو خضع لجراحة بسيطة في ألمانيا، سبقها مباشرة خطابا شديد اللهجة من الشيخ نواف تجاه المعرقلين لجلسات البرلمان في حديثه لصحيفة محلية في يونيو الماضي. وعقب توجيهه ببدء الحوار الوطني بين السلطتين، توجه إلى ألمانيا في زيارة خاصة بنهاية سبتمبر وعاد منتصف أكتوبر الماضي لمتابعة الحوار والتصديق على مراسيم العفو.

2- إعادة تنظيم وضبط العلاقة مع مجلس الأمة: يشير الإجراء كذلك إلى رغبة الأمير في استكمال الجهود لقيام الحكومة المقبلة بواجباتها كاملة في إطار التعاون مع مجلس الأمة، إذ وبالتزامن مع قبول استقالة الحكومة في الرابع عشر من نوفمبر الجاري وقبيل ساعات من صدور التفويض، واصل ولي العهد مهام التواصل مع رؤساء السلطتين التنفيذية والتشريعية، حيث استقبل في قصر بيان، رئيس مجلس الوزراء الشيخ صباح الخالد ورئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم كل على حدى، ولم تذكر وسائل الإعلام تفاصيل اللقاءين إلا أنهما بالضرورة تطرقا إلى المرحلة المقبلة من الحوار والتي تستدعي مباشرة التشاور بشأن الحكومة، فيما ترددت أنباء صحفية، غير مؤكدة رسميا، بإمكانية مشاركة نواب من تكتل المعارضة في مجلس الوزراء المقبل.

انعكاسات التفويض:

يتضح مما سبق أن الاستعانة بولي العهد في ممارسة بعض اختصاصات الأمير، أمرا طبيعيا يتواءم مع مسيرة دولة الكويت وإرثها الدستوري، ولن يغير كثيرا من الوضع السياسي سوى في ضمان التنفيذ الفوري لمخرجات الحوار، إلا أنه سيؤثر بشكل مباشر باختيار رئيس مجلس الوزراء سواء باستمرار صباح الخالد أو اختيار شخصية أخرى من الأسرة الحاكمة.

وتوجد بعض المحاذير التي قد تعزز بقاء صباح الخالد لاعتبارات المشاورات داخل الأسرة الحاكمة التي تظل نتائجها هي الأبرز في تقدير الأمير (أو ولي العهد في هذه الحالة) وعدم ترك هذا المنصب عُرضة لخيارات نواب مجلس الأمة.

كما ترتبط قيمة المنصب في اقترانه سابقا بمنصب ولاية العهد قبل أن يفصل بينهما الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد بسبب الوضع الصحي لولي عهده الشيخ سعد العبدالله وهو ما تسبب في تغير طبيعة العلاقة بين الحكومة والبرلمان إذ لم يعد منصب رئيس الوزراء محصنا ضد المساءلة، وبالنتيجة ساهم الوضع الجديد في تخفيض معدل الاستقرار الحكومي بما لا يتجاوز عام.

وفي المقابل لا تزال شوائب العلاقة بين نواب مجلس الأمة ورئيس مجلس الوزراء تؤثر على جهود بناء الثقة بين الطرفين مع تحميل بعض النواب مسئولية خروج مدانين في قضية “العبدلي” التي استهدفت أمن واستقرار الكويت،للشيخ صباح الخالد، وذلك بإبرازه مسئولا عن تضمين هذه الشخصيات ضمن مراسيم العفو التي رُفعت للأمير بناءا على التقرير الصادر عن رؤساء السلطات الثلاث.

ومن المرجح أن تختار الأسرة الحاكمة شخصية أخرى خلفا للشيخ صباح الخالد نظرا لتجاوزه عائق مجلس الأمة عبر المبادرة بتقديم استقالة الحكومة دون التعرض للاستجوابات المؤجلة في دور الانعقاد الأول للمجلس وكذلك في إطار العرف السائد داخل الأسرة بالتشاور وليس بانتزاع الصلاحيات عبر الإقالة.

وختاما؛ يقتصر تفويض ولي العهد على إنجاز بعض الاستحقاقات في إطار الحوار الوطني دون الرجوع للأمير لعارض مؤقت ولا تحمل أي رسائل أخرى، وبالنهاية سينقضي التفويض بانتهاء تلك المهام أو بزوال هذا العارض الذي تطلب الاستعانة بولي العهد،وذلك عبر أمر أميري آخر. ومن المنتظر أن تشهد الكويت خلال الأيام المقبلة اختيار رئيس للوزراء بإتباع نهج المشاورات داخل الأسرة الحاكمة وبدء مرحلة تشكيل الحكومة بالتعاون مع مجلس الأمة بما يصب في صالح إعادة بناء الثقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية ويمهد الطريق لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الملحة.

ضياء نوح

باحث بوحدة دراسات الأمن الإقليمي ، حاصل علي بكالوريوس العلوم السياسية ، وباحث ماجستير في ذات التخصص ، له العديد من الدراسات والأبحاث المنشورة في مراكز الفكر والمجلات العلمية ، متخصص في شئون الخليج وإيران .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى